أرشيف لـ29 مارس, 2012

29
مارس
12

سمر يزبك ورائحة القرفة

سمر يزبك وروايتها الجديدة

رائحة القرفة.. تستحضر النشوة والذكريات.. وللنساء فقط

 

    في علاقة حب دفين، وغير عادي بين سيدة وخادمتها تدخل سمر يزبك الإعلامية والروائية السورية عالم روايتها الثالثة، بعد رواية (صلصال) و(طفلة السماء) لترفع الستار عن أسرار بعض العائلات الشامية العريقة. وتلقي الضوء على مدن الصفيح الدمشقية وما تخفيه من قصص. وعلى إثر حادثة بسيطة تفتح كل الأبواب المغلقة على أسرار الجنس بين النساء وأسرار العنف ضد الأطفال في آن معاً.

رائحة القرفة لا تشتمها إلا النساء

    لم يكن عنوان الرواية إلا تفصيلاً محورياً تعتمد عليه قصة الرواية، وهو في الوقت نفسه مدخل كل الأحداث التي جرت بين حنان السيدة الدمشقية النبيلة والمطيعة والمطالَبة بالمحافظة على تراث دمشقي امتد لمئات السنين، وبين عليا الخادمة الفقيرة والمتمردة على فقرها وذلّها والمتنكرة لأخلاقيات مدن العشوائيات التي خلّفت مزيداً من الفقر والعنف والشذوذ.

    رائحة القرفة هي الرائحة الأولى التي انبعثت لحظة اللقاء الجنسي بين عليا الخادمة وسيدتها حنان، فكان لها النصيب الأكبر في نبش ذكريات عشر سنوات، بعد أن طردت حنان خادمتها لأنها خانتها مع زوجها أنور، فهل كانت خيانتها شرعية أم أنها دخلت في المحظور؟

فوق.. تحت، والقصة باختصار

    أمضت عليا العشر سنوات الأولى من حياتها مع عائلتها المؤلفة من أبٍ شره وعاطل عن العمل، ومن أم مضطهَدة، ولا رأي لها، مع كومة من الأطفال في البيت المؤلف من غرفة واحدة. أمضت عليا كل هذه السنين وهي تتعرض لقصص جعلتها تضطر لحمل السكين على خصرها، وتستعد لضرب كل من تسول له نفسه مواجهتها من شباب الحارة التي تعيش فيها.

    فأول قصة تعرضت لها هي مشاهدة أمها كل ليلة وهي تُسحب من شعرها حتى تقضي حاجة الأب الشهواني. هذا غير قصة أختها الكبيرة التي تعرضت للضرب المبرح من أبيها فأصيبت بالشلل، وقصة عمل عليا في جمع الزجاجات من حاويات الزبالة وتعرضها للتحرش العنيف، مما دفع أباها إلى أخذها وبيعها لإحدى العائلات الغنية في حي المهاجرين. وهنا تجد نفسها في حضن حنان السحاقية..!

    حنان.. زوجة التاجر أنور، ابن عمها، العاقر، الذي قرر الطلاق من زوجته السابقة حباً في ولد يحمل اسم العائلة، فكان الخيار السليم هو حنان، التي لم تستطع أن ترفض لأنها لم تتعلم إلا الطاعة في منزل له قواعده ونظامه. ومرت الأيام ولم ينتفخ بطنها، فتبين أن أنور هو السبب، وظلت حنان تكرهه، وصارت تمضي أوقاتها في منازل السيدات الراقيات اللواتي يمضين معظم وقتهن في السهرات السرية، النسائية بامتياز. وتتعرف حنان على السيدة نازك، وتجد عندها سلوان القهر الذي ذاقته مع زوجها. وتكتشف كنوز جسدها من جديد بأيدٍ نسائية محضة، وتدمن على السيدة نازك لتهرب من وحدتها وعجز زوجها، ومن طاعتها العمياء لأوامر أهلها المحافظين على قشور الواجب والعرف.

فصل الأصابع السحرية

    تدخل عليا في حياتها وتبدأ بكشف أوراقها لتصير متنفسها اليومي، والمطيع لرغباتها. وتوافق لتكسب رضا سيدتها ولتبقى بعيدة عن منزل الفقر والبشاعة الذي عاشت فيه، ويوماً بعد يوم تبتعد حنان عن أجواء السيدة نازك وتتفرغ لحياتها الخاصة مع عليا، التي تنظف المنزل في النهار، وتلعب بأصابعها السحرية مع حنان التي تنتشي وتنام وكأنها وجدت الخلاص من كل آلامها.

    ويأتي اليوم الذي تنسى عليا نفسها فيه وتنام في حجرة حنان وعلى فراشها، ويطلع الفجر وتستيقظ عليا على صراخ حنان وإهاناتها لأنها سمحت لنفسها بأن تنام على فراش سيدتها. عندها تصل عليا إلى القرار النهائي برد فعل قاس وهو ذاك الرجل الذي لا يقوى على شيء، زوجها العاقر.

    بدأت عليا مخطط الإيقاع بسيدها ونجحت. وصارت كل ليلة تشبع رغبة الزوج والزوجة، كل على حدا، وبسرية مطلقة، حتى تصل اللعبة إلى نهايتها بغلطة صغيرة. وتكتشف حنان خيانة عليا مع زوجها وتطردها من المنزل. وتصارع حنان ذكرياتها حتى تشعر بالندم من فعلتها، وتصرّ على البحث عنها بعد خروجها من المنزل، بعد عشر سنوات من التحكم بكل تفصيل، مع أنها خادمة لا أكثر. تخرج حنان لتبحث عن عليا، وكأنها أضاعت معنى وجودها، ولابد من الإمساك به.

حوّاء.. وما أدراك ما حوّاء

    إن تركنا مناقشة التصوير الروائي لطبقتي المجتمع الشامي جانباً، وما يحتويه من ثنائيات، كانت صادقة في نقل الواقع بكل حسناته وسيئاته، وركزنا على الأطروحة التي تعالج ثنائية الذكر والأنثى فإننا نجد كل رجال الرواية، إما متوحشين أو عاجزين، ومضطهِدين للمرأة على العموم. فالرجل لا يسمح له بكشف أسرار الأنثى لأنه عاجز عن فهمها. الرجل ليس إلا طاقة جنسية مهدورة في جسد الأنثى، وإن لم تجد في المرأة ملاذاً لها تحولت إلى عنف شديد يقتل المرأة البريئة، أو تحولت هذه الطاقة إلى تمسك قوي بجملة من الأعراف والتقاليد تزداد قسوة كلما كان المجتمع أكثر انغلاقاً وتحفظاً، أو تحولت إلى انتكاسة نتيجتها العجز الكلي عن الفعل.. وكل السلوكيات التي تتبعها المرأة في هذه الرواية هي نتيجة حتمية لغياب الرجل الذي يفهمها ويعرف مكامن ضعفها وقوتها ويحترمها لأنها موجودة معه كشريك في هذه الحياة، لا كعبد يؤمر فيطيع.

    تخلو الرواية استناداً إلى هذه الفرضية من الرجال الإيجابيين، كما تخلو من النساء السلبيات. وهي في النتيجة رواية منحازة للمرأة، تبرر لها كل تصرفاتها حتى الشاذة منها دون أدنى تأنيب للضمير. ولا يوجد فيها أي رجل ذو سلوك مبرر أو منطقي أو طبيعي!

    وإن كان الأمر كذلك.. فهل هذه الرواية صادقة في نبشها عن مكامن عجز هذا المجتمع وضعفه الأخلاقي، وصادقة في سعيها لإنشاء علاقة صحية بين الرجل والمرأة؟ أم هي ردة فعل عنيفة ضد الرجل فحسب؟ هل كل الرجال في مجتمعنا كما ظهروا في الرواية؟ أم أنها رواية وضعت المجهر على مكامن الشذوذ فقط دون غيرها، بغض النظر عن واقع الحال؟

بين متاهات السرد الخارجي، ومطبّات الاسترجاع الرتيب

    تبدأ الرواية بحادثة الخيانة، ثم تحدث عملية استرجاع لذكريات السيدة والخادمة تبرر قوة القرار في النهاية، وهنا يكمن التركيز على أسباب الخيانة لا على نتائجها الآنية، لكن الاسترجاع لا يحمي القارئ من الملل والتوقع المسبق لكل فصل قبل أن يبدأ بقراءته. ثم إنّ انتهاج الكاتبة لتقنية الراوي الخارجي في السرد، والذي يعرف عن الشخصيات أكثر مما تعرف هي نفسها، ما يؤكد تبني الكاتبة لكل توصيف ولكل كلمة كتبت، فهي من تقوم بتحريك الشخصيات وكأنها دمى معلقة بحبال شفافة تفعل بها ما تشاء دون أدنى معارضة، وهذا خيار لا نقاش عليه. لكنها بهذه العملية هل تحدد جنس قرائها، رجالاً كانوا أم نساء؟ وهل تستطيع الدفاع عن نفسها بالشكل الكافي لتقنع قراءها بأن شخصياتها حية وحرة؟ وما هي ردة فعل الرجال المعتدلين الذين لا يرون في المرأة إلا نصفاً فاعلاً في الحياة.

29
مارس
12

سحر مندور وحبها البيروتي

الحب في بيروت..!

التجريب والتجديد في رواية سحر مندور الثانيةصورة..

 

     بعد روايتها الأولى (سأرسم نجمة على جبــين فيـينا) عام2007 التي تصدرت لائحة الكتب الأكثر مبيعاً في معرض بيروت الدولي للكتاب تحاول الكاتبة والإعلامية (اللبنانية – المصرية) سحر مندور مقاربة جنس الرواية العربية مع جنس الواقع البيروتي المنفتح في روايتها الثانية (حب بيروتي) عام 2009 عبر تناول قصة حب بين الشاب أحمد والفتاة ماجدة تنتقل فيها عبر محطات عدة، لتنتهي بالانفصال دون عداء، وتصل إلى ختامها دون عناء.. فهل كانت هذه المقاربة لصالح طرف على حساب الآخر، أم لم تحقق شرط المقاربة نهائياً؟ وهل اكتفت بتفريغ ما يحلو لها وما يعتلج في صدرها من ضغوط وهواجس على الورق، لتقول إنها أنجزت ما تعتقد أنه.. رواية؟

قصة الرهان الخاسر..

    تقوم حكاية الرواية على رهان بسيط، ومحفوف بالمخاطر بين شاب وفتاة في مقتبل العمر، وهذا الرهان نتيجة طبيعية، بل لا بد منها بعد مرور خمس سنوات على علاقتهما، حيث تطلب ماجدة من أحمد أن يتزوجها.. لكن أحمد يصدم وينتابه الخوف، فيُحجم ويختفي بصمت، وماجدة تنتظر وهي محبطة من ردة فعله المفاجئة.. وتنتقل علاقتهما بعد ذلك من تبادل الخوف من الارتباط، إلى التسرع في الرفض وتداعياته المرتبطة بالإحساس بالثقل النفسي وفقدان الأسباب المقنعة للانفصال.. ثم يتوصلان على حل مؤقت، دون أن يفترقا، وهو الانفتاح على علاقات أخرى، يجرب فيها كل طرف أن يقيم علاقة مع آخر، فلربما وجد عنده الملجأ والملاذ، أو وجده جحيماً وعذاباً، عندها يرجع إلى الحبيب بروح جديدة وعفوية خالية من الضغوط والتساؤلات.. وينتهي هذا الرهان بالانفصال، لأنه باطل من أساسه، لخلوه من الضوابط!

    ماجدة مترددة، وأحمد خائف.. لا تجد ماجدة في طلب الزواج إلا حلاً لتسكت خوفها، وما اقتراح العلاقة المفتوحة إلا وسيلة لتسجن حبيبها. أمّا أحمد فتعجبه التجربة، تاركاً غيرته، ولم يرفض أن تنام حبيبته في فراش آخر، كأنّهما كانا يتباريان على الانفلات من أي التزام، أو مسؤولية.

    بعد الموافقة المفترضة من الطرفين على تنفيذ اللعبة تنطلق ماجدة للبحث عن شاب تستعيض به عن أحمد فلا تجد إلا مروان الضرير الذي يواجه معها صعوبة الإقناع، وتعيش معه عرقلات التواصل مع شاب ضرير. ثم تتركه لتنشىء علاقة أخرى مع شاب يدعى جعفر، ثم مع خالد.. وهكذا، بينما أحمد يحاورها كل فترة عن الشاب الذي برفقتها ويحاول تقليده أو مهاجمته، ويظل متردداً وضائعاً حتى يلتقي بكارمن التي تكبره بعشرة سنوات على الأقل، ورغم ذلك يقيم معها علاقة سريعة تجعله يندم، ويزداد تعلقاً بماجدة المنشغلة مع آخرين. وبعد جدال وسجال، وبعد محاورات عديدة ولقاءات مديدة يصلان إلا تعلق كل منهما بالآخر.. لكن الاستمرار مستحيل، فلتكن الصداقة إذاً.. وبكل بساطة.

    خضع أحمد لتغيرات عديدة بعد هذه اللعبة، فقبل ذلك كان شاباً لاهياً كاذباً، ومنفلتاً. لا يؤمن بالضوابط والمسؤوليات، ومصير أي علاقة عاطفية في نظره كمصير أي كأس زجاجي مكسور.. وصار بعد هذه التجربة رجلاً يتبنى بشكل كامل سيكولوجيا المرأة ويدافع عنها، وصار من الصعب عليه أن يكذب أو يتهرب من المسؤوليات.. وإن كانت النهاية غير مرغوبة من قبله لكنه سيتحمل بموضوعية مسؤولية الصداقة بكل إخلاص مع ماجدة. والكاتبة تتقصد توضيح التغير عند الرجل مع بقاء ماجدة على حالها لتدلل على علل الرجل وتقدم له الدواء، وكأنه هو الملام والمرأة هي الضحية، لأن ماجدة – حسب توضيح الكاتبة- لم تبحث عن الجنس أو الحب، بل كانت تبحث عن قصة مثيرة ترويها لأحمد حتى تغيظه وتستفزه.. هل كانت ماجدة من العفة بمكان حتى لم تنس أحمد حتى في أكثر اللحظات حميمية!؟ لماذا لم تعش ولو على سبيل الافتراض لمدة أسبوع على الأقل حمى الحب، أو حمى الانفصال؟ لماذا اكتفت بيومين أو ثلاثة من الانتظار فقط، وأعجبها موضوع الانفتاح بعد أول لقاء مع شاب آخر؟

جيل بيروتي مهزوز

    لم تكن بيروت مكاناً يحتضن هذه العلاقة، بقدر ما كان دلالة على هذا الجيل البيروتي الذي انفلت من كل الضوابط التي كانت مفروضة عليه، وتخلى عن كل المسؤوليات، وانفتح على الغرب دون ركائز تحميه في المستقبل، فكانت حياته الخالية مبنية بالنتيجة على عامل الخوف، والتردد.

    هذا الخوف من الاستقرار ومن المجهول أثناء غياب معظم الضمانات الأخلاقية والاجتماعية.. وغيرها، لم يمنع ماجدة وأحمد من إعطاء نفسيهما فسحة من التجريب وإعادة النظر في العلاقة، وقدرتها على الاحتمال، في ظل وجود منافس جديد لكل طرف، روحاً وجسداً، وفي ظل توقع مستمر للخطر والمغامرة. هذا هو جيل الكاتبة نفسها.. الذي يتردد في تحمل المسؤولية، ويريد أن يعبّر عن نفسه، يخرج ويمرح ويسكر.. جيل تهاوت أمام عينيه كل الأحلام، فقرر الهروب رافضاً القيود والثوابت، تسكنه الحرية، ويلاحقه الخوف.

هل هذا تجريب.. أم تخبيص؟

    يصعب على أكبر الأدباء الخروج من ذواتهم والكتابة على لسان شخصية من غير جنسهم بشكل مطلق، أي يصعب على الأديب أن يكتب على لسان امرأة، وأن يعيش كل تفاصيلها، لأنه لا يستطيع الخروج من ذكوريته، فكيف الحال مع سحر مندور التي كتبت معظم الرواية وهي تتحدث بصيغة المتكلم، وبشكل كامل تحكي على لسان أحمد وكأنها هي؟ لكنها رغم كل محاولاتها لتحقيق هذه الفرضية لم تستطع أن تجعل أحمد يظهر بمظهر الشباب، بل ظل في كثير من تصرفاته وكلماته أشبه بالنساء. وصار أحمد نصف أنثى على خلاف الواقع.

    هذا غير أن الكاتبة كانت تنتقل من صيغة الراوي كلي المعرفة إلى صيغة الراوي الداخلي الذي لا يعرف إلا ما يراه أمامه من أحداث أو أشخاص. وتنتقل بشكل غير متوازن أو ممهد له بشكل منطقي، ودون سابق إنذار. فبينما تتحدث بصيغة المتكلم عن شخصية أحمد نجدها تتحول فجأة إلى صيغة الغائب لتشرح نقطة أو أكثر عن العلاقة بين أحمد وماجدة، أو تتحول وبشكل سريع إلى حوار ثنائي لا رابط له بما سبقه من مواضيع.. وقلما تنتقل تبعاً لضرورة السرد الذي يتطلب توضيح بعض المحاور في شخصية البطل، بل لضرورة الحالة المزاجية التي تعيشها وكأنها تكتب مذكراتها عن علاقة مرت بها على مدى عام كامل، وتريد من أصدقائها الذين تابعوا ما جرا معها أن يقرؤوها، دون الاكتراث لغيرهم.

أما لغة الرواية فبسيطة ومتقلبة، تتبدل بين الفصحى والعامية دون ترتيب أو تنظيم، فمثلاً لم تخصص السرد أو الوصف باللغة الفصحى وتترك للعامية اللبنانية الحوارات بين الشخصيات، بل تعمدت خلط العامية والفصحى بحيث أن القارىء لا يعرف متى وفي أية لحظة تصادفه كلمة عامية ضمن جملة أو حوار فصيح.

    ويغيب السرد أو الوصف أمام حضور الحوارات التي تأخذ شكل السيناريو التلفزيوني أكثر من أن يأخذ شكل الحوار الروائي الذي يأتي لضرورات ملحة تستدعي تحمل مسؤولية كل كلمة تقولها الشخصية على لسانها، أو تستدعي ضرورات أخرى.. وتصير الرواية في المجمل عبارة عن مشاهد متقطعة، أو مستعادة، أو متسارعة.. مع غياب شبه كامل للوصف الروائي الذي يكون ذا هدف توضيحي أو درامي، وأكبر دليل على ذلك هو غياب أي توصيف لبيروت مع أن الكاتبة تحدد أماكن بعينها مثل مقهى الروضة أو الكازابلانكا.. أوغيرها، وللشخصيات تواجد ملحوظ في هذه الأماكن، بل وذكريات.. فكيف يغيب توصيف مثل هذه الأماكن ولها كل هذا الدور في الرواية؟ إلا إنْ كانت الكاتبة تتعمّد كتابة الرواية لأهل بيروت تحديداً، الذين يعرفون هذه الأماكن عن ظهر قلب!! إنها لم تُتعب نفسها في وصف بيروت، لكنها أتعبتها في نسخ مقاطع طويلة وتاريخية ومباشرة، ولا علاقة لها بأحداث الرواية مثل نسخ قصة القائد خالد بن الوليد عن الويكيبيديا (الموسوعة الحرة) على مدى ثلاثة صفحات أو لكي تقول إن ماجدة تنوي مصادقة شاب يدعى خالد، وأبوه اسمه وليد..!! 

    من غير المعقول أن تكون الكاتبة على جهل بما ارتكبت في روايتها هذه من مجازر على صعيد الرواية العربية والعالمية، لذا كان السؤال المطروح في البداية.. هل هذه رواية تجريبية على الصعيد الفني، أم هي مجرد لعب وعبث دون دراية؟!

مصدر الرواية:

مندور، سحر – حب بيروتي-  دار الآداب – بيروت – الطبعة الأولى – 2009

28
مارس
12

 درغام بلا كرسي..!

درغام بلا كرسيImage..!

قصة على شكل رواية .. ديمة ونوس وروايتها الأولى..!

   

    الشابة ديمة ونوس.. لم تبلغ مجموعتها القصصية الأولى (تفاصيل) عامها الثاني حتى أرفقتها بروايتها (كرسي) التي تصف فيها أعراض مرض معدٍ في جسد المجتمع العربي، دون أن تعطي وصفة علاج جاهزة، وتقدم عدة أسئلة تخص مصير حياتنا، دون أن تترك أجوبة واضحة أو ناجزة. وبعيداً عن الناحية الفكرية.. هل يستحق عملها هذا أن يحمل اسم الرواية، أم القصة الممطوطة؟ وإن كانت كذلك فهل هي رواية خفيفة، أم قصة ثقيلة؟

ديمة.. بالتاء المربوطة، أم بالألف الممدودة؟

    من المعيب، وبل والمعيب جداً ألا تنتبه دار نشر معروفة على مستوى الوطن العربي مثل دار الآداب البيروتية التي طبعت ونشرت هذه الرواية إلى الخطأ الواضح في طباعة اسم ديمة ونوس، فمرة نقرأ اسمها على الغلاف مكتوباً بالتاء المربوطة، ومرة نقرأ اسمها على الصفحة الأولى بالألف الممدودة، وكأنها لمؤلفة أخرى.. أليس من المخجل ألا تتم مراقبة مثل هذه التفاصيل وخاصة اسم صاحب العمل الأدبي أو اسم العمل نفسه؟

عود على بدء..!

    إن موضوع الرواية مألوف ولا يحتوي أي شيء جديد، لا على مستوى القصة، ولا على المستوى التقني، وهذا أمر عائد على الكاتبة واختياراتها، لكن نسبة طلب الرواية ونسبة قراءتها هي التي تحدد الجديد في طرح الرواية، وهذا مرتبط بالزمن، لكن من حيث الرؤية النقدية فإنها عمل أدبي لا جديد فيه.. وذلك من حيث معالجة موضوع العلاقة بين المواطن العادي ورئيسه في العمل، تلك العلاقة القائمة على التزلف والوصولية من جهة، وعلى الخوف والرهبة من جهة ثانية.

كرسي على أربعة أرجل.. أو أكثر!

    ترتكز رواية «كرسي» على شخصية درغام، التي تعتبر الشخصية الرئيسية والعمود الفقري للأحداث وترتسم من خلالها دلالات العلاقة بين الموظف ورئيسه في العمل.. درغام القادم من ريف طرطوس باتجاه العاصمة دمشق حيث يقدر له أن يحتل منصباً مهماً في وزارة تطوير الإعلام – حسب تسميتها في الرواية-، وذلك بعد عذاب طويل استمر لسنوات. وترتبط هذه الشخصية ضمن الرواية بحدث درامي هو الزيارة التي سيقوم بها الوزير، وتبنى على هذا الحدث كل تداعيات الشخصية، والتي تجعله يصب كل تركيزه واهتمامه في نقطة واحدة، ألا وهي الجلوس إلى جانب الوزير، وعلى الكرسي المجاور تحديداً لكرسيه، وهذا الكرسي سيفتح له المجال لتبادل الحوار معه.. وبعدها سينظر إليه مرؤوسيه بعين الاحترام والتبجيل لأنه جاور سيادة الوزير.

    ليس درغام إلا نموذجاً معاصراً لشريحة صارت واسعة في المجتمع العربي تسعى لتحقيق أكبر قدر من المكاسب وبأسهل الطرق، لذا فإنه رمز لفساد القيم وانحلالها في المجتمعات القائمة على الاستحواذ والتزلف واحتقار الإنسان.

    هذه القصة خضعت لعملية مط وشد واستطراد وإسهاب من كافة الأشكال والألوان حتى امتدت على مدى 166 صفحة من القطع الصغير.. وظهرت بشكل جلي طرق اللف والدوران بحجة توضيح وتوصيف الشخصيات والأحداث لدرجة أفقدت التشويق والجذب من قبل الكاتبة للقارىء.. أكل هذه المناورات بغية الوصول إلى ما يسمى رواية؟ 

هلوسات الكرسي والويسكي والسيجار

    لا يتجاوز الزمن الروائي، أو الزمن الآني، تبعاًَ لذلك حدود الاثنتي عشرة ساعة الفاصلة بين استيقاظ درغام وحتى موعد زيارة الوزير.. ويتم ملء تاريخ الشخصية الرئيسية ومن معها من شخصيات ثانوية والأحداث التي جرت معها بطريقة متناوبة، ما تلبث أن تتشعب خلال السرد إلى أزمنة متغايرة يتم من خلالها سرد حياة البطل، وبصيغة الراوي الكلي المعرفة، ويترافق حدث الزيارة الاستثنائية مع بلوغه الخمسين من العمر، وبالرجوع إلى سنوات الفتوة والشباب تروي الكاتبة بطريقة السرد الاسترجاعي نتفاً ميلودرامية متقطعة من سيرة درغام الذي يفقد أمه أثناء ولادته، ثم يفقد أباه في الخامسة من عمره، ويعيش في بيت عمه ويصير ابن عمه عيسى أخاه وصديقه، والوحيد الذي يربطه بالضيعة.

    يعيش درغام انفصاماً بين عصامية شبابية، وبين جنوح موازٍ إلى ارتقاء السلم الوظيفي، وبشتى السبل.. تبدأ الرحلة أثناء دراسته في جامعة دمشق، وصراعه المستمر من أجل العمل في الصحف والجرائد ومن أجل تطوير قدراته الصحفية. ويتطور عمله إلى أن يتسلم رئاسة القسم الثقافي في جريدة «الفرسان الثلاثة» حتى يتسلم عمله الأخير كمدير للقسم السياسي في وزارة تطوير الإعلام.

    هذه السرعة الرهيبة في الانتقال من منصب إلى منصب لم تكن مبنية على التزلف والخضوع بل أكثر من ذلك، حيث أن الحال وصل به  إلى درجة عمل فيها مخبراً لدى بعض أصحاب النفوذ، ويدعى السيد حمزة.  وسبّب من خلال تقاريره الضرر لزملائه في العمل وراح يسحق كل منافسيه إلا زميله خضر الذي بدت سلطته الشخصية أقوى من أن تطيح بها تقارير درغام الانتهازية.

    حصل درغام على زجاجة ويسكي على سبيل الهدية، وحصل من السيد حمزة على سيجار كوبي من النوع الممتاز. وظل محتفظاً بزجاجة الويسكي، وبالسيجار لمدة طويلة. لم يفتح الزجاجة في انتظار مناسبة مهمة، وكذلك السيجار. وهاهي اللحظة قد أتت.. زيارة الوزير.. ليدخلان في نسيج السرد والأحلام والتخيلات ويصيران جزءاً من الحدث.

    بعد كل هذه الهذيانات التي عاشها درغام وكل هذه السرديات التي شرحت ووضحت تاريخ خطوات حياته، يقترب موعد الزيارة ويتجهز درغام ويشتري ثياباً جديدة وينطلق لتنفيذ مهمته وهو واثق من نفسه، إما بأنه فاشل ووضيع، أو ناجح وضليع!

الغاية تبرر الوسيلة

    تبدو الرواية منذ صفحاتها الأولى وحتى خاتمتها مُحكمة السرد، لكن تداخل الأزمنة خلق نوعاً من التشويش على مستوى التلقي لأنها اعتمدت ثلاثة خطوط في السرد، الأول حاضر، حيث يتم سرد ما يجري مع درغام الآن وهنا، مع وجود معادلات فنية مثل دخول المقاطع الغنائية التي يستمع إليها في غرفته، وكل ما يجري في ذهنه بما يخص الكرسي، والثاني استحضار للماضي على مستوى الطفولة وبدايات العمل، والثالث يخص العمليات التي انتهجها للوصول إلى ما يريد. هذه الخطوط الثلاثة وعدم ترتيب وضعها جعل تراكبها بين الحاضر والماضي يخلق شيئاً من الانفصال بين القراءة والقارئ، مما استدعى الرجوع بالصفحات بغية محو الالتباس.

    تتجنب الكاتبة الوقوع في شرك اللغة العاطفية والميلودرامية إلى حد كبير عدا بدايات الرواية مقتربة في المقابل من السرد الواقعي الحياتي المتسم بنبرة موضوعية وحيادية أقرب إلى لغة ونبض الشارع. وإذ تبرع الكاتبة في رسم الملامح الشخصية والنفسية لبطل روايتها درغام فإنها تقدم صورة بانورامية غنية ومعمقة ومليئة بالتفاصيل للأشخاص ولعالم الرواية. لكنها تفرط في استخدام ما كتبت الجرائد من مقالات واستخدام كلمات الأغنيات لدرجة تجعل القارىء يتجاهل مقاطع الأغاني لكثرتها وطولها أكثر من اللازم.. وإن كانت الغاية تبرر الوسيلة في شخصية درغام فهل هي كذلك في رؤية الكاتبة؟ هل غايتها أن تعالج قضايا المجتمع الكبرى، انطلاقاً من أن الأدب العربي مازال محكوماً بالواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي؟

26
مارس
12

الموت نثراً..!!

أكثم سليمان

الموت نثراً.. في جملة اسمية

 

    لم يمنعه عمله كمراسل في قناة الجزيرة الإخبارية من التفرغ لكتابة القصة القصيرة – إن جاز لنا بتسميتها كذلك-، فأنجز باكورة أعماله في مجموعته القصصية الموت نثراً.. لكن، هل استطاع أن يخرج من عالم التحقيقات الصحفية والمتابعات الإعلامية، حتى يدخل في عالم الكتابة القصصية والأدب دون خلط في المصطلحات؟ وهل ستترك قصصه أثراً في نفوس قراء الأدب، أم في نفوس متابعي النشرات الإخبارية؟

    أكثم سليمان.. شاب سوري أنهى دراسته الثانوية في دمشق، وانتقل إلى ألمانيا لدراسة الإعلام والصحافة، ثم استقر بعد تخرجه في برلين، وعمل في عدة صحف ومجلات، إلى أن صار الآن مدير مكتب قناة الجزيرة في برلين. وليست قصصه – في معظمها – إلا محاولة لتصوير الغرب بقلم عربي، لا يرغب في توجيه الاتهام، ولا يسعى إلى التبرير.

    لقد صنّف مجموعته القصصية في جماعات، كل واحدة تحتوي على ثلاث أو أربع قصص قصيرة على الأكثر، يبدؤها بجماعة رنين الأمكنة، التي يصف فيها شيطنات الهواتف على اختلاف أنواعها، ويعطي لكل قصة عنواناً يعبر عن رمز النداء العالمي لكل دولة يحكي عنها، إما من خلال الحنين إلى الوطن والضيعة، وإما من خلال الغربة التي تخلق عدم الانسجام بين الأنا الشرقي والآخر الغربي.

    يمر بعدها على جماعة أخرى بعنوان الضمائر المستترة.. التي تصير فعلاً وفاعلاً ومفعولاً به، عبر جريان الأحداث ضمن القصص، في ثنائية الذكر والأنثى، بين الهنا وهناك. من امرأة تعيش في ظل رجل، ولا تقدر على الانفصال عنه، إلى امرأة تطرد رجلها لأنه لم يتقبل فكرة وجود وشم على صدرها.

    أما جماعة للأسماء أسماء أخرى فتحكي عن بعض عادات الغرب فيما يخص العلاقات بين المثليين، وطقوس الانفصال والتلاقي بين النساء والرجال بشكل ميكانيكي، وعن المسيح الجديد في أوروبا، ذلك الذي صار مسخاً من هول ما يرى أمامه من حضارة أفرزت شذوذاً إنسانياً أشبه بيوم القيامة.. وصار الأوروبيون لا يختلفون عن بعضهم إلا بطول الذيل لا أكثر.

    وتختلف جماعة الموت نثراً عن غيرها برجوعها إلى الذاتي، حيث يصف الكاتب موته نثراً في جملة اسمية تتوزع على قصتين، مبتدؤها الغربة والحنين والبحث عن لقمة العيش في عالم لايرحم، وخبرها صراع مستميت بين الأب والأم لا يتابعه إلا الابن المغترب، قوامه الانتظار، والموت من ثقل الواقع.

    ينتقل بعد ذلك إلى جماعة الرياضيات المعاصرة.. تلك الجماعة التي تروي قصصاً عن الجبر والقسرية بين الأقوى والأضعف، وعن المتتالية العددية في التحطيم والتكسير التي تجعلنا أشبه ما نكون بالحشرات الزاحفة، هذا غير معادلة الحب بمجهولين، حيث تعذّر اللقاء وصار مصطلحاً رياضياً بلا حل.

    تأتي بعدها جماعة الطيران بأجنحة مثقوبة.. خشية السقوط، حيث تذكر القصص الثلاثة التي فيها ثنائية الفوق والتحت، الأنثى والذكر، الرئيس والمرؤوس.. إلخ في عرض درامي لعملية استنساخ مستمرة لن تنتهي البتة.

    وتنتهي مجموعته القصصية بجماعة رباعية الأرباع الأربعة، التي تحكي عن عاداتنا وتقاليدنا المغمّسة بتراث الشرق بما فيه من تعلق دائم بالوهم والخرافة، وانجذاب طبيعي لقيمة الفرد المسيّر بدل حرية الاختيار فيما يجري معه من أحداث، وما ينعكس علينا من وحدة وانغلاق.. رباعية سيئة الطالع مهما اختلقنا من مسميات وعناوين.

    إن كانت تلك القصص تختلف في مضامينها، فهي مختلفة أيضاً في الأسلوب السردي، ويلاحظ القارىء الفرق بين أسلوب النصف الأول من القصص، وبين النصف الثاني منها، وكأنها كتبت على فترات متباعدة عكست بالتدريج نضوج تناول الشخصيات والأحداث وطريقة طرح الأفكار.

    ففي النصف الأول من القصص يتضح التكثيف والتلخيص لدرجة الغموض، ويظهر القفز الإيجابي الذي لا يخرج عن مسار الأحداث، لكنه يخلق الالتباس ويركز على هدف الوصول للخاتمة لتقديم مقولة القصة بالكامل. وتصير الخاتمة في المحصلة أهم من البداية وأهم من الشخصيات، هذا غير الاهتمام بالفعل الخارجي التوصيفي للشخصية والحدث على حساب الفعل الداخلي، الذي من المفترض أن يبرر سلوكها. هذا غير الإغراق في الترميز والتشبيه والاستعارة في مجمل القصص لدرجة توقع القارىء في حالة إبهام وحيرة تشمل تحديد الهدف والغاية.

    أما في النصف الثاني من القصص، فنجد أن الشخصيات صارت حية ومتحررة إلى حد ما من سلطة الكاتب، وصارت تصرفاتها مقنعة أكثر من شخصيات النصف الأول. أما تصاعد الأحداث فتطور بشكل ملحوظ بين القصة الأولى والقصة الأخيرة. وأصبحت الحبكات مقنعة ومنطقية، على خلاف الحبكات السابقة التي تفرض نفسها عنوة لتحقيق هدف القصة. هذا وقد اختلف الأسلوب وصار أقرب إلى الواقعية، دون استعجال للوصول إلى نهاية ومقولة كل قصة.

    لكن نصفي المجموعة لا يبتعدان عن مطب الريبورتاج، فهي أشبه ما تكون بعملية استطلاع شاملة وجدت ما هو غير مقبول فاقتربت منه وعرضته بشكل أدق، معتمدة على المرور السريع بالشخصية على حساب الهدف، وتحولت كل شخصيات القصص إلى عينات واضحة لنقطة ضعف ما تعيشها شخصية البطل، وليس لها إلا أن تنتظر تغيراً ما، سرعان ما يأتي على يد الكاتب ليعطيها الحل دون مبررات.

    إن السؤال المحير الذي يطرح نفسه بالنسبة لعمل قصصي مثل هذا، هو إما أن تكون هذه القصص لا علاقة لها بعالم الأدب، لأنها لا تعترف بما يسمى بالعناصر الدرامية بالشكل الواضح، والمفترض به أن يتضمن بناء القصة، بل تكتفي بأن تكون عبارة عن مواقف شخصية مصاغة بطريقة نثرية، وفيها بعض الجمل الشعرية المرتبة على نحو يستدعي الإبهار، وتفترض أنها تقدم مقولات وأهداف تعني كل القراء، وهذا ما يجعلها أقرب إلى الشعر، منها إلى القصة؟ وإما أن تكون هذه القصص طرحاً جديداً وطليعياً في عالم القصة القصيرة، حيث تعتمد التكثيف والمجاز والرمز والغموض بعيداً عن العناصر التقليدية المفترض تواجدها؟

    هذا السؤال يطرح سؤالاً ثانياً، يعني الكاتب أكثر مما يعني القصص، فهل يحق لأكثم سليمان، الذي لم يعش بعد معترك الكتابة الأدبية أن يكتب مثل هذه القصص أم لا يحق له إلا أن يكتب قصصاً تلتزم بكل العناصر الأكاديمية لكتابة القصة؟

    هل يستطيع المراسل أو الصحفي أن يجري تحقيقاً صحفياً دون قيود، بنفس الطريقة التي يكتب فيها قصة قصيرة؟ وإن كان الحال في الصحافة يفرض ذلك على المراسلين، فمن المسؤول عن تحديد هذه المهام في عالم القصة القصيرة، ومن يجب عليه فرض القيود على كل من يشمر عن ذراعيه حباً في كتابة القصص؟

وعلى سبيل الافتراض لا الجزم.. إن كان القراء لا يستطيعون التفريق بين القصة والقصيدة، فإنهم يفرقون بين التحقيق الصحفي التقليدي، وبين التحقيق المنفلت من القواعد. أليس قراء الأدب هم نفسهم من يتابعون نشرات الأخبار؟          

26
مارس
12

أحلام مستغانمي.. تضحك على النساء

في كتابها الجديد ( نسيان. كُمْ ) تعالج النساء بالضحك عليهن

أحلام مستغانمي.. تسأل: أين ذهب الرجال؟

 

    لا يكفي الكاتبة والروائية الجزائرية أحلام مستغانمي أن يكون عنوان كتابها الجديد كعناوين المواقع الالكترونية، والاستفادة من حرف الميم للدلالة على تحديد جنس من يجب نسيانهم – وتقصد الذكور–، ولا يكفيها أن تُرفق الكتاب بسيدي يحتوي على أغان تدعو للنسيان بصوت المغنية جاهدة وهبة، بل تزيد على كل هذه التفاصيل بملاحظة مكتوبة بالخط الأحمر على غلاف الكتاب تحظر فيه بيع الكتاب للرجال، وكأنها تثير فضول الجنسين لشرائه مهما كان الثمن.

أحبيه كما لم تحب امرأة.. وانسيه كما ينسى الرجال

    بعد هذه الجملة الطنانة التي بمثابة الفاتحة، تهدي مستغانمي كتابها إلى قراصنة الكتب المنسوخة أولاً لأنهم السبب في انتشارها، وكأنها تدعوهم إلى قرصنة هذا الكتاب من جديد، بدلاً من أن تردعهم. وتضيف بتعميم المجد للصوص، فهذا الزمن هو زمن الأيدي التي تنهب، ثم تنتقل ضمن الإهداء نفسه إلى إهداء الرجال، لا الذكور، الذين بمجيئهم تتغير الأقدار، والذين سيتسللون لقراءة هذا الكتاب. وفي تمييزها بين الذكور والرجال تضع نفسها في تناقض، لأنها تقول: ليخبر قارئ هذا الكتاب من لم يقرأه منكم.. فكيف تخصص هذا الكتاب للنساء وتتحدث بصيغة المذكر؟ أليست هذه فاتحة سلسلة من تناقضات ستملأ صفحات كتابها الجديد؟

    وتطلب الكاتبة من قرائها الاشتراك بالموقع الالكتروني لتضم أكبر عدد من المؤيدين، وتدعو فيه إلى شريحة نسائية جديدة، تُبنى مبادئها الأساسية على النسيان، بلا تاريخ ولا شعارات ولا خطط. وهذا عكس محتويات الكتاب، لأنه مملوء بالشعارات والأقوال المأثورة، والمشكلة أن معظم أصحابها رجال، وقلما يمر قول أو حكمة لامرأة. هذا غير الخطط الكثيرة التي تضع فيها مراحل نسيان الرجال بكل دقة، وكأنها تشن حرباً ضروساً تدرك خطورتها على أبناء جنسها.

بنات شهرزاد يقررن نسيان شهريار

    تكيل مستغانمي اتهاماتها على الرجال الذين لم يكترثوا لتحذيراتها بعدم قراءة الكتاب، وكأنها بذلك تجذبهم إلى القراءة بإثارة فضولهم لمعرفة محتوياته، وتبدأ نعت الرجال بكلمة (فصيلتكم) وكأنها تدلل على أنهم أقرب للحيوانات، لا للبشر.. وتريد محاربة الذكورة دفاعاً عن الرجولة، وتُدرج تعريفاً تعجيزياً للرجولة التي تريدها، وفي الوقت نفسه لم تذكر ضمن اتهاماتها في الكتاب كلمة (ذكور)، بل كل الاتهامات منسوبة لكلمة (رجال)، فكيف تحارب الذكورة وتدافع عن الرجولة، ثم تهاجم كلمة الرجولة نفسها؟

    تتكلم الكاتبة على لسان كل النساء العربيات بأنها ضد الفحولة، وتطالب الرجل بالتحلي بأخلاقيات جديدة حتى يكون جديراً بالنساء، لأن اختفاءها شكّل خللاً في المجتمع.. وتُلصق كل المشاكل الكونية بغياب الرجولة، وكأنها تريد أن تقول إن الأرض تشتكي من هذا الغياب، وصارت تطالب بمن يغار على أنوثتها. وتأتي الكاتبة نفسها بمغالطة واضحة حيث تطلب من كل النساء أن يتشبهن بأمهن الأرض، لأنها لم يستطع أحد إسكاتها.. إذاً لماذا لم تستطع الأرض معالجة الاحتباس الحراري وثقب الأوزون بنفسها، ما دامت لا تسكت على ضيم؟

ألف وصية.. ووصية

    تشتمل الوصايا على جملة من النصائح تبدأ بطلب مستميت من الكاتبة لقراءة هذا الكتاب، وتمهد للنساء أن على النسيان يمكن تأسيس ذاكرة جديدة، ومن دونها لا يمكن لحب جديد أن يولد، وتدلل على أن الأدب هو المرشد العاطفي للنساء، وتتهم الإنسان العربي بأنه قدري وعاطفي، وتقارنه بالإنسان الياباني العقلاني. وعلى أساس هذه المقارنة تقرر وجوب الدخول في الحب بشيء من العقل.

    النساء هن الضحيات.. هذا التعميم – القاتل- الذي يخلع عن كل وصاياها صفة الموضوعية.. ولا تكتفي بذلك، فتسهب في شرح قصص المعذبات جراء غياب الحبيب المفاجئ، وتعرض صوراً لعذابهن، وتضيف أن على المرأة ألا تطلب اللجوء العاطفي إلى السرير، لأنه سيسلمها لعدوها، فالسرير ليس مكاناً آمناً لامرأة تنشد النسيان، فالنوم سيحمي ذاكرتها، لأن المخ يخزن كل ما يعتقد المرء أنه نسيه خلال النهار.

    ألم النسيان ليس قدراً، بل اختيار.. وهو بحاجة إلى إرادة قوية وصدق بالغ، وتشكك مستغانمي بالرجال لأنهم أكثر خيانة وسادية، وتدعو المرأة إلى التطرف في الحب دون سابق إنذار، وفقدان العقل دون رادع، لتقول لها: أحبيه كما لم تحب امرأة.. فكيف تنصح هذه النصيحة وتطلب منها في الوقت نفسه أن تنساه كما ينسى الرجال؟

    يجب على المرأة أيضاً أن تتحلى بالصمود والصمت، وألا تستسلم لشهوة الانتقام بعد الانفصال، بل يجب عليها أن تتفوق على الرجل حباً.. وإن ظلت مصرة على الانتقام، فلتنتقم بمزيد من الحب.

    وتتهم الكاتبة الرجال بأنهم أصحاب عادات، وكأن النساء لا عادات لهن.. وتقترح عليهن أثناء عملية النسيان ضرورة الابتعاد عن الأغاني العاطفية، وبما أن أغلب الأغاني العربية عاطفية المعاني، لذا لم يكن لديها إلا أن تطلب منهن الاستماع إلى شوبان وشتراوس وغيرهم من الموسيقيين الكلاسيكيين الغربيين.. فتخيلوا النساء العربيات يستمعن إلى الموسيقى الكلاسيكية كي ينتصرن على غياب الرجال! وتنهي مستغانمي وصيتها بجملة: (احزني بحضارة.. يا متخلفة.)

    تقول لها في وصية أخرى ألا تصدق الأساطير لأن مؤلفيها رجال. وتنبهها إلى أن العمر أقصر من أن تمضيه المرأة في انتظار رجل. وتنصحها بتناول الشوكولا اعتماداً على استطلاع تم في كندا أكد أن أكثرية النساء يفضلن تناول الشوكولا على ممارسة الجنس!

    وتنصح المرأة بالصلاة والتسلح بالإيمان وتستحثها على الدعاء بعد صلاة الفجر والبكاء بحرقة وتلاوة بعض الأدعية مثل دعاء المؤمنة والمخدوعة والمظلومة… وغيرها من التسميات التي تصنفها هي بنفسها وتسميها وتؤلفها وتنتقيها.. لتجد المرأة الخلاص من غبنها وإحباطها بعد هجران الحبيب.   

الوفاء مرض عضال يصيب الكلاب.. والنساء الغبيات

    تتهم الكاتبة – بمحض القصدية – النساء العربيات بالغباء والحماقة لأنهن يتمسكن بالوفاء للرجل، وتسبهن وتلعنهن مستخدمة ألفاظاً مثل: كفى يا حمقاء.. نساء غبيات.. إلخ. هل وصلت إلى هذا الحد من التقليل من شأن النساء، وهي  التي تخص لهن هذا الكتاب بالذات، وكأنهن قطيع من البقر في مزرعتها الأدبية؟ أم هي تستغل قوة تأثيرها على النساء العربيات، فتساهم بشكل متستر في استمرار جهلهن، كي لا تفقد سيطرتها عليهن؟

صدقة جارية..!

    تمنّ الكاتبة على قرائها معتبرة كتابها هذا بمثابة صدقة جارية، وسعره يصل إلى ما يقرب من العشرين دولار..! ثم تستشهد بكتّاب وقصص من كافة الجنسيات العربية..! أهذا نوع من الشمولية في معالجة الموضوع، أم نوع من أساليب تحقيق أوسع انتشار للكتاب على اعتباره سلعة تجارية لا أكثر؟ ولماذا كررت ومحصّت وأسهبت وأعادت نفس الأفكار بقوالب وزركشات مختلفة حتى تملأ هذا الحجم الكبير من الصفحات؟ وكأنها تريد أن تقول للنساء: التكرار يعلّم.. الشطار!

ميثاق الشرف الأنثوي

    تخطئ الكاتبة حين تقول في إحدى وصاياها إن المرأة التي تقرر النسيان هي (أخت الرجال..) فهي بهذه الجملة تنسف كل ما قالته في كتابها، ويصير الكتاب وكأنه نوع الغنج النسائي الذي يتخذ أسلوب التمنع والنفور بغية تحقيق أعلى نسبة من الجذب والحبور.

    ويأتي ختام الكتاب بميثاق الشرف الأنثوي الذي تتعهد فيه المرأة بأنها لن تدخل في حب جديد، إلا وفي رأسها ثقة كاملة بعدم وجود حب أبدي، وأنها لن تبكي على رجل فلا يوجد من يستحق دموعها، وسوف تكون جاهزة للنسيان..

    والذي يثير الجدل والسخرية هو ملاحظة مكتوبة في أسفل الصفحة تطلب فيها الكاتبة من كل امرأة تقرأ الكتاب أن توقّع على هذا الميثاق. ولا تكتفي بذلك وحسب، بل تهدد النساء بأنهن إن لم يقتنعن بكتابها ويوقعن على الميثاق، فسوف تكتب كتاباً خاصاً بالرجال، وسوف تحظر بيعه للنساء.. إذاً المسألة ليست تبني لقضية المرأة، بقدر ما هي أمر بالانصياع، وليس من المستغرب أن يُنشر كتاب جديد بعنوان: (نسيان. كن)!.. أليس تحويل الصراع على المرأة إلى صراع على الرجل هو وقوع في نفس الحفرة؟  

25
مارس
12

أوليفر ستون وفيلمه عن بوش الابن

الصحافة السينمائية تؤرخ مرحلة جورج دبليو. بوش لأوليفر ستون..


من غير المتوقع ألا يصنع المخرج أوليفر ستون فيلماً يخص الرئيس الثالث والأربعين للولايات المتحدة جورج دبليو. بوش، وهو الذي أخرج أفلاماً عدة عن رؤساء مثل كينيدي ونيكسون وفيدل كاسترو وياسر عرفات.. علماً أنه لا يتوانى عن تحويل القضايا الساخنة إلى أفلام، من أحداث فيتنام إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فكيف الأمر مع دبليو. بوش الذي كان صاحب القرار في الحرب الأفغانية وفي احتلال العراق..؟

ومن غير المتوقع أيضاً أن يتجاهل أوليفر ستون معارضته لغزو العراق منذ البداية، وميوله اليسارية وانتماءه إلى الحزب الديمقراطي الأمريكي في مناقشة موضوع الرئيس دبليو. بوش الجمهوري، اليميني، ليثبت أنه على خطأ في كل ما قام به أثناء فترته الرئاسية التي امتدت من 2001 حتى مطلع 2009، فهل كانت معالجته السينمائية محقونة بالغضب والاستياء، أم كانت عبارة عن رؤية موضوعية وتحليلية لشخصية استلمت رئاسة أقوى دولة في العالم لثماني سنوات..؟

لو شارك في حرب فيتنام، لما خاض حرباً على العراق!

جدير بالذكر، لا التأكيد أن نقاطاً هامشية ربما لعبت دوراً في فيلم أوليفر ستون (w.) منها أنهما، أي أوليفر ودبليو. بوش قد ولدا في نفس العام، أي 1946، وأنه درس معه في جامعة ليل قبل أن ينتقل دبليو. بوش إلى هارفرد لدراسة إدارة الأعمال، والنقطة الأخيرة هي أن ستون قد شارك بعد تخرجه في الحرب الفيتنامية كمراسل صحفي، في الوقت الذي تنصل فيه دبليو. بوش من المشاركة في الحرب، مفضلاً الانضمام إلى الحرس الوطني الغير مقاتل في أمريكا..!

تاريخ لا يبشر باستلام منصب رئيس؟

تنقل دبليو. بوش أثناء شبابه من العمل في الزراعة والتجارة والنفط، وكان له اهتمامات رياضية وخاصة في مجال البيسبول، وأنه انتقل إلى عالم السياسة فتولى منصب حاكم ولاية تكساس، ثم صار رئيساً للولايات المتحدة بعد أن تغلب على آل غور وجون كيري بأكبر حملة انتخابية في تاريخ أمريكا معتمداً على عدة شركات كبيرة وعدة رجال أعمال. ولا يغيب عن الذهن أنه ابن الرئيس جورج بوش الذي خاض حرب الخليج، وأخوه حاكم ولاية فلوريدا (جيب. بوش)، وهو حفيد عضو مجلس الشيوخ (برسكت. بوش).

واعتمد المخرج أوليفر ستون وكاتب السيناريو ستانلي وايسر، حسب تصريحاتهما، على عشرين كتاب صدر في أمريكا يتناول حياة دبليو. بوش وفترته الرئاسية، وأكد ستون حرصه الشديد على الإجابة على السؤال التالي: كيف استطاع جورج دبليو. بوش إن ينتقل من حياة مدمن الكحول والنساء إلى رئيس أقوى دولة في العالم؟

واقع بحت.. والأرضية مجازية

يبدأ الفيلم بمشهد افتتاحي يظهر فيه وجه دبليو. بوش الذي يلعب دوره الممثل جوش برولين، ثم تبتعد الكاميرا لتكشف عن ملعب بيسبول فارغ لا جمهور فيه، لكننا نسمع في الوقت نفسه أصواتاً حماسية تشجع دبليو. بوش الذي يقف في وسط الملعب وحده.

هذا الافتتاح يختصر الفيلم بكامله، وبشكل مجازي، حيث دبليو. بوش هو اللاعب الوحيد في لعبة الولايات المتحدة المحببة إلى قلبه مثل لعبة البيسبول، وكأن الملعب هو أمريكا، والجمهور الغائب هو الشعب الأمريكي الرافض لوجوده على أرض هذا الملعب، ودبليو. بوش يتوهم وجود جمهور ويتوهم أيضاً سماع الأصوات الحماسية التي تشجعه لمتابعة اللعبة. هذا المجاز يتموضع على أرضية الواقع السياسي والاجتماعي الذي عاشه دبليو. بوش في البيت الأبيض.

رئيس جديد.. وأسلوب مكرر

ينتقل ستون بعد هذا المشهد إلى طرح الأزمة أو فرضية الفيلم، وهي النقاش حول مفهوم دول الشيطان، هذا المفهوم الذي ظهر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية، ثم تبدأ عملية الاسترجاع الدرامية لشباب دبليو. بوش، مستعرضاً خطوات انتقاله من مرحلة إلى أخرى، وفي الوقت نفسه يجري تقطيع متناوب ليكمل تداعيات الفرضية ونتائجها، من تخطيط للحرب على أفغانستان والعراق. وهذه الطريقة المونتاجية هي نفسها التي استخدمها في فيلم نيكسون، مع توضيح الفرق بين الرئيسين، لكن نيكسون كان شخصاً معقداً وعميقاً، على خلاف دبليو. بوش الأخرق والأرعن والبسيط.

بورتريه كاريكاتوري..

ركز ستون على تصوير الرئيس دبليو. بوش بصورة فيها سخرية واستخفاف لتعطي للفيلم مسحة كوميدية سياسية، فبدأ بتصويره على أنه شخص فاقد للكاريزما يدير الاجتماعات بخفة يعيد فيها ما يردده وزراؤه ومستشاريه، مع توضيح دور كارل روف، ذلك الشخص الخفي الذي كان يتحكم بكل جملة يقولها دبليو. بوش. ويصوره ستون على أنه يتخذ أكثر الآراء تطرفاً وعنفاً. ويظهر كشخص نهم لا يتوقف عن الأكل والشرب وبطريقة غير لائقة، ويظل عاقداً للمقارنات بينه وبين الرؤساء الذين قبله..

ويؤكد ستون نقطة في غاية الأهمية، هي أن دبليو. بوش عندما خسر أبوه في الانتخابات أمام كلينتون اتهمه بأنه لو أطاح بصدام حسين في حرب الخليج لفاز في الانتخابات، ثم يضيف ضمن أحداث الفيلم بأن الحرب على العراق كانت لأسباب شخصية تتعلق بالثأر، فدبليو. بوش يعتبر أن صدام حسين حاول اغتيال أبيه أثناء زيارته للكويت 1993، هذا بالإضافة إلى الطمع بمصادر الطاقة.

شباب أرعن، وسلوك مهزوز

أما مرحلة الشباب فكانت مليئة بالنساء والخمر، كان فيها دبليو. بوش سريع الإيقاع بشكل كوميدي، وصاحب نظرة بلهاء، رجل سكير وزير نساء، لم يستطع أن يتابع اهتماماته الرياضية، وفشل في العمل في مجال النفط ولم تناسبه التجارة ولا الزراعة، ولم يقدر على الاستمرار في الحرس الوطني، مثير للمشاكل ولا يفي بوعوده، ويعاني من عقدة نقص بسبب والده الذي يفضل أخاه (جيب. بوش) عليه، ويتهمه بأنه أخرق ومبتدىء.

وحالما يبلغ دبليو. بوش الأربعين حتى يقرر الإقلاع عن الكحول، ويتحول إلى التدين، ويقرر في جلسة قمار أن يدخل عالم السياسة، ويترشح لمقعد تكساس في الكونغرس، ثم يصير حاكم ولاية تكساس – تحدياً لقرار أبيه – وأخيراً يقرر الترشح لرئاسة أمريكا لأنه تلقى رسالة من الرب يطالبه فيها بترشيح نفسه، وفعلاً يصير رئيساً للولايات المتحدة.

بوش الأب.. بوش الابن!

يركز ستون على العلاقة بين دبليو. بوش وأبيه جورج بوش، حيث يتعارك الابن مع أبيه أكثر من مرة، رغم أن الابن ظل تواقاً لإرضاء أبيه، وكرر الابن أكثر من مرة أنه محبط من عدم التخلص من ظل أبيه. إنه يمتلك كفاءة ومواهب محدودة لا تؤهله لقيادة دولة عظمى، حتى أن شبابه ونشوءه لا يدلان على أنه رجل مهيأ للرئاسة! ورغم أنه لا توجد دلائل تؤكد هذا الخلاف الواضح بين الأب والابن، وليس هناك ما يؤكد أن الحرب على العراق كانت لإرضاء الأب، إلا أن أحداث الفيلم كانت مترابطة بشكل محكم ومقنع لدرجة التصديق لكل تفصيل.

نهاية ملؤها الندم والحسرة..

ينتهي الفيلم بتصريح دبليو. بوش عن ندمه الشديد على الإخفاق الذي منيت به إدارته في قضية أسلحة الدمار الشامل، وإعلان جدول للانسحاب من العراق، وبذلك يختم ستون مرحلة رئاسية فاشلة مروراً بالتكوين النفسي المرتبك وللقدرات العقلية المتواضعة وللسلوك المضطرب لشخصية دبليو. بوش.

خيبة أمل من مخرج مجتهد..!

لقد أخرج ستون أفلاماً كثيرة أثارت الجدل والانتقاد وكان لها أثراً في توثيق مراحل مهمة من تاريخ أمريكا وبعض دول العالم ذات الوضع السياسي المتأزم، وكثيراً ما اتجه إلى التجريب والتغيير، لكن هذا الفيلم لم يترك هذا الأثر رغم تزامن فترة عرضه مع انتهاء ولاية بوش وقبل بداية الانتخابات الرئاسية الجديدة بثلاثة أسابيع، ورغم ثورة العنف والرفض العالمية والأمريكية لسياسة دبليو. بوش وما تركته من أثار سلبية لن تختفي آثارها بانتهاء ولايته. ويبدو أن ستون لم يكترث لتداعيات هذا الفيلم، وتابع عمله في التحضير لفيلم عن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، وفيلم آخر عن الرئيس الفينزويللي هوجو تشافيز، والأمل أكبر في تقديم سوية فنية وفكرية تعيده إلى ألقه السابق وهو الذي حصد خمس جوائز أوسكار بكل جدارة.

22
مارس
12

الشخصية الدونجوانية

الشخصية الدونجوانية تحت المجهر

 

 

 

مقدمة

 

إن دافع الجنس من الدوافع الأولية, و لكنه يختلف اختلافاً كبيراً عن الدوافع الأولية مثل الطعام و الشراب ، يختلف من حيث تعقيده و جذوره و مراحل ظهوره ومكانته في حياة الفرد و النزوع و أشكال السلوك التي تلبي غرضه .

إن أدب الجنس و الإدمان و الشباب المنحرفين إضافة إلى العقبات التقليدية جعلت من السلوك الجنسي معضلة اجتماعية نفسية خطيرة, و أصبح هدف علماء الاجتماع و النفس و التربية هو بيان الموقع الحقيقي للغريزة الجنسية, و توعية الجيل الناشئ بالحقائق البيولوجية المبسطة لتكون سلاحاً ضد الخوف و القلق و الجهل, و لوضع حد فاصل بين الحياء المرضي و السلوك الطبيعي الصحيح الذي يقرّه المجتمع .

الشخصية الدونجوانية هي مجال بحثنا . سنرفع الستار عن هذه الشخصية و نكشف عن أسرارها , و نلتمس ما قيل عنها , و كيف تم التعامل معها أدبياً و فنياً , ونسعى إلى معرفة كيفية علاجها , و إخراجها من أزمتها … أو بالأحرى ؛ سنضعها تحت المجهر !

 

 

تحترف الشخصية الدونجوانية إغواء النساء, أو استمالتهن إلى الهوى, والهوى رغبة ثائرة مستمرة. وتظهر على الهاوي عوارض الاندفاع أو التهافت القوي على شخص أو فكرة. إن إرادة الهاوي عبدة لهواه, ووجود موضوع واحد ثابت هو موضوع هواه, وأيضاً عمق الهيجان وشدته عند الهاوي الذي يسعد ويشقى، يقلق ويرتاح بدرجة لا تحدث عند سواه. إن الهوى يشمل دوماً على توهم عميق, والإغواء لغوياً يعني إضلال الآخر بالأماني الكاذبة .

تلجأ الشخصية الدونجوانية إلى الحيلة للوصول إلى اللذة، إن اللذة هي مبدأ يدل على اتجاه الكائن العضوي في الصور البدائية من سلوكه – العمليات اللاشعورية – إلى الحصول على اللذة وتجنب الألم دون اعتبار لمقتضيات الواقع. إنها عكس الألم, وبما أن الدونجوان يغوي النساء, فاللذة الجنسية هي الطاقة المحركة لغريزة التكاثر والتوالد ولولاها لما بحث الذكر عن أنثاه, ولا تهيأت الأنثى لرجلها, وهذه الطاقة ترتبط بخلق وتركيب الأحياء, وما يحدث في أجسامهم من تغيرات في الهرمونات والانفعالات.

إن الدونجوانية انحراف, والمنحرف يتباهى بانتصاراته الجنسية. وتدل الانحرافات الجنسية على تغير يطرأ على السير السوي للنمو الجنسي من حيث الموضوع الجنسي – الشخص الذي يصدر عنه الجذب الجنسي – ومن حيث الهدف الجنسي – الفعل الذي تُرمى إليه الغريزة – إن الانحراف هو نشاط جنسي مستديم يشبع الرغبة الجنسية تماماً دون حاجة إلى الاتصال بالجنس الآخر، ثم ماذا يُقصد بالانتصارات الجنسية؟ هل يريد هذا المنحرف – الدونجوان – أن يحقق الانتصار الجنسي بإغواء النساء و جرّهن وراءه, أم الاكتفاء بأنه مرغوب جنسياً ( كفحل ) من جانب النساء, وانتصاره يكون في دلالِه عليهن؟


يعجز الدونجوانيين عن إثبات شخصيتهم بين الرجال فيلجئون لإثباتها عند النساء. يصبح اللجوء إلى النساء سبيلاً, بعد أن عجز الدونجوان عن إثبات شخصيته عند الرجال. لماذا لا يستطيع الدونجوان إثبات شخصيته بين الرجال؟

يلتجئ الدونجوان إلى الغزوات الجنسية نتيجة فشله في خلق كيان شخصي خاص في المجتمع الذي يعيش فيه. هل يعني أن الدونجوان لا يستطيع أن يكون غير الدونجوان؟ ثم ماذا يقصد بالغزوات الجنسية؟ هل يشير إلى أن الدونجوان يغزو النساء وينهبهم في ديارهم – جنسياً – أم ماذا؟ هذا التعبير فيه من القسوة و العنف الكثير بحيث نستشف دموية هذه الشخصية إلى حد السادية.

نستنتج بعض الخصائص التي تميز الشخصية الدونجوانية, وهي : احتراف إغواء النساء, اللجوء إلى الحيلة بغية تحقيق اللذة, واعتبار هذه الشخصية منحرفة جنسياً.

ومهما يكن فإن الدونجوانية هي الاندفاع المتهور في جنون الإغواء, وهي دائماً تأكيد الفحولة والكلام عن الذات المقتدرة والاستعلاء، ونحن أمام نفس مضطربة متناقضة لا يكاد يوحّدها إلا خيط واهٍ من الشخصية المبعثرة والثورة العاصفة من أجل استرجاع الأصالة بعد أن مسّت المهانة أعمق جوانب الذات ونالت من قدرها واعتبارها المحوري. والشخصية الدونجوانية تخاف من الالتحام مع النساء خشية فضح قصورها وعجزها الجنسي.

إن تأكيد الفحولة ( الذكورة ) نفهمه على أنه تعبير كلامي فقط عن الحالة, و ذلك نتيجة الخشية من فضح القصور الجنسي الذي يناقض معنى الفحولة. إن الاستعلاء والذات المقتدرة يقتربان من النرجسية، التي يشار بها إلى سلوك الفرد حين يعامل جسمه بطريقة مشابهة لتلك التي يعامل بها في العادة موضوعاً جنسياً، فهو يتأمّله مجتنياً من ذلك لذة جنسية, ويلامسه ويداعبه إلى أن يفوز من هذه الممارسات بالإشباع الكامل, والنرجسية إذا ما بلغت هذا الحد يصير لها دلالة الانحراف الذي يستغرق كلية الحياة الجنسية للشخص المعني.


إن النفسية الدونجوانية نفسية مضطربة ومتناقضة النزعات, حيث أنها تتناقض بين النرجسية وبين الدونيّة في أعمق جوانبها, أو بين الفحولة والقصور الجنسي.

إن الشخصية الدونجوانية تخاف من افتضاح سرّها فهي قاصرة جنسياً, وهذه عقدة نقص يُعوض عنها بادعاء الفحولة. لذلك تميّز مشاعر الدونيّة بشكل عام موقف الإنسان المقهور من الوجود, والإنسان المقهور عاجز عن المجابهة, تبدو له الأمور وكأن هناك باستمرار انعداماً في التكافؤ بين قوته وقوة الظواهر التي يتعامل معها؛ عقدة النقص تجعل الخوف يتحكم بالإنسان المقهور.

إن الدونجوان بصفته مهموماً بالأنثوي, بإيروسه الأناني, فإن الصداقات مع الرجال تختفي من حياته بعض الشيء. صداقاته عابرة ومؤقتة وزائغة جداً, الايروس وحده هو الممكن. مع الرجال هو مُشعل الحروب, وإنه لا يرتاح إلى محضرهم لأنهم منافسيه المحتملين على قلوب عذراواته, ومن الأفضل استبعادهم عن مشروعه التأريخي.

يغيب عن الدونجوان مفهوم الكرامة, فأفضل القيم الأخلاقية منسية لديه, تقع آلية عمله في السعي الغزلي المتواصل المصاغ مسبقاً دون الكثير من الصدق, وخاصة من دون الالتفات إلى الصدود المحتمل إلى ردات الفعل العنيفة والضيقة من طرف موضوعه الأثير : المرأة. إنه يحاول تنفيذ مشروعه مع أكبر عدد من النساء لكي يصطاد فريسة واحدة في نهاية المطاف, يبتلع كل مرّة الإهانة وقوة الصّد, ويجري لها عملية محوٍ سريع من ذاكرته, منتقلاً إلى فريسة أخرى.

وبتناقض فادح تظهر لديه نزعة تبجحية تدفعه بوصفه صائد نساءٍ عديم الذمة إلى إخفاء وطمر حالات الفشل المتكررة التي هي جزء عضوي من حياته الروحية, إنه لا يعلن إلا الناجح من مغامراته، وليس ماضيه سوى النصر المبين رغم وفرة الهزائم. لا يعلن إلا تفوقاً ظاهرياً, فهو ليس معنياً سوى بالكم الفعلي من تجارب اللذة.

تتساوى لديه النساء جميعاً , إنه يحب كل النساء بالطريقة ذاتها , كل الورود لها ذات الرائحة . هنا تغيب تقاليد خطاب غزلي متنوع , الدونجوان يستهدي بتنميط لغوي جاهز فقد أثبتت تجربته الثقافية فاعلية هذا التنميط ) \ 10 \ .

 


أولاً … تعني الايروس غريزة الحب و الحياة , حيث ( تبينَ لدى إرجاع الغرائز الأساسية وجود غريزتين أساسيتين فقط , هما الايروس و غريزة التدمير , و يقع في نطاق الايروس التعارض بين غريزة حفظ الذات , و غريزة حفظ النوع , و كذلك بين غريزة حب الذات , و غريزة حب الموضوع . هدف الايروس إنشاء الربط بين الوحدات ) \ 11 \ , إن الايروس هو (( مبدأ النشاط و دليل الرغبة , طاقته الليبدو بالنسبة إلى التحليل النفسي و نقيضه هو تاناتوس – غريزة التدمير – إله الموت عند اليونان )) \ 12 \ .

 

ثانياً … نضيف إلى التفسير السابق لبُعد الدونجوان عن الرجال ما ذُكر في موقع TASHAFI.COM بأن الدونجوانية فيها (( بعض الرجال يبدون كمفرطي جنس , حيث يحتاجون الممارسة الجنسية المتكررة , ولكن هذا يخفي مشاعر عميقة من الشعور بالنقص , و بعضهم لديهم ميول جنسية مثلية لا شعورية , فيتم إنكارها باتصالات جنسية قهرية متعددة مع النساء . و أغلب الدونجوانيين يفقدون اهتمامهم بالمرأة بعد الجماع )) \ 13 \ , وهذه ليست إلا حالة خاصة لأن الشخصية الدونجوانية تتميز بقصور جنسي .

ويمكننا إعطاء تفسيرٍ آخر يتمثل في خشية الدونجوان من يحبطه قصوره الجنسي مقارنة بفحولة الرجال لذلك يلجأ إلى التباهي بفحولته بين النساء .

ثالثاً … فيما يخص الكرامة و الأخلاق عامة ً , فهي (( مجموع متفاوت النسق من التحديدات المثالية و القواعد و الغايات التي يجب على الأنا – منظوراً إليه على أنه مصدر مطلق إن لم يكن شاملاً للمستقبل – أن يحققها بفعله في الوجود حتى يزداد هذا الوجود قيمة )) \ 14 \ , الدونجوان يكفر بكل هذا النسق و يخلق لنفسه مجموعه الأخلاقي الخاص الذي يبرر سلوكه الشخصي .

رابعاً … لفهم الحياة الروحية التي يعيشها الدونجوان ؛ نعرّف الروح بأنها (( تتمظهر بالفكر عند الإنسان و الحيوان, بشكل يمكن رصد نتاجه من سلوكهما , و تعتمل بالمشاعر و الرغبات ضمن كل نفس , فهي الحامل لا للميتابيولوجي فقط بل للفكر و المشاعر و الرغبات , أي هي حامل للنفس , فهي ما وراء الجسد و النفس )) \ 15 \ , وهكذا نميز بين النفس و الروح و الجسد , و نفهم لماذا يُصاب الدونجوان بحالات فشل متكررة صارت لصيقة بحياته الروحية .

-2-

 

تناول الأدب المسرحي موضوع الشخصية الدونجوانية , وبرع في تصويرها الكاتب المسرحي موليير في مسرحية ” دون جوان ” فكشف لنا الستار عن (( خلاعتها و استهتارها و شهوتها الحيوانية ، ليتدرج بعد ذلك إلى الكشف عن كفرها و إلحادها و نصبها على الدائنين من أمثال التاجر ديمانش , ثم العوق ( العقوق ) عندما رأيناه يتلقى نصائح أبيه بتمني موت هذا الأب المسكين و أخيراً نفاق دون جوان الذي فطن في النهاية إلى أن التظاهر بالإيمان قد ييسر له سبل إجرامه , خيراً من التظاهر بالكفر و عدم المبالاة برأي الناس فيه بحيث قد اكتملت لنا جميع القسمات التي ترسم شخصية دون جوان و تجعل منه نموذجاً بشرياً تتجسد فيه أقبح رذائل البشر )) \16 \ .

أولاً … هل الشخصية الدونجوانية كافرة و ملحدة و عاقة و منافقة ؟ هذا ما خلقه موليير في شخصية دون جوان .

ذكرنا سابقاً أن الشخصية الدونجوانية تكفر بالأخلاق كلها , و بالتالي فلا تعارض إن أصبحت ملحدة . و من الطبيعي لشخصية تكفر بالأخلاق أن تكون عاقة للأبوين و منافقة .

ثانياً … هل هذه الشخصية نموذج بشري تتجسد فيه أقبح رذائل البشر ؟

جاء في مجلة عالم الفكر ( هناك مأساة نفسية في تحول دون جوان إلى زير نساء على اعتبار أنه يبدو منتمياً و غير منتمي في آن واحد . فكل الروايات تذكر له أباً و طبقة من الأشراف و لكن الأم غائبة عن كل المعالجات المسرحية و القصصية , فكأن مطاردة النساء هي عبارة عن البحث عن الأم المفقودة و إحلال تلك الفرائس الغرامية محل الأم التي هي قاعدة الثبات و الانتماء في حياة الإنسان . و هناك تأويل آخر يرى في دون جوان رمزاً لضعف الذكر لا لقوته , إن مطاردة النساء التي لا تأتي بلذة الحيازة هي شبه اعتراف بأن ميول البطل غير متجهة نحو الجنس الآخر . و هناك ميل آخر يرى أن شبق دون جوان ما هو إلا صورة من صور حب الاستطلاع , و تأويل آخر يجعل من دون جوان مجرد خاطئ و ضحية شبقه ) \ 17 \ .

أولاً … غياب الأم استدعى التعددية في العلاقات النسائية لأن الأم لا يستعض عنها بامرأة أخرى , لذلك تزداد اتصالاته مع النساء . و أيضاً عقوقه لأبيه و تمني موته يدعونا لأن نقترب من الحالة الأوديبية, (( ولكن أين جوكاست ؟ مع أن الرجوع إلى أوديب ضمني [ … ] أنه ينزع إلى أحد أشكال الماضي إلى أم لا يمكنه نيلها و هو يريد امتلاكها ذلك هو البديل الأمومي )) \ 18 \ . ثانياً … قصوره الجنسي يعوض عنه بتأكيد رجولته المشلولة التي لا يستطيع تحقيقها بشكل كامل بسبب عقدة النقص التي يعاني منها . هذا التأويل ذكر جزء منه خلال دراستنا السابقة . الشخصية الدونجوانية مصابة برجولة في موضع شك و جرح نرجسي .

أما مواقف الصيد النسائي فهي مواقف تحتاج الحل (( و كلما صعب الحل كان سعيداً بمهارته و حذقه في التخلص . لذلك لا يبتغي النيل لحد ذاته و لا التمتع بما ناله , لأنه يشعر بان لذة النيل تنتهي بتحققها و أن الحياة كلها حركة , و أن أية وقفة في السير بمثابة موت للعاطفة و للرغبة في البقاء. و يترتب على ذلك الشعور أيضاً أن لذة الحياة في الكلام ) الكلام الذي يتطاير و إن كان يوقع في فخ الإغواء ) و أن الكلام لا وزن له . لأنه مجرد حيلة في سبيل الوصول إلى غرض مؤقت . فلا يقيم للكلام وزن الحقيقة و يُدهش إذا رأى غيره يقيم له وزناً , فلا مكان في عالمه الذهني لما يسمى بالضمير لأن العهد ليس عهداً في منطقه بل مجرد كلام . وهذا التقدم الطائش لا يعرقله سوى اللقاء الأخير بالموت في شكل تمثال فإن الموت يجمع بين الثأر و ساعة الحساب فهذا اللقاء مع ما لا يمكن الهروب منه هو بمثابة ساعة الحقيقة التي كان يتجنبها أو يؤجلها طوال مغامراته في الحياة , و هذه الساعة هي تلك التي تربط بينه و بين الواقع بعد مسيرة الأوهام . و هكذا ينتهي السباق بين الواقع ( الذي هو استيقاظ الضمير و لقاء الموت في آ ن واحد ) و الوهم الذي هو التملص الكلامي , و عدم الخضوع لناموس ثابت في تقلبات الحياة )) \ 19 \ .

أولاً … لذة النيل تتم بتحقيق النيل . أي أن الشخصية الدونجوانية لا تهتم بموضوع الممارسة الجنسية كي لا يكشف أمرها بأنها قاصرة جنسياً , لذلك تكون اللذة في إيقاع الآخر بشباكها .

ثانياً … الكلام . لذة الحياة في الكلام , لا وزن له , حيلة في سبيل الوصول إلى غرض مؤقت . إن (( اللعب بالكلمات يجلب اللذة )) \ 20 \ , فإن كانت لذة النكتة هي الضحك فإن لذة الشخصية الدونجوانية النيل بالفتاة . الكلام الذي يستغل للإغواء و إثبات الفحولة و خلق عالم يجذب النساء إلى هذا الخالق الدونجواني .

ثالثاً … الضمير . نعرف الضمير بأنه (( خاصية العقل في إصدار أحكام معيارية تلقائياً و مباشرة على القيمة الأخلاقية لبعض الأفعال الفردية المعينة و هو يدل على الشعور بالمبادئ و التمييز شبه الغريزي لقيمة الفعل الحاضر و يمكنه أن يفكر و أن يتأمل في تقديراته و هو نوع من الغريزة يعاف الشر لا بما يعرف بقدر ما هو بما يكون ولهذا فإن ممارسة الفضيلة أو الرذيلة هما عوامل في تدقيق أو تشويه الضمير و هو الحكم الصادر من العقل ))\ 21 \ . الشخصية الدونجوانية ترفض الفضيلة التي هي (( استعداد راسخ لحسن الفعل اكتسبت على ضوء العقل و صاحبها المباشر هو الإرادة )) \ 22 \ .

إن الشخصية الدونجوانية تشبه شخصية (( صياد القلوب الذي يعتمد على حيله البلاغية و فطنته الذكية لكي يدرك هدفه في أسرع وقت ممكن , و لا يكاد يدع لنفسه فرصة التمتع بما استطاع أ ن يدركه من نصر غرامي حتى يأخذ في الالتفات إلى هدف آخر و إلى مطاردة جديدة . فهو يمل الانتظار و يضيق به صدره إذا وجد ما يعرقل تقدمه ونتيجة هذا القلق المستمر إنه يلجأ باستمرار لحيل اللباقة و حسن التخلص الذكي , فكأن العقل يأخذ في السيطرة على عواطفه , إنه ليس العقل الحكيم الوازن للأمور وما يترتب عليها من عواقب و إنما سرعة البديهة التي لا تتورع عن استخدام الكذب و الخداع لإدراك هدفها من إغواء أو هجر سريع و هذا ما يبدو واضحاً في شخصية دون جوان التي رسمها موليير في مسرحيته فهو عاشق عقلاني إلى أقصى الحدود العقلانية , يعتبر أن سنة الحياة هي صيد الفريسة ثم تركها و الهروب بعيداً عنها )) \ 23 \ .

كل ما ذكر سابقاً لاغبار عليه فنحن بحثنا فيه و أكدنا وجوده , لكن التناقض الذي يقع فيه كاتب هذه المقالة هو تفسيره أن دون جوان عاشق عقلاني إلى أقصى الحدود العقلانية . هذا التناقض يؤدي إلى خلل في فهم الشخصية الدونجوانية لذلك علينا أن نرفض هذا التفسير , لأن العشق هو التخلي عن الأنا فداءً و تعلقاً بالآخر ؛ فكيف سينطبق هذا المصطلح التصوفي مع كلمة عقلاني حيث المحاكمة المنطقية للأمور , يقول ” عاشق عقلاني …. ” إن إحدى تعريفات العقل: (( هو الوحدة العليا للوعي و وعي الذات لمعرفة موضوع ومعرفة الذات إنه يقين )) \ 24 \ , فكيف اجتمع العشق مع العقل , ثم أنه ( يحضر في الشخصية الدونجوانية الايروس وحيداً , تقريباً , في وعيه و يختفي اللوغوس . و إذا ما كان هذان المفهومان مترابطين عملياً و يشدان إزر بعضهما و يعاودان التجلي على التناوب فإن الأول منهما يطغى لدى الدونجوان أو أنه على الأقل يستبعد الثاني ) \ 25 \ .

إن الشخصية الدونجوانية تجسد تحدي الإنسان الذي يحاول إشباع رغباته الحسية في مواجهة متطلبات الطاعة لشريعة قدسية بل في مواجهة الموت بعينه , و قد أعطى موليير” دون جوان” زوجة شرعية هي ” الفيرا ” التي اختطفها من دير راهبات . ومع ذلك سرعان ما تغلبت فطرته الشهوانية على التزاماته الزوجية فهجرها في سبيل سلسلة من المغامرات الغرامية المتصفة بالرياء و المخادعة من جانبه في آخر الأمر . و استطاع كذلك أن يفلت من ثأر أخي زوجته بالخدعة و المداهنة

أما بالنسبة للقلق الدونجواني فهو نتيجة لطبيعة رؤيته للدنيا كحلبة للسباق مع الواقع , و إغواء المرأة دون حب , ما هو إلا صورة من صور عدم مصداقية الحقيقة التي يعيش فيها . إن الأنانية المطلقة التي تميز الشخصية الدونجوانية و النزوع نحو إرضاء الحس يؤديان في النهاية إلى فقدان الحس نفسه , و فقدان الشعور بالواقع .

إن نرجسية الدونجوان هي نرجسية مجروحة لأنه يعاني من فقدان الأم , و العجز الطبيعي – القصور الجنسي – ( فالجرح النرجسي يحدد الدلالة التي تتخذها خيبة أمل و مذلة و انخفاض اعتبار الذات و يعاني من الغيظ النرجسي الذي يتطلب الحاجة إلى الثأر لمحو خطأ و إزالة جرح بأي وسيلة كانت , و اندفاع راسخ بعمق لا يعرف الرحمة لملاحقة هذه الأهداف كلها اندفاع لا يترك أي سلام لأولئك الذين عانوا الجرح النرجسي . إن نمو النرجسية كان له مدلول الانحراف الجنسي الذي يمتص كلية حياة الشخص الجنسية إنه يرى نفسه في أعين النساء المنجذبات له ) \ 26 \ .

ينتقد كير كجارد الشخصية الدونجوانية عند موليير , يقول: يمكن أن تتحول قصة دون جوان التي يعبر عنها بالكلمة إلى كوميديا فقط وهذا ماجرى مع موليير , ولكنه لم ينجح في التعبير عن الجوهر الحسي الدونجواني , هناك شيء ما ملحمي في شبق دون جوان المنتصر , ولكنه غير مكتمل ملحمياً , ويوجد عنصر شاعري ولكنه أيضاً لا يتساوى مع جوهر الدونجوانية ))\ 27 \.

إن تأكيد كيركجارد على الجوهر الحسي الدونجواني يعكس لنا ما يراه في الشخصية الدونجوانية من حسية تتجاوز ما انشغل به موليير من إبراز العقوق و النفاق والكفر . ونحن لا يسعنا إلا أن نشير إلى أن هذا الرأي يعود لكيركجارد فحسب.

إن موليير حاول الإحاطة بالحالة الدونجوانية من كافة الجوانب حتى يصور لنا الشخصية الدونجوانية في حالة بانورامية تصور العمق النفسي والاجتماعي و الفلسفي لها لذلك نظن أن المبرر لعدم التركيز على الجوهر الحسي الدونجواني واضح لدى موليير, بالرغم من أن كيركجارد قال بأنه- أي موليير- لم ينجح, لكنن نرفض هذا الحكم .

 

 

-3-

 

إن موتزارت جعل للأوبرا القدرة على تناول شخصية دون جوان في عمله الأوبرا لي ” دون جيوفاني ” . يصور لنا شخصية ” ألفيرا” بأنها تدرك نهاية القصة فيسيطر عليها يأس مطبق,ولكي لا تفقد الحياة معناها, يتوجب عليها أن تحب دون جوان ولذلك تقنع نفسها بأن دون جوان يحبها ولم يخدعها. ولكنه لم يعدها بشيء, تقول :

(( إنه لم يطلب يدي ؛لكنه مدّ يداً نحوي فأمسكت بها , فنظر الي ,فأصبحت ملكاً له, فتح ذراعيه فاستسلمت له [ … ] في اليوم الذي هبطت فيه الآلهة إلى الأرض, و أحبت النساء هل حافظت الآلهة على حبها ؟ لا يقدر أحد على القول بأنهم خانوهم , فما خانوا النساء اللواتي كنّ يشمخن بحب الآلهة .. و ماذا تساوي آلهة الأولمب بالمقارنة مع دونجواني .. أليس من واجبي أن افخر بدل القيام بإذلاله و تحقيره و إلباسه قميص القوانين القميئة و المميتة , و التي تناسب الناس العاديين )) \ 28 \ .

إنها في أزمة , و الموت يتهددها لكنها لا تراه فهي تفكر في الذي يجب إنقاذه إنها معذبة هجرها دون جوان .

كان تصوير هذه الحالات النسائية و تصوير الشخصية الدونجوانية عن طريق الموسيقى قوياً فالموسيقى هي وحدها القادرة على إيصال المشاعر المحتدمة و الكامنة في جوهر دون جوان , يقول كيركجارد :

(( حين يتجسد دون جوان موسيقياً . فإنني أصغي إلى الرغبة المستعرة و إلى فورانها الذي لا يخبو , و الذي لا يمكن مقاومته , و استمع إلى الرغبة المتوحشة , و إلى انتصارها المؤزر و الذي تغدو مقاومته بلا طائل . دون جوان موتزارت شخصية شيطانية تبرز فيها العظمة الحقيقية و يعيب تفسير موليير لدون جوان في أنه لم يرَ من شخصية غاو النساء سوى الجانب المضحك , وهو لا يكشف عن طبيعته و قوته )) \ 29 \ , حيث يمتلك ( زير النساء المعروف كشخصية أدبية أو الشخصية المبدعة و الخرافية في الوقت ذاته ميزات كثيرة منها العشق , المخادع , المهرج , الفوضوي . إن موضوع زير النساء هو أحد أكثر الموضوعات المستكشفة , حيث أغلبية الكتّاب و الأكثر تميزاً منهم مثل الملحنون و النحاتون و الرسامون قد أدرجوا زير النساء ” دون جوان ” في عدة جوانب من أعمالهم ) \ 30 \ .

 

-4-

 

جاء في مجلة أبواب اللندنية الآتي :

( يفضل البعض أن يرى في هذا النمط من الرجولة الدونجوانية ممارسة لعبية سالبة لعبة موضوعها الوحيد , تقريباً , المرأة . لن يكتفي الدونجوان فيها بعلاقة واحدة و إنما يصير هدفه الكبير ” إسقاط ” أكبر عدد ممكن من العشيقات في حبال شباكه الغرامية و الجنسية و في وقت متقارب , كما لو كان هاوياً لجمع الطوابع ؛ كيف يتهيأ له إذن أن ينصرف إلى كتابة نص شعري متوازن عن المرأة ؟ عندما تصير المرأة , و جسدها على وجه التحديد لعبة الرجل , فمن الواضح إن هناك عدم إشباع عميق و عدم اكتفاء جهنمي من الجسد الأنثوي , أي الموظبة على إمكانياته الخارقة و عدم عطبها .

ثم أنه لا ينسجم التأمل الغزلي مع صورة الدونجوان الذي يغامر بوضعيته الاجتماعية كلها و دفعة واحدة , ولا يهمه أن يخسرها . إته لكي يمتلك موضوعه مادياً عليه أن يخسر النص الشعري الغزلي , ولن تتهيأ له الفرصة لكتابته . فالدونجوان لا يكتب شعراً غزلياً .

تُوصف الحالة الدونجوانية من وجهة نظر التحليل النفسي كحالة خوف دائب من الإخصاء , إن الدونجوان في حالة توكيد مثابر على خلوه من الإخصاء ) \ 31 \ .

أولاً … الإخصاء . ( تاخذ الوضعية السادومازوشية في لا وعي الإنسا ن دلالة الإخصاء و تفجر قلق الإخصاء , و الإخصاء هو السمة المميزة لجنسية الطفل بالمقارنة بجنسية الب الذي يمتلك الأم مما يؤدي إلى تحويل جنسية الطفل نحو إمرأة بديلة , و قانون الأب الذي يفرض الإخصاء ( المنع ) هو الذي يدفع بالطفل إلى النمو ليتمكن من الحصول على إمرأة له , لكن هذا لا يسير نحو النهاية الطبيعية لأنه بالإضافة إلى الحب و الإعجاب بالأب هناك شحنة عدوانية للقضاء عليه إذا كان الحب شديداًُ و العداء كذلك استقرت في الطفل حالة الإخصاء , وهنا ترتد العدوانية إلى الذات على شكل مشاعر إثم مفرطة من خلال تكوين ( أنا أعلى ) و من هنا تبرز عقدة النقص و العجز و العار التي تعكس وضعية الإخصاء التي تتضمن الشعور باتهديد الدائم و مشاعر العجز و عدم الاكتمال , و وجوده الذي يُعاش تحت شعار المهانة . و المخصي يشعر بالدونية و انعدام الكفاءة الاجتماعية . قلق الإخصاء يزعزع كيان الإنسان , فهو يولد الآلام المعنوية التي تصيب الاعتبار الذاتي في الصميم , و الحلول التعويضية تصب في الشعور بشيء من الاعتبار الذاتي , فمثلاً , الإفراط في الذكورة يأخذ أشكالاً استعراضية , و بمقدار توكيد هذه الذكورة في مظاهرها الخارجية من خلال كل أنواع المبالغة , بمقدار ما يكمن في اللاوعي من مشاعر نقص و عجز يُخشى من كشفها ) \ 32 \ .

و نرجسية الشخصية الدونجوانية تكمن في رفضها الرضوخ للمرأة و هجرانها لحظة نيلها , كي لا تُكشف علل هذه الشخصية , لذلك يرتبط ظهور الدونجوانية بفترة المراهقة المتأخرة , فإن بقيت و استشرت صارت انحرافاً , و إن تضاءلت عادت للحالة الطبيعية \ 33 \ , وهذا ما يدعونا إلى الانتباه إلى فكرة الدور الاجتماعي في حياة الدونجوان فالسلوك الاجتماعي هو سلوك مكتسب و من هنا يمكن التوجه نحو الأدوار الاجتماعية في علم النفس و طريقة تعلمها و من من نتعلمها وماذا تعكس في الشخصية لذلك تقع على الأب و الأم مسؤولية كبيرة في الحفاظ على النمو الطبيعي للطفل حتى لا يكبر و في نفسه عقدة تعكس في نفسه سلوك غير سوي ( فالقدرات الجنسية لا تظهر على نحو مفاجىء – حسب فرويد – بل تبدأ مع الولادة فاليبيدو أساسي بيولوجي وهذا نطاق تهيمن فيه الأشكال الثقافية الاجتماعية على المؤثرات البيولوجية , فمع بداية المراهقة تتكشف عناصر جديدة كالعادة السرية , إن السلوك الجنسي متفق عليه و ليس قناعاً لدافع اساسي و بذلك تمنح هذه الصورة الذات و الشخاص , فلقاء الجنسين لا يشجعه للعملية الجنسية إلا الاحتكاك الغير مباشر و ذلك نتيجة اتفاق . و أواخر المراهقة يتطور مفهوم الجنس و يدرك المعنى الاجتماعي للعلاقات الجسدية و يجب التأكيد على أهمية التعلم المبكر للدور الجنسي عند الصبيان فذلك يولد قدرة جنسية مبكرة و أيضاً يكون التحديد المبكر للهوية إطاراً أو بنية ملائمة يستطيع من خلالها الدافع الجنسي و الاتفاقيات الجنسية المتوافرة اجتماعياً أن تجد التغيرات الأكثر ملائمة . و التطور الجنسي المراهقي يمثل على نحو حقيقي بداية الجنسية البالغة أي أن الخبرات الجنسية ستدرك على أنها خبرات جنسيةاجتماعية ) \ 34 \ .

و الدونجوان لم يتعلم في صغره الدور الجنسي فبلغ سن الراهقة و هو يحمل انحرافاً جنسياً , و اضطرابات نفسية جعلته يتعامل مع الهدف الاجتماعي للعمليات الجنسية و العلاقات مع الجنس الآخر بشكل مرضي أدى إلى ظهوره على هذا الحال الذي نراه فيه .

ثانياً … الشعر الغزلي . ( اعتماداً على ما قاله فرويد : حافز المجتمع البشري هو في نهاية المطاف حافز اقتصادي , لذلك فالتاريخ البشري محكوم بالعمل و هذا يعني أن علينا كبت بعض نزوعاتنا إلى اللذة و كل كائن بشري لا بد أن يخضع لهذا الكبت الذي يفرضه مبدأ الواقع مقابل مبدأ اللذة و ربما أصبح الكبت مفرطاً فذلك سيجعلنا نمرض و نحن مهيئون لأن نصبرعلى الكبت ما دمنا نرى أن ثمة مصللحةفيه لنا أما إذا تتطلب منا الكثير فمن المحتمل أن نقع فريسة المرض , و يعرف هذا الشكل من المرض باسم العصاب من المهم أن نرى أن هذا العصاب مرتبط مع ما هو إبداعي لدينا كجنس فضلاً عن ارتباطه مع أسباب تعاستنا فإحدى الطرائق التي نتغلب بها على رغبات لا نستطيع تحقيقها هي ” تصعيد ” هذه الرغبات أي توجيه هذه الرغبات نحو غاية أكثر قيمة اجتماعية ) \ 35 \ , و بالتالي لا يحتاج الدونحوان لأن يكتب الشعر الغزلي لأنه لا يعاني كبتاً من هذه الناحية لكنه ربما يكتب شعراً يصف فيه قدراته الجنسية , ذلك لأنه يكبت قصوره الجنسي مثلاً .

 

-5-

 

تم طرح موضوع الشخصية الدونجوانية في السينما بشكل واسع , حيث أصبح الدونجوان يظهر تبعاً لرؤية المخرج , فتنوعت الصور التي ظهرت فيها هذه الشخصية حسب اختلاف مضامين الطرح السينمائي .

أولاً … فيلم ” دون خوان دي ماركو ” يظهر دون خوان ( دون جوان ) و هو شاب تعّرف على أكثر من ألف إمرأة , ولم ترفضه سوى المرأة التي أحبها , فقرر الانتحار .

يموت بعدأن فقد الفرصة في الموت بين ذراعي المرأة التي أحبها – لكن هذا كان خيالاً – دون خوان لم يعد يفكر بالانتحار, و ينتهي الفيلم بخروج دون خوان من المشفى حيث كان يُعالج , و سافر مع طبيبه لقضاء إجازة … فيلم رومانسي مؤثر يحرك العواطف , و يخلّف وراءه الحلم , و يصور الشخصية كي تبدو عاشقة تهجس بالحب , و تعاني من التآكل الذاتي على الصعيد الفردي و الاجتماعي بسبب وحدتها في ألمها القلِق \ 36 \ . إنه فيلم يصور حال المحب في القرن العشرين .

ثانياً … فيلم ” دون جوان ” يطرح في بداية الفيلم سؤالاً عن إمكانية أن يكون الدونجوان إمرأة , و يجيب عليه بالنفي .

إنه يصور المرأة الدونجوان على أنها فتاة داعرة توقع بالرجال , و تغرقهم في اللذة الجنسية , ثم تقتلهم … إنها تسترد كرامة النسا ء , تجعل من نفسها الوصية على بنات جنسها , تباشر في استرجاع ما هدر من حقوقهن .

ينتهي الفيلم مع موعدها الأخير بالرجل الذي أتعبها اللقاء به طيلة الفيلم , تنتظره في منزلٍ مهجور وهي تتحضر إلى قتله حرقاً , لكنه يتأخر في المجيء … فتيأس من قدومه وتحرق نفسها بدلاً عنه .

تُصوّر الدونجوانة كمغناج ,و مخادعة , لكنها رافضة للرجل , و حاقدة عليه , تتمنى له الشر , و تسعى إلى إغراقه في الشهوات التي لا تُطال .

ثالثاً … فيلم ” عين الشيطان ” الذي يُعد من أكثر الأفلام التي حافظت على الجو المولييري \ 37 \ حيث الكوميديا التي تُعري الشخصيات و الأوضاع الاجتماعية , لكن في قالب معاصر .

رابعاً … فيلم ” أماديوس ” الذي يظهر فيه موتزارت وهو يخرج أوبرا دون جيوفاني , ونرى فيه المسحات الكوميدية التي وضعها موتزارت في شخصية دون جيوفاني , و شخصية سغاناريل .

 

-6-

 

 

أولاً … قدّم ” جان فيلار ” على صعيد الإخراج المسرحي مسرحية ” دون جوان ” لموليير , و عرض فيها شخصية دون جوان على أنه رجل (( يبصق على كل سيء , رجل لا يحتاج لتلك النساء لأنه لا يعرف معنى الهيام بالمرأة فهو يعشق إمرأة ثم فجأة يعشق إمرأة ثانية , فيهجر الأولى . دون جوان لا يجتاج إلى النساء , و عنده إيمان راسخ بان الناس سواسية في السوء , و إن الأسلوب للتعامل معهم هوالإضرار بهم , ليس لحقد بل لحقارة و استهتار )) \ 38 \ . إن ” جان فيلار ” يدين هذا النوع من البشر , و يعاقبه بشكل غير مباشر .

 

ثانياً … في إخراج مسرحية ” دون جوان ” للكاتب الروسي ” بوشكين ” صُوّر دون جوان على أنه (( أنسان جسور , و إذا ما سقط في الهاوية فسوف ينادي على ” دونا آنا ” . إنه مفعم بالشعر و الحياة )) \ 39 \ , و يكون مصيره فجائعي .

هكذا نرى كيف اختلفت مناحي تصوير الشخصية الدونجوانية , كل حسب ما يراه , و حسب ما يستشعره في هذه الشخصية ؛ حتى و إن ابتعدوا – المخرجين المسرحيين و السنمائيين – عن المسار المنطقي . إنهم يبحثون دوماً عن اللا مألوف و اللا متعارف عليه في الشخصية الدونجوانية .

 

-7-

 

يقول دون جوان موليير :

 

(( هل تريد أن يُجبر الرجل على أن يظل مرتبطاً بأول امرأة استولت على قلبه وأن يهجر العالم من أجلها وألا ينظر إلي امرأة أخرى ؟ ما أجمل أن يدعي الإنسان أن الإخلاص فضيلة وأن يدفن نفسه إلي الأبد في حب واحد وأن يظل منذ فجر شبابه غافلاً عن أي جمالاً آخر قد يلفت نظره . لا .. لا ! إن الثبات في الحب لا يلائم إلا البلهاء من الناس ‘جميع الحسناوات لهن الحق أن يسلبن لبَنا ، ولا يصح أن يكون لأول حسناء التقينا بها ،الحق في أن تسلب الأخريات نصيبهن العادل من قلوبنا . أما من جهتي فإن الجمال يبهج نفسي أينما وجدته وما أسهل أن أنقاد إلى قوة جاذبيته العذبة .

مهما ارتبطت بحسناء فإن الحب اكنه لها لا يحملني على ظلم الأخريات ،إن لي عينين أحتفظ بهما لأرى مزاياهن جميعاً …

ولو كان لي عندي مائة ألف قلب فإنني أهبها جميعاً للمرأة الجميلة التي تطلب حبي ،وما لذة الحب ألا في التنقل )) \ 40 \ .

 

إن موقف الدونجوانية من الزواج هو موقف المعارض , و ذلك لأن الزواج بنظر الدونجوان يحول الحب إلى مسألة مودة , و عائلة , و استقرار , و بالتالي يتحول الحب المتأجج إلى شيء ممل و مكرر , وهو ما ينافي هذه الشخصية النارية ؛ لذلك نراه رافضاً للعلاقات الدائمة التي تفضي إلى الزواج .

لكن ورغم هذا الكره لمؤسسة الزواج إلا أن الشخصية الدونجوانية لا تجد بدّاً من المتاجرة بهذه المؤسسة و التلويح بها من أجل استدراج الضحية , و لذلك نرى الشخصية الدونجوانية

وهي تلوح بالزواج من أجل إيقاع الفريسة . وهو باختياره هذا النوع من الحياة نراه و قد درس شخصية الفتاة التي يريد الإيقاع بها عارفاً نفسيتها و منشأ شخصيتها المحافظ , والذي لن تستجيب له إلا إذا استخدم الأفكار المحافظة التي تؤمن بها من أجل إقناعها .

 

(( إن الشخصية الدونجوانية ليست إلا محاولة مستمرة للبقاء بالحب على مستوى العشق العنيف و الانفعال الحاد , والبحث عن شتى الوسائل و الطرق التي تبعد عنه خطر الاستقرار , وما يتبعه من وهن في اشتداد العشق , و ضعف في حدته , و تعريض له للرتابة و التكرار و الملل . و بما أن الدونجوان يريد عشقه أن يكون دوماً متوهجاً متقداً و في ذروة التوتر , نراه يرفض مؤسسة الزواج – بالرغم من وعود الزواج السخية التي يطلقها في سبيل تحقيق مآربه – و يحتقر الأزواج و ينتقم منهم بإغراء الزوجات و يلجأ إلى التنويع المستمر و التبديل الدائم في علاقاته الغرامية , و إلى الغزوات و المغامرات العاطفية المتلاحقة ليبعد عنه شبح الاستقرار , وما يستتبع من شحوب و سأم و ملل في الحب , و ليبقي عشقه في أوج التلقائية و العفوية و الاندفاع الذاتي )) \ 41 \ , وهذا التحليل للتعددية العلائقية مع النساء يُضاف إلى ما ذكرناه سابقاً .

 

لكن سؤالاً ملحّاً يراودنا ؛ هو : لماذا نتجاوب مع الشخصية الدونجوانية و نحاول التماهي بها و نستجيب بشكل إيجابي لقصصه بل إن لقب دون جوان قد اصبح لقباً للتحبب ؟

إن السبب يعود إلى أن فلسفة هذه الشخصية , و القائمةعلى الروح الانعتاقية و التحرر و إرضاء النزوات الحسية الآتية دون التفكير بالعواقب المستقبلية … إلخ . كل هذه الصفات إضافة إلى صفات اخرى أهمها مواجهة السائد من الأفكار و التقاليد بالرفض ؛ كل هذه الأمور موجودة في داخل كل شخص , ونحن كأفراد و إن قمنا بكبتها بسبب وجود عائق اجتماعي ديني و خلفية تربوية إلا أنها موجودة داخلنا و بالتالي فنحن نتجاوب مع الشخصية الدونجوانية في غرامياتها لأنها تدغدغ (( أنانا الأخرى, تلك الأنا التي نركنها في الظلام منسية لكنها حاضرة دائماً و سبب ذلك أن الشخصية الدونجوانية تتجاوب مع نزعة دفينة مكبوتة في نفس كل فرد منا , و تمثل الانعتاق من قيود شريعة الامتداد التي تغلف حياتنا )) \ 42 \ , و المقصود بشريعة الامتداد هو شريعة الامتداد بالحب في إطار مؤسسة الزواج , و بالتالي الحكم عليه بالملل و الرتابة … إلخ .

 

-8-

 

إن الشخصية الدونجوانية تقترب من الشخصية الكازانوفية , و تبتعد عنها … فأين أوجه الاقتراب و الابتعاد بين هاتين الشخصيتين ؟

 

كازانوفا , شخصية تاريخية حقيقية , اسمه جيكامو جيوفاني كازانوفا ولد عام 1725 , و مات عام 1798 , وهو كاتب , كاهن , جندي , دبلوماسي … إلخ .

اشيهر بأمير المغامرين الطليان ,حاول والداه اللذان كانا يعملان في مجال التمثيل أن يدخلاه للدير , لكن تم طرده عندما كان عمره 16 سنة بسبب سوء تصرفاته . انضم للتنظيم الماسوني في مدينة ليون عام 1750 , ثم تنّقل بين عدة مدن أخرى إلى أن عاد لفينيسيا ( مسقط رأسه ) عام 1755 حيث اتهم بممارسة السحر , و سجن لمدة خمس سنوات , لكنه هرب من السجن وتنقل في البلدان الأوروبية , و تقلب في كتاباته بين الشعر و النقد و الترجمة , لكن أهم عمل له كان مذكراته ” قصة حياتي ” , و فيها تسجيل لحياته الفاجرة .\ 43 \

أولاًً … في المسرح . كازانوفا هو العاشق الذي لا يرضى بعشيقة واحدة , إنه يحاول التنقل من فتاة إلى أخرى , و لكنه يهتم بأمر السيدات اللواتي يحاول اصطيادهن , فيحاول أن لا يجرح أية واحدة منهن . تقول شخصية كازانوفا في مسرحية كازانوفا :

(( أنا كازانوفا

العاشق المرح المجنون

أقول لإله الحب هيا

فيذهب دون أدنى تأن ٍ

ليقطف قلوب الجميلات

لدي منهن جماعات

قد صنعت من إله الحب الحزين العاري

إلهاً بشوشاً ضاحكاً

أنا لا أهاجم الفضيلة

و لا أتعدى على العائلات )) \ 44 \

لكن كازانوفا في الحقيقة يهاجم الفضيلة و العفة , و كان يتلذذ بذلك , وهو يعتبر أن التحرش بالنساء كان واجباً عليه , فإذا وجد إمرأة تعيش لوحدها حاول أن يشن غارته عليها , و لكنه في نفس الوقت يعتبر أن ذلك هو نوع من الواجب ؛ إذ لم يهن عليه أن يتركها وحيدة !

تقوم فلسفة هذه الشخصية على العناية بالملذات اليومية , و في مسرحية كازانوفا توجد مشكلة بينه و بين “بللينو ” , لكن كازانوفا لن يبارح مكانه قبل إفراغه كأس المتعة :

(( في الغد سأنتقم من هذا البللينو

سأقتله !

لكني اليوم لابد أن أفرغ كأس

المتعة ! )) \ 45 \

إضافة على اعتناء كازانوفا بالملذات اليومية , حرصه على الابتعاد عن الهموم اليومية :

(( إني أتعذب , و علي أن أبكي

ليس الآن , و لكن بعد قليل )) \ 46 \

إن هذه الفلسفة الكازانوفية لم تأت من لا شيء , ذلك لأن قراره بالإبقاء على حالة المتعة كان دائماً مسبوقاً بجملة تبين ما يعاكسها . إن وجود هذا التعارض يعمق الخيار الذي يتخذه كازانوفا .

و نضيف بإن شخصية دون جوان , هي شخصية خيالية أدبية يكاد يكون أصلها الأسطوري موجوداً ضمن الذاكرة الجمعية لشعب ما , و دون وجود توثيق مكتوب لها سوى أقلام الأدباء ,و الأفلام السينمائية , و الأعمال الموسيقية ؛ وليس المؤرخين …

 

ثانياً … في السينما . يظهر كازانوفا في فيلم ” ليلة فارين ” في عمر يناهز الستين , بدأت التجاعيد تملأ وجهه , وهو يحاول أن يخفيها بالماكياج , يسعى دوماً للظهور بمظهره المتألق الارستقراطي الذي عهدته النساء عليه . دوره في الفيلم كان هامشياً و غير فعال .

أما في فيلم ” كازانوفا فيلليني ” تصوير كامل لكل حياة كازانوفا , لكن رؤية فيلليني الفنية تطغى على الشخصية و تسيّرها تبعاً لما يشعر به فيلليني و يعانيه ؛ فنرى كازانوفا في آخر أيامه لا يتذكر إلا ” إيزابيلا ” تلك الفتاة التي لم تقبل بمعاشرته , إنها مازالت في ذهنه حتى اللحظة الأخيرة من الفيلم . و نراه أيضاً كافراً بالدين و الأخلاق ؛ حتى أنه في آخر لقطة يتخيل البابا ركباً عربةً ذهبية مع أمه , و هما يضحكان عليه .

هذا هو كازانوفا , و نظن أننا قد أجبنا على السؤال الذي طرحناه حول أوجه الاقتراب و الابتعاد بين هاتين الشخصيتين .

 

-9-

 

 

يقول ” تيوفيل غوتييه ” عن مسرحية ” دون جوان ” لموليير :

(( إن دون جوان التي أعطاها موليير عنوان : ملهاة ؛ هي و الحق يقال , مسرحية مأسوية , و مسرحية مأسوية حديثة … إنه كافر و فاجر , و آثم تقريباً , و لا نجد لديه سوى آثار ضعيفة لذلك التوحد الغرامي لذلك البحث عن المثل الأعلى النسائي , و عن تلك المرأة التي لا اسم لها )) \ 47 \

فبعد فاوست الذي ينهي حياته وهو يقول : ” أحبوا , لأن كل شيء في الحب ” , يأتي دور دون جوان – حسب غوتييه – ليقول :

 

(( أيتها اللذة الخادعة أنت التي سرت وراءك, و ربما كنت أنت , أيتها الفضيلة , التي تعلمين لغز الحياة . ليتني , مثل فاوست , في صومعتي المظلمة , تاملت الغبش المرتعش على الجدار لعالم مصّغر من الذهب ! ليتني , و أنا أتصفح كتب السحرو الطلاسم , بقرب موقدي , أمضيت الساعات السوداء بحثاً عن الكنز ! كنت شديد العناد , و كان يمكن أن أقرأ كتاباً , و أشرب ضحكك اللاذع , أيها العلم , دون أن أسكر , مثل تلميذ صغير . )) \ 48 \ تيوفيل غوتييه – ملهاة الموت

 

إن دون جوان يمثل (( تجسيد الإخفاق الكامل لقيم الغرب المسيحية , و لن يكون مدعاة للتعجب أن يحصل هذا على المسرح الذي تعبر فيه عن نفسها القوة الشيطانية الكبرى لدون جوان . ألم يقطف دون جوان التهورات الجنسية لأبطال و أرباب العصور القديمة ؟ لكنه رب مجرم , غازٍ للطبيعة البشرية )) \ 49 \ .

دون جوان في الحقيقة هو أخٌ لشخصية أخرى أصبحت في عصر النهضة شخصية أدبية و هي الدكتور فاوست فكل منهما (( ينزعان إلى الإفراط , إذ أن طلباتهما و حاجاتهما مفرطة . و مع هذا فإنهما عاجزان عن إشباع طلباتهما التي لا تنتهي بأسلوب التقاليد المسيحية غير الدنيوية . و بات لزاماً عليهما الحصول على ما يبتغون شأنهما في هذا شأن الآخرين من البشر ؛ بيد أن حاجاتهما ليست حاجات الآخرين )) \ 50 \ .

و يقارن كيركجارد بين فاوست و دون جوان , فهما يتساويان من حيث أنهما بطلان , و يجسدان مبدأً فردياً , (( إن فاوست و دون جوان هما عملاقا العصور الوسطى , وهما لا يختلفان في مساعيهما المتغطرسة عن جبابرة الماضي , و يتميزان بوقوفهما وحيدين دون أن يتوحدا مع قوة عامة لاقتحام السماء ؛ فالقوة تتمركز بالكامل في شخصية واحدة )) \ 51 \. إن دون جوان هو (( تعبير شيطاني يتبدى حسّياً , و فاوست تعبير شيطاني يتبدى عقلياً أو نفسياً )) \ 52 \ . إن ظهور دون جوان كان أبكر من ظهور فاوست .

فاوست يرفض الزواج بغريتشن – مارجريت – لأنه يعتبرها شيء يتعلق بالماضي , وهو إن تزوجها فسيبقى أسير الماضي , ومتجمد في قيود المجتمع ؛ هذا المجتمع الذي يسعى فاوست إلى تدميره حتى يستطيع المباشرة في بناء عالمه الجديد , لذلك كان رفضه لغريتشن متعلق بهذه الأمور ؛ فلا مجال للتطور ما دام الماضي حاضر معه بأي شكل من الأشكال , و أيضاً لأنه تعاهد مع الشيطان على أن تصبح روح فاوست ملكاً للشيطان في اللحظة التي يتوقف فيها عن العمل و التطور , و السعي . أي تلك اللحظة التي يشعر خلالها بالراحة و الرغبة في اللا فعل , وهذا ما سيحدث إن هو تزوج غريتشن , لأنها تتبع للماضي , و الماضي ثابت لا فعل فيه .إنه يهجرها و يتابع مسيرته ؛ حتى يلقاها آخر الأمر في السماء مع الملائكة .

في الجزء الأول من المسرحية نرى فاوست يأتي لإنقاذ غريتشن , لا حباً في الارتباط معها , بل رغبة في تحريرها من السجن ؛ لأنه سبب دخولها إليه , فهي قبل سجنها تكون قد حبلت منه دون رابط شرعي , و كانت سبباً في موت أمها بعد أن أعطتها منوماً أودى بحياتها بغية الاختلاء بحبيبها فاوست , و كانت سبباً غير مباشر لقتل أخيها الذي أراد الدفاع عن شرفه فأسرع إلى قتال فاوست ,لكنه قُتل على يده . بعد كل هذه الأسباب يشعر فاوست بالندم ؛ فيسرع إلى إنقاذها من ظلام السجن . إن الشيطان يقول لفاوست : إنها ليست الأولى … !

فيرد عليه فاوست :

(( يا كلب ! يا وحش ! يا كريه ! أيها الروح اللانهائي ! حوّل هذه الدودة إلى شكل كلب من جديد مثلما بدا لي ليلاً عدة مرات وهو يعدو أمامي أنا السائر البريء أو يتكوّر عند قدمي أو يتواثب على كتفي حين اهوي إلى الأرض ! حوله من جديد إلى صورته الأثيرة حتى يزحف أمامي على بطنه في الرمل و أطأه بقدمي هذا الخسيس ” إنها ليست الأولى ” يا ويلتاه … ياويلتاه ,و إنه لأمر يتجاوز تصور كل عقل إنساني إن أكثر من مخلوقة غرقت في أعماق هذا الشقاء و إن الأولى في محنة موتها القاصمة لم تكفّر عن خطايا الباقيات أمام عين الغافر الدائم إن شقاء هذه الواحدة يسري في نخاعي وفي حياتي و أنت تتهاتف راضياً عن مصير الآلاف منهن ! )) \ 53 \

 

لكنها لا تقبل الذهاب معه و تبقى حيث هي في السجن حتى تأخذ روحها الملائكة ؛ أما دون جوان فيخرج ” ألفيرا ” من الدير بحجة الزواج الكاذبة , لكنه بعد ذلك يهجرها بغية متابعة مغامراته النسائية . يقول كيركجارد :

(( دون جوان تجسيد مطلق للحسية و إذا كان الحب الذي يتضمن عنصراً روحياً يتوجه إلى امرأة واحدة فإن الحسية في أشد مظاهرها تتوجه إلى جميع النساء وهذا التحديد نراه في تصرفات دون جوان الذي لا يمكن إدانته لعدم الوفاء فالوفاء ليس من طبيعته الحسية )) \ 54 \ .

إن كيركجارد يمنح دون جوان الأفضلية لأنه يرى فيه شخصية أكثر طبيعية و حياتية ؛ أما فاوست (( فيفتقد كغاوٍ للنساء إلى العاطفة الملتهبة لدون جوان , ينتصر فاوست بالكلام أو بالكذب )) \ 55 \.

فاوست يبحث عن السعادة في الحب ليس إيماناً به بل لأنه عنصر واقعي للزمن تبثه النشاط فيتحول عن الشك لهذا تفتقر متعته إلى السعادة التي يتميز بها دون جوان .

 

 

- 10 -

 

إن اتفقنا بعد هذا الكشف تحت المجهر على أن الشخصية الدونجوانية تعاني انحرافاً جنسياً , فالعلاج يعتمد إحدى الطرق الثلاث التالية :

(أولاً… التحليل النفسي الفرويدي . يرمي إلى كشف الخلل في حياة المنحرف أثناء الطفولة , و علاقته مع أسرته و مجتمعه , و التجارب البارزة التي أدت إلى هذا المصير . } و يمكن اتباع العلاج النفسي الفردي { .

ثلنياً … العلاج النفسي الوجودي . الذي يتضمن المواجهة الحرة الصريحة الواعية من قبل المعالج و المريض .

ثالثاً … العلاج السلوكي الحديث . و هو يتعمد على هدم المنعكس الشرطي القديم , إي عادة الانحراف الخاطئة و وجعل المريض ينساها أو يكرهها , ثم بناء عادة جديدة صحيحة )) \ 56 \ .

 

بئس ما فعله موليير و غيره من الكتاب أمثال فريش و لافودان , و تيرسو , الذين أقروا العقاب على دون جوان بالموت ! إن دون جوان لا يستحق العقاب ؛ بل يستحق العلاج … لماذا لا نعاقب شخصاً مجنوناً بالموت إن أقدم على قتل أحد ما ؟‍‍ ‍‍ كذلك هو الحال مع مريضنا .. دون جوان .

 

 

 

- انتهت -

 

 

 

هوامش البحث

 

1- ناجي الجيوش – الانحرافات الجنسية – ص ( 136) .

2- فاخر عاقل – اعرف نفسك – ص ( 117) .

3- سيغموند فرويد – الموجز في التحليل النفسي – ص ( 154 ) .

4- ناجي الجيوش – الانحرافات الجنسية – ص (22) .

5- سيغموند فرويد – الموجز في التحليل النفسي – ص (119) .

6- ناجي الجيوش – الانحرافات الجنسية – ص (26) .

7- ناجي الجيوش – الانحرافات الجنسية – ص (138) .

8- سيغموند فرويد – الحياة الجنسية – ص ( 113) .

9- مصطفى حجازي – التخلف الاجتماعي – ص ( 43) .

  1. مجلة أبواب اللندنية \ دون جوان WWW. GOOGLE.COM \
  2. سيغموند فرويد – الموجز في التحليل النفسي – ص (29-30-31 )
  3. جان بيلمار نويل – التحليل النفسي و الأدب – ص ( 127 ) .
  4. عبد الرحمن بدوي – الأخلاق النظرية – ص( 8 ) .
  5. مجلة المعرفة – 431 – ص ( 12 ) .
  6. محمد مندور – المسرح العالمي – ص (185 ) .
  7. مجلة عالم الفكر – ص ( 159 ) .
  8. جان روسيه – أسطورة دون جوان – ص ( 205 – 206 ) .
  9. مجلة عالم الفكر – ص ( 158 ) .
  10. جان بيلمان نويل – التحليل النفسي و الأدب – ص ( 32 ).
  11. عبد الرحمن بدوي – الأخلاق النظرية – ص ( 56 – 57 – 58 – 59 )
  12. عبد الرحمن بدوي – الأخلاق النظرية – ص ( 143 ) .
  13. مجلة عالم الفكر – ص (157 ) .
  14. هيغل – الكتاب الثاني – ص ( 12 ) .
  15. مجلة أبواب اللندنية \ دون جوان WWW. GOOGLE.COM \
  16. النرجسية – راجع الأقسام التالي , من ص (149 ) إلى ص ( 155 ) , و راجع من ص ( 344 ) إلى ص ( 354 ) .
  17. أ . انيكست – تاريخ دراسة الدراما – ص ( 256 ) .
  18. أ . انيكست – تاريخ دراسة الدراما – ص ( 273 ) .
  19. أ . انيكست – تاريخ دراسة الدراما – ص ( 257 ) .
  20. فقرة مترجمة عن الانكليزية من الموقع http://www.don-juan.com
  21. مجلة أبواب اللندنية \ دون جوان WWW. GOOGLE.COM \
  22. مصطفى حجازي – التخلف الاجتماعي – ص ( 90 – 91 – 92 ) .
  23. محاضرات غير منشورة – د. هزار الجندي .
  24. إريك غود , هارفي فاربرمان – الواقع الاجتماعي – من ص( 103 ) إلى ص ( 114 ) .
  25. تيري إيغلتون – نظرية الأدب – ص ( 257 – 258 ) .
  26. محمد الأحمد – السينما تجدد شبابها – من ص( 170 ) إلى ص ( 176 ) .
  27. بيتر كاوي – السينما الإسكندنافية – ص ( 247 ) .
  28. اناتولي ايفروس – البروفة حبي – ص ( 151 ) .
  29. اناتولي ايفروس – البروفة حبي – ص ( 155 ) .
  30. موليير – مقدمة مسرحية دون جوان – ص ( 11 ) .
  31. صادق جلال العظم – في الحب و الحب العذري – ص ( 35 – 36 )
  32. صادق جلال العظم – في الحب و الحب العذري – ص ( 36 ).
  33. the new eucydopaedia britannica
  34. جيوم أبولينير – كازانوفا – ص ( 33 ) .
  35. جيوم أبولينير – كازانوفا – ص ( 69 ) .
  36. جيوم أبولينير – كازانوفا – ص ( 71 ) .
  37. جان روسيه – أسطورة دون جوان – ص ( 277 – 278 – 279 )
  38. جان روسيه – أسطورة دون جوان – ص ( 266 – 267 ) .
  39. فيليب كامبي – العشق الجنسي و المقدس – ص ( 207 ) .
  40. مجلة عالم المعرفة – تشكيل العقل الحديث – ص ( 54 ) .
  41. أ . انيكست – تاريخ دراسة الدراما – ص ( 255 ) .
  42. أ . انيكست – تاريخ دراسة الدراما – ص ( 255 ) .
  43. جيته (غوته ) – فاوست 2 – ص ( 174 ) .
  44. أ . انيكست – تاريخ دراسة الدراما – ص ( 256 ) .
  45. أ . انيكست – تاريخ دراسة الدراما – ص ( 257 ) .
  46. ناجي الجيوش – الانحرافات الجنسية – ص ( 159 – 160 ) .

 

 

بيبلوغرافيا البحث

 

المصادر :

 

  1. أبولينير ( جيوم ) : كازانوفا – ترجمة و تقديم : د. نادية كامل – مراجعة : يحيى حقي – سلسلة المسرح العالمي – العدد 238 – الكويت – 1989 .
  2. جيته : فاوست 2 – ترجمة و تقديم : عبد الرحمن بدوي – سلسلة المسرح العالمي – العدد 233 – الكويت – 1989 .
  3. جيته : فاوست 3 –ترجمة و تقديم : عبد الرحمن بدوي – سلسلة المسرح العالمي – العدد 234 – الكويت – 1989 .
  4. فرويد ( سيغموند ) : الحياة الجنسية – ترجمة : جورج طرابيشي – دار الطليعة – بيروت – (الطبعة الأولى 1982 , الطبعة الثانية 1993 , الطبعة الثالثة 1999 ) .
  5. فرويد ( سيغموند ) : الموجز في التحليل النفسي – ترجمة : سامي محمود علي \ عبد السلام القفاش – مراجعة : مصطفى زيوار – تقديم: محمد عثمان النجاتي – مكتبة الأسرة –الهيئة المصرية العامة للكتاب – مصر- 2000 .
  6. فرويد ( سيغموند ) : الحرب و الحضارة و الحب و الموت – ترجمة : عبد المنعم الحفني – دار مأمون- مصر – 1977 .
  7. موليير : دون جوان – ترجمة : يوسف محمد رضا – دار كتاب لبنان – الطبعة الثانية – بيروت – 1985 .

 

  1. هيغل : الكتاب الأول و الكتاب الثاني – ترجمة : إلياس مرقص – (الطبعة الأولى 1979 , الطبعة الثانية 1989 ) – المكتبة الفلسفية – بيروت – د. ت .

 

 

 

المراجع :

 

  • الأحمد ( محمد ) : السينما تجدد شبابها – وزارة الثقافة – المؤسسة العامة للسينما – دمشق – 2001 .
  • انيكست ( أ ) : تاريخ دراسة الدراما – ترجمة : ضيف الله مراد – وزارة الثقافة – دمشق – 2000 .
  • ايغلتون ( تيري ) : نظرية الأدب – ترجمة : ثائر ديب – وزارة الثقافة – دمشق – 1995 .
  • ايفروس ( اناتولي ) : البروفة حبي – ترجمة : ضيف الله مراد – مراجعة : سلام اليماني – وزارة الثقافة – دمشق – 1998 .
  • بدوي ( عبد الرحمن ) : الأخلاق النظرية – وكالة المطبوعات – الكويت – الطبعة الثانية – 1976 .
  • الجيوش ( ناجي ) : الانحرافات الجنسية – دار الأهالي – دمشق – الطبعة الأولى – 1988 .
  • حجازي ( مصطفى ) : التخلف الاجتماعي \ سيكولوجيا الإنسان المقهور \ – معهد الإنماء العربي – لبنان – 1980 .
  • روسيه ( جان ) : أسطورة دون جوان – ترجمة : زياد العودة – وزارة الثقافة – دمشق – 1985 .
  • عاقل ( فاخر ) : اعرف نفسك – الطبعة الرابعة – دار العلم للملايين – بيروت – 1977 .
  • العظم ( صادق جلال ) : في الحب و الحب العذري – الطبعة الخامسة – دار المدى للثقافة و النشر – دمشق 2002 .
  • فاربرمان( هارفي ) \ غود ( أريك ) : الواقع الاجتماعي – ترجمة : ندرة يازجي – مراجعة : عبد المجيد النشواتي – وزارة الثقافة – دمشق – 1985 .
  • كامبي ( فيليب ) : العشق الجنسي و المقدس – ترجمة : عبد الهادي عباس – الطبعة الأولى – دار الحصاد – دمشق – 1992 .
  • كاوي ( بيتر ) : السينما الإسكندنافية – ترجمة : عبد الإله الملاح – وزارة الثقافة – المؤسسة العامة للسينما – دمشق – 2001 .
  • مندور ( محمد ) : المسرح العالمي – دار النهضة للطباعة و النشر – مصر \ القاهرة \ – د . ت .

 

  • مجموعة مؤلفين : النرجسية – ترجمة : وجيه أسعد – وزارة الثقافة – دمشق – 1989 .

 

  • نويل ( جان بيلمان ) : التحليل النفسي و الأدب – ترجمة : حسن المودن – المجلس الأعلى للثقافة – مصر – 1997 .

 

 

الدوريات :

  1. مجلة المعرفة – العدد 431 – وزارة الثقافة – دمشق – مقالة بعنوان : الروح – د . هاني نصري – 1999 .
  2. مجلة عالم الفكر – العدد ( 1) المجلد ( 21 ) – مقالة بعنوان : أسطورتان دالتان في الحضارة الأوروبية \ فاوست و دون جوان \ – مجدي وهبة – الكويت – 1991 .
  3. مجلة عالم المعرفة – العدد 82 – تشكيل العقل الحديث – تاليف : كرين برينتون – ترجمة : شوقي جلال – مراجعة : صدقي حطاب – المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب – الكويت – 1984 .

 

 

الأفلام:

 

  1. وخلق الله المرأة : تمثيل : بريجيت باردو – إخراج : روجيه فاديم – 1958 .

 

  1. موليير : تمثيل : فيليب كوبير \ جوزيفين ديرين – إخراج : أريان منوشكين – 1978 .

 

 

  1. ليلة فارين : تمثيل : جان لوي بارو \ مارسيلليو ماستروياني – إخراج : إيتوري سكولا – 1982 .

 

  1. كازانوفا فيلليني : تمثيل : دونالد سوثيلاند \ تينا أومانت – إخراج : فيدريكو فيلليني .
  2. دون جوان : تمثيل : بريجيت باردو – إخراج : روجيه فاديم .

 

  1. أماديوس : تمثيل : ماري أبراهام \ توم هولسا – إخراج:ميلوس فورمان – موسيقى : جون شتراوس .

 

  1. دون خوان دي ماركو :تمثيل : مارلون براندو \ جوني ديب – إخراج : جيريمي ليفن .

 


 




تابع

Get every new post delivered to your Inbox.