أرشيف لـمارس 22nd, 2012

22
مارس
12

الشخصية الدونجوانية

الشخصية الدونجوانية تحت المجهر

 

 

 

مقدمة

 

إن دافع الجنس من الدوافع الأولية, و لكنه يختلف اختلافاً كبيراً عن الدوافع الأولية مثل الطعام و الشراب ، يختلف من حيث تعقيده و جذوره و مراحل ظهوره ومكانته في حياة الفرد و النزوع و أشكال السلوك التي تلبي غرضه .

إن أدب الجنس و الإدمان و الشباب المنحرفين إضافة إلى العقبات التقليدية جعلت من السلوك الجنسي معضلة اجتماعية نفسية خطيرة, و أصبح هدف علماء الاجتماع و النفس و التربية هو بيان الموقع الحقيقي للغريزة الجنسية, و توعية الجيل الناشئ بالحقائق البيولوجية المبسطة لتكون سلاحاً ضد الخوف و القلق و الجهل, و لوضع حد فاصل بين الحياء المرضي و السلوك الطبيعي الصحيح الذي يقرّه المجتمع .

الشخصية الدونجوانية هي مجال بحثنا . سنرفع الستار عن هذه الشخصية و نكشف عن أسرارها , و نلتمس ما قيل عنها , و كيف تم التعامل معها أدبياً و فنياً , ونسعى إلى معرفة كيفية علاجها , و إخراجها من أزمتها … أو بالأحرى ؛ سنضعها تحت المجهر !

 

 

تحترف الشخصية الدونجوانية إغواء النساء, أو استمالتهن إلى الهوى, والهوى رغبة ثائرة مستمرة. وتظهر على الهاوي عوارض الاندفاع أو التهافت القوي على شخص أو فكرة. إن إرادة الهاوي عبدة لهواه, ووجود موضوع واحد ثابت هو موضوع هواه, وأيضاً عمق الهيجان وشدته عند الهاوي الذي يسعد ويشقى، يقلق ويرتاح بدرجة لا تحدث عند سواه. إن الهوى يشمل دوماً على توهم عميق, والإغواء لغوياً يعني إضلال الآخر بالأماني الكاذبة .

تلجأ الشخصية الدونجوانية إلى الحيلة للوصول إلى اللذة، إن اللذة هي مبدأ يدل على اتجاه الكائن العضوي في الصور البدائية من سلوكه – العمليات اللاشعورية – إلى الحصول على اللذة وتجنب الألم دون اعتبار لمقتضيات الواقع. إنها عكس الألم, وبما أن الدونجوان يغوي النساء, فاللذة الجنسية هي الطاقة المحركة لغريزة التكاثر والتوالد ولولاها لما بحث الذكر عن أنثاه, ولا تهيأت الأنثى لرجلها, وهذه الطاقة ترتبط بخلق وتركيب الأحياء, وما يحدث في أجسامهم من تغيرات في الهرمونات والانفعالات.

إن الدونجوانية انحراف, والمنحرف يتباهى بانتصاراته الجنسية. وتدل الانحرافات الجنسية على تغير يطرأ على السير السوي للنمو الجنسي من حيث الموضوع الجنسي – الشخص الذي يصدر عنه الجذب الجنسي – ومن حيث الهدف الجنسي – الفعل الذي تُرمى إليه الغريزة – إن الانحراف هو نشاط جنسي مستديم يشبع الرغبة الجنسية تماماً دون حاجة إلى الاتصال بالجنس الآخر، ثم ماذا يُقصد بالانتصارات الجنسية؟ هل يريد هذا المنحرف – الدونجوان – أن يحقق الانتصار الجنسي بإغواء النساء و جرّهن وراءه, أم الاكتفاء بأنه مرغوب جنسياً ( كفحل ) من جانب النساء, وانتصاره يكون في دلالِه عليهن؟


يعجز الدونجوانيين عن إثبات شخصيتهم بين الرجال فيلجئون لإثباتها عند النساء. يصبح اللجوء إلى النساء سبيلاً, بعد أن عجز الدونجوان عن إثبات شخصيته عند الرجال. لماذا لا يستطيع الدونجوان إثبات شخصيته بين الرجال؟

يلتجئ الدونجوان إلى الغزوات الجنسية نتيجة فشله في خلق كيان شخصي خاص في المجتمع الذي يعيش فيه. هل يعني أن الدونجوان لا يستطيع أن يكون غير الدونجوان؟ ثم ماذا يقصد بالغزوات الجنسية؟ هل يشير إلى أن الدونجوان يغزو النساء وينهبهم في ديارهم – جنسياً – أم ماذا؟ هذا التعبير فيه من القسوة و العنف الكثير بحيث نستشف دموية هذه الشخصية إلى حد السادية.

نستنتج بعض الخصائص التي تميز الشخصية الدونجوانية, وهي : احتراف إغواء النساء, اللجوء إلى الحيلة بغية تحقيق اللذة, واعتبار هذه الشخصية منحرفة جنسياً.

ومهما يكن فإن الدونجوانية هي الاندفاع المتهور في جنون الإغواء, وهي دائماً تأكيد الفحولة والكلام عن الذات المقتدرة والاستعلاء، ونحن أمام نفس مضطربة متناقضة لا يكاد يوحّدها إلا خيط واهٍ من الشخصية المبعثرة والثورة العاصفة من أجل استرجاع الأصالة بعد أن مسّت المهانة أعمق جوانب الذات ونالت من قدرها واعتبارها المحوري. والشخصية الدونجوانية تخاف من الالتحام مع النساء خشية فضح قصورها وعجزها الجنسي.

إن تأكيد الفحولة ( الذكورة ) نفهمه على أنه تعبير كلامي فقط عن الحالة, و ذلك نتيجة الخشية من فضح القصور الجنسي الذي يناقض معنى الفحولة. إن الاستعلاء والذات المقتدرة يقتربان من النرجسية، التي يشار بها إلى سلوك الفرد حين يعامل جسمه بطريقة مشابهة لتلك التي يعامل بها في العادة موضوعاً جنسياً، فهو يتأمّله مجتنياً من ذلك لذة جنسية, ويلامسه ويداعبه إلى أن يفوز من هذه الممارسات بالإشباع الكامل, والنرجسية إذا ما بلغت هذا الحد يصير لها دلالة الانحراف الذي يستغرق كلية الحياة الجنسية للشخص المعني.


إن النفسية الدونجوانية نفسية مضطربة ومتناقضة النزعات, حيث أنها تتناقض بين النرجسية وبين الدونيّة في أعمق جوانبها, أو بين الفحولة والقصور الجنسي.

إن الشخصية الدونجوانية تخاف من افتضاح سرّها فهي قاصرة جنسياً, وهذه عقدة نقص يُعوض عنها بادعاء الفحولة. لذلك تميّز مشاعر الدونيّة بشكل عام موقف الإنسان المقهور من الوجود, والإنسان المقهور عاجز عن المجابهة, تبدو له الأمور وكأن هناك باستمرار انعداماً في التكافؤ بين قوته وقوة الظواهر التي يتعامل معها؛ عقدة النقص تجعل الخوف يتحكم بالإنسان المقهور.

إن الدونجوان بصفته مهموماً بالأنثوي, بإيروسه الأناني, فإن الصداقات مع الرجال تختفي من حياته بعض الشيء. صداقاته عابرة ومؤقتة وزائغة جداً, الايروس وحده هو الممكن. مع الرجال هو مُشعل الحروب, وإنه لا يرتاح إلى محضرهم لأنهم منافسيه المحتملين على قلوب عذراواته, ومن الأفضل استبعادهم عن مشروعه التأريخي.

يغيب عن الدونجوان مفهوم الكرامة, فأفضل القيم الأخلاقية منسية لديه, تقع آلية عمله في السعي الغزلي المتواصل المصاغ مسبقاً دون الكثير من الصدق, وخاصة من دون الالتفات إلى الصدود المحتمل إلى ردات الفعل العنيفة والضيقة من طرف موضوعه الأثير : المرأة. إنه يحاول تنفيذ مشروعه مع أكبر عدد من النساء لكي يصطاد فريسة واحدة في نهاية المطاف, يبتلع كل مرّة الإهانة وقوة الصّد, ويجري لها عملية محوٍ سريع من ذاكرته, منتقلاً إلى فريسة أخرى.

وبتناقض فادح تظهر لديه نزعة تبجحية تدفعه بوصفه صائد نساءٍ عديم الذمة إلى إخفاء وطمر حالات الفشل المتكررة التي هي جزء عضوي من حياته الروحية, إنه لا يعلن إلا الناجح من مغامراته، وليس ماضيه سوى النصر المبين رغم وفرة الهزائم. لا يعلن إلا تفوقاً ظاهرياً, فهو ليس معنياً سوى بالكم الفعلي من تجارب اللذة.

تتساوى لديه النساء جميعاً , إنه يحب كل النساء بالطريقة ذاتها , كل الورود لها ذات الرائحة . هنا تغيب تقاليد خطاب غزلي متنوع , الدونجوان يستهدي بتنميط لغوي جاهز فقد أثبتت تجربته الثقافية فاعلية هذا التنميط ) \ 10 \ .

 


أولاً … تعني الايروس غريزة الحب و الحياة , حيث ( تبينَ لدى إرجاع الغرائز الأساسية وجود غريزتين أساسيتين فقط , هما الايروس و غريزة التدمير , و يقع في نطاق الايروس التعارض بين غريزة حفظ الذات , و غريزة حفظ النوع , و كذلك بين غريزة حب الذات , و غريزة حب الموضوع . هدف الايروس إنشاء الربط بين الوحدات ) \ 11 \ , إن الايروس هو (( مبدأ النشاط و دليل الرغبة , طاقته الليبدو بالنسبة إلى التحليل النفسي و نقيضه هو تاناتوس – غريزة التدمير – إله الموت عند اليونان )) \ 12 \ .

 

ثانياً … نضيف إلى التفسير السابق لبُعد الدونجوان عن الرجال ما ذُكر في موقع TASHAFI.COM بأن الدونجوانية فيها (( بعض الرجال يبدون كمفرطي جنس , حيث يحتاجون الممارسة الجنسية المتكررة , ولكن هذا يخفي مشاعر عميقة من الشعور بالنقص , و بعضهم لديهم ميول جنسية مثلية لا شعورية , فيتم إنكارها باتصالات جنسية قهرية متعددة مع النساء . و أغلب الدونجوانيين يفقدون اهتمامهم بالمرأة بعد الجماع )) \ 13 \ , وهذه ليست إلا حالة خاصة لأن الشخصية الدونجوانية تتميز بقصور جنسي .

ويمكننا إعطاء تفسيرٍ آخر يتمثل في خشية الدونجوان من يحبطه قصوره الجنسي مقارنة بفحولة الرجال لذلك يلجأ إلى التباهي بفحولته بين النساء .

ثالثاً … فيما يخص الكرامة و الأخلاق عامة ً , فهي (( مجموع متفاوت النسق من التحديدات المثالية و القواعد و الغايات التي يجب على الأنا – منظوراً إليه على أنه مصدر مطلق إن لم يكن شاملاً للمستقبل – أن يحققها بفعله في الوجود حتى يزداد هذا الوجود قيمة )) \ 14 \ , الدونجوان يكفر بكل هذا النسق و يخلق لنفسه مجموعه الأخلاقي الخاص الذي يبرر سلوكه الشخصي .

رابعاً … لفهم الحياة الروحية التي يعيشها الدونجوان ؛ نعرّف الروح بأنها (( تتمظهر بالفكر عند الإنسان و الحيوان, بشكل يمكن رصد نتاجه من سلوكهما , و تعتمل بالمشاعر و الرغبات ضمن كل نفس , فهي الحامل لا للميتابيولوجي فقط بل للفكر و المشاعر و الرغبات , أي هي حامل للنفس , فهي ما وراء الجسد و النفس )) \ 15 \ , وهكذا نميز بين النفس و الروح و الجسد , و نفهم لماذا يُصاب الدونجوان بحالات فشل متكررة صارت لصيقة بحياته الروحية .

-2-

 

تناول الأدب المسرحي موضوع الشخصية الدونجوانية , وبرع في تصويرها الكاتب المسرحي موليير في مسرحية ” دون جوان ” فكشف لنا الستار عن (( خلاعتها و استهتارها و شهوتها الحيوانية ، ليتدرج بعد ذلك إلى الكشف عن كفرها و إلحادها و نصبها على الدائنين من أمثال التاجر ديمانش , ثم العوق ( العقوق ) عندما رأيناه يتلقى نصائح أبيه بتمني موت هذا الأب المسكين و أخيراً نفاق دون جوان الذي فطن في النهاية إلى أن التظاهر بالإيمان قد ييسر له سبل إجرامه , خيراً من التظاهر بالكفر و عدم المبالاة برأي الناس فيه بحيث قد اكتملت لنا جميع القسمات التي ترسم شخصية دون جوان و تجعل منه نموذجاً بشرياً تتجسد فيه أقبح رذائل البشر )) \16 \ .

أولاً … هل الشخصية الدونجوانية كافرة و ملحدة و عاقة و منافقة ؟ هذا ما خلقه موليير في شخصية دون جوان .

ذكرنا سابقاً أن الشخصية الدونجوانية تكفر بالأخلاق كلها , و بالتالي فلا تعارض إن أصبحت ملحدة . و من الطبيعي لشخصية تكفر بالأخلاق أن تكون عاقة للأبوين و منافقة .

ثانياً … هل هذه الشخصية نموذج بشري تتجسد فيه أقبح رذائل البشر ؟

جاء في مجلة عالم الفكر ( هناك مأساة نفسية في تحول دون جوان إلى زير نساء على اعتبار أنه يبدو منتمياً و غير منتمي في آن واحد . فكل الروايات تذكر له أباً و طبقة من الأشراف و لكن الأم غائبة عن كل المعالجات المسرحية و القصصية , فكأن مطاردة النساء هي عبارة عن البحث عن الأم المفقودة و إحلال تلك الفرائس الغرامية محل الأم التي هي قاعدة الثبات و الانتماء في حياة الإنسان . و هناك تأويل آخر يرى في دون جوان رمزاً لضعف الذكر لا لقوته , إن مطاردة النساء التي لا تأتي بلذة الحيازة هي شبه اعتراف بأن ميول البطل غير متجهة نحو الجنس الآخر . و هناك ميل آخر يرى أن شبق دون جوان ما هو إلا صورة من صور حب الاستطلاع , و تأويل آخر يجعل من دون جوان مجرد خاطئ و ضحية شبقه ) \ 17 \ .

أولاً … غياب الأم استدعى التعددية في العلاقات النسائية لأن الأم لا يستعض عنها بامرأة أخرى , لذلك تزداد اتصالاته مع النساء . و أيضاً عقوقه لأبيه و تمني موته يدعونا لأن نقترب من الحالة الأوديبية, (( ولكن أين جوكاست ؟ مع أن الرجوع إلى أوديب ضمني [ … ] أنه ينزع إلى أحد أشكال الماضي إلى أم لا يمكنه نيلها و هو يريد امتلاكها ذلك هو البديل الأمومي )) \ 18 \ . ثانياً … قصوره الجنسي يعوض عنه بتأكيد رجولته المشلولة التي لا يستطيع تحقيقها بشكل كامل بسبب عقدة النقص التي يعاني منها . هذا التأويل ذكر جزء منه خلال دراستنا السابقة . الشخصية الدونجوانية مصابة برجولة في موضع شك و جرح نرجسي .

أما مواقف الصيد النسائي فهي مواقف تحتاج الحل (( و كلما صعب الحل كان سعيداً بمهارته و حذقه في التخلص . لذلك لا يبتغي النيل لحد ذاته و لا التمتع بما ناله , لأنه يشعر بان لذة النيل تنتهي بتحققها و أن الحياة كلها حركة , و أن أية وقفة في السير بمثابة موت للعاطفة و للرغبة في البقاء. و يترتب على ذلك الشعور أيضاً أن لذة الحياة في الكلام ) الكلام الذي يتطاير و إن كان يوقع في فخ الإغواء ) و أن الكلام لا وزن له . لأنه مجرد حيلة في سبيل الوصول إلى غرض مؤقت . فلا يقيم للكلام وزن الحقيقة و يُدهش إذا رأى غيره يقيم له وزناً , فلا مكان في عالمه الذهني لما يسمى بالضمير لأن العهد ليس عهداً في منطقه بل مجرد كلام . وهذا التقدم الطائش لا يعرقله سوى اللقاء الأخير بالموت في شكل تمثال فإن الموت يجمع بين الثأر و ساعة الحساب فهذا اللقاء مع ما لا يمكن الهروب منه هو بمثابة ساعة الحقيقة التي كان يتجنبها أو يؤجلها طوال مغامراته في الحياة , و هذه الساعة هي تلك التي تربط بينه و بين الواقع بعد مسيرة الأوهام . و هكذا ينتهي السباق بين الواقع ( الذي هو استيقاظ الضمير و لقاء الموت في آ ن واحد ) و الوهم الذي هو التملص الكلامي , و عدم الخضوع لناموس ثابت في تقلبات الحياة )) \ 19 \ .

أولاً … لذة النيل تتم بتحقيق النيل . أي أن الشخصية الدونجوانية لا تهتم بموضوع الممارسة الجنسية كي لا يكشف أمرها بأنها قاصرة جنسياً , لذلك تكون اللذة في إيقاع الآخر بشباكها .

ثانياً … الكلام . لذة الحياة في الكلام , لا وزن له , حيلة في سبيل الوصول إلى غرض مؤقت . إن (( اللعب بالكلمات يجلب اللذة )) \ 20 \ , فإن كانت لذة النكتة هي الضحك فإن لذة الشخصية الدونجوانية النيل بالفتاة . الكلام الذي يستغل للإغواء و إثبات الفحولة و خلق عالم يجذب النساء إلى هذا الخالق الدونجواني .

ثالثاً … الضمير . نعرف الضمير بأنه (( خاصية العقل في إصدار أحكام معيارية تلقائياً و مباشرة على القيمة الأخلاقية لبعض الأفعال الفردية المعينة و هو يدل على الشعور بالمبادئ و التمييز شبه الغريزي لقيمة الفعل الحاضر و يمكنه أن يفكر و أن يتأمل في تقديراته و هو نوع من الغريزة يعاف الشر لا بما يعرف بقدر ما هو بما يكون ولهذا فإن ممارسة الفضيلة أو الرذيلة هما عوامل في تدقيق أو تشويه الضمير و هو الحكم الصادر من العقل ))\ 21 \ . الشخصية الدونجوانية ترفض الفضيلة التي هي (( استعداد راسخ لحسن الفعل اكتسبت على ضوء العقل و صاحبها المباشر هو الإرادة )) \ 22 \ .

إن الشخصية الدونجوانية تشبه شخصية (( صياد القلوب الذي يعتمد على حيله البلاغية و فطنته الذكية لكي يدرك هدفه في أسرع وقت ممكن , و لا يكاد يدع لنفسه فرصة التمتع بما استطاع أ ن يدركه من نصر غرامي حتى يأخذ في الالتفات إلى هدف آخر و إلى مطاردة جديدة . فهو يمل الانتظار و يضيق به صدره إذا وجد ما يعرقل تقدمه ونتيجة هذا القلق المستمر إنه يلجأ باستمرار لحيل اللباقة و حسن التخلص الذكي , فكأن العقل يأخذ في السيطرة على عواطفه , إنه ليس العقل الحكيم الوازن للأمور وما يترتب عليها من عواقب و إنما سرعة البديهة التي لا تتورع عن استخدام الكذب و الخداع لإدراك هدفها من إغواء أو هجر سريع و هذا ما يبدو واضحاً في شخصية دون جوان التي رسمها موليير في مسرحيته فهو عاشق عقلاني إلى أقصى الحدود العقلانية , يعتبر أن سنة الحياة هي صيد الفريسة ثم تركها و الهروب بعيداً عنها )) \ 23 \ .

كل ما ذكر سابقاً لاغبار عليه فنحن بحثنا فيه و أكدنا وجوده , لكن التناقض الذي يقع فيه كاتب هذه المقالة هو تفسيره أن دون جوان عاشق عقلاني إلى أقصى الحدود العقلانية . هذا التناقض يؤدي إلى خلل في فهم الشخصية الدونجوانية لذلك علينا أن نرفض هذا التفسير , لأن العشق هو التخلي عن الأنا فداءً و تعلقاً بالآخر ؛ فكيف سينطبق هذا المصطلح التصوفي مع كلمة عقلاني حيث المحاكمة المنطقية للأمور , يقول ” عاشق عقلاني …. ” إن إحدى تعريفات العقل: (( هو الوحدة العليا للوعي و وعي الذات لمعرفة موضوع ومعرفة الذات إنه يقين )) \ 24 \ , فكيف اجتمع العشق مع العقل , ثم أنه ( يحضر في الشخصية الدونجوانية الايروس وحيداً , تقريباً , في وعيه و يختفي اللوغوس . و إذا ما كان هذان المفهومان مترابطين عملياً و يشدان إزر بعضهما و يعاودان التجلي على التناوب فإن الأول منهما يطغى لدى الدونجوان أو أنه على الأقل يستبعد الثاني ) \ 25 \ .

إن الشخصية الدونجوانية تجسد تحدي الإنسان الذي يحاول إشباع رغباته الحسية في مواجهة متطلبات الطاعة لشريعة قدسية بل في مواجهة الموت بعينه , و قد أعطى موليير” دون جوان” زوجة شرعية هي ” الفيرا ” التي اختطفها من دير راهبات . ومع ذلك سرعان ما تغلبت فطرته الشهوانية على التزاماته الزوجية فهجرها في سبيل سلسلة من المغامرات الغرامية المتصفة بالرياء و المخادعة من جانبه في آخر الأمر . و استطاع كذلك أن يفلت من ثأر أخي زوجته بالخدعة و المداهنة

أما بالنسبة للقلق الدونجواني فهو نتيجة لطبيعة رؤيته للدنيا كحلبة للسباق مع الواقع , و إغواء المرأة دون حب , ما هو إلا صورة من صور عدم مصداقية الحقيقة التي يعيش فيها . إن الأنانية المطلقة التي تميز الشخصية الدونجوانية و النزوع نحو إرضاء الحس يؤديان في النهاية إلى فقدان الحس نفسه , و فقدان الشعور بالواقع .

إن نرجسية الدونجوان هي نرجسية مجروحة لأنه يعاني من فقدان الأم , و العجز الطبيعي – القصور الجنسي – ( فالجرح النرجسي يحدد الدلالة التي تتخذها خيبة أمل و مذلة و انخفاض اعتبار الذات و يعاني من الغيظ النرجسي الذي يتطلب الحاجة إلى الثأر لمحو خطأ و إزالة جرح بأي وسيلة كانت , و اندفاع راسخ بعمق لا يعرف الرحمة لملاحقة هذه الأهداف كلها اندفاع لا يترك أي سلام لأولئك الذين عانوا الجرح النرجسي . إن نمو النرجسية كان له مدلول الانحراف الجنسي الذي يمتص كلية حياة الشخص الجنسية إنه يرى نفسه في أعين النساء المنجذبات له ) \ 26 \ .

ينتقد كير كجارد الشخصية الدونجوانية عند موليير , يقول: يمكن أن تتحول قصة دون جوان التي يعبر عنها بالكلمة إلى كوميديا فقط وهذا ماجرى مع موليير , ولكنه لم ينجح في التعبير عن الجوهر الحسي الدونجواني , هناك شيء ما ملحمي في شبق دون جوان المنتصر , ولكنه غير مكتمل ملحمياً , ويوجد عنصر شاعري ولكنه أيضاً لا يتساوى مع جوهر الدونجوانية ))\ 27 \.

إن تأكيد كيركجارد على الجوهر الحسي الدونجواني يعكس لنا ما يراه في الشخصية الدونجوانية من حسية تتجاوز ما انشغل به موليير من إبراز العقوق و النفاق والكفر . ونحن لا يسعنا إلا أن نشير إلى أن هذا الرأي يعود لكيركجارد فحسب.

إن موليير حاول الإحاطة بالحالة الدونجوانية من كافة الجوانب حتى يصور لنا الشخصية الدونجوانية في حالة بانورامية تصور العمق النفسي والاجتماعي و الفلسفي لها لذلك نظن أن المبرر لعدم التركيز على الجوهر الحسي الدونجواني واضح لدى موليير, بالرغم من أن كيركجارد قال بأنه- أي موليير- لم ينجح, لكنن نرفض هذا الحكم .

 

 

-3-

 

إن موتزارت جعل للأوبرا القدرة على تناول شخصية دون جوان في عمله الأوبرا لي ” دون جيوفاني ” . يصور لنا شخصية ” ألفيرا” بأنها تدرك نهاية القصة فيسيطر عليها يأس مطبق,ولكي لا تفقد الحياة معناها, يتوجب عليها أن تحب دون جوان ولذلك تقنع نفسها بأن دون جوان يحبها ولم يخدعها. ولكنه لم يعدها بشيء, تقول :

(( إنه لم يطلب يدي ؛لكنه مدّ يداً نحوي فأمسكت بها , فنظر الي ,فأصبحت ملكاً له, فتح ذراعيه فاستسلمت له [ … ] في اليوم الذي هبطت فيه الآلهة إلى الأرض, و أحبت النساء هل حافظت الآلهة على حبها ؟ لا يقدر أحد على القول بأنهم خانوهم , فما خانوا النساء اللواتي كنّ يشمخن بحب الآلهة .. و ماذا تساوي آلهة الأولمب بالمقارنة مع دونجواني .. أليس من واجبي أن افخر بدل القيام بإذلاله و تحقيره و إلباسه قميص القوانين القميئة و المميتة , و التي تناسب الناس العاديين )) \ 28 \ .

إنها في أزمة , و الموت يتهددها لكنها لا تراه فهي تفكر في الذي يجب إنقاذه إنها معذبة هجرها دون جوان .

كان تصوير هذه الحالات النسائية و تصوير الشخصية الدونجوانية عن طريق الموسيقى قوياً فالموسيقى هي وحدها القادرة على إيصال المشاعر المحتدمة و الكامنة في جوهر دون جوان , يقول كيركجارد :

(( حين يتجسد دون جوان موسيقياً . فإنني أصغي إلى الرغبة المستعرة و إلى فورانها الذي لا يخبو , و الذي لا يمكن مقاومته , و استمع إلى الرغبة المتوحشة , و إلى انتصارها المؤزر و الذي تغدو مقاومته بلا طائل . دون جوان موتزارت شخصية شيطانية تبرز فيها العظمة الحقيقية و يعيب تفسير موليير لدون جوان في أنه لم يرَ من شخصية غاو النساء سوى الجانب المضحك , وهو لا يكشف عن طبيعته و قوته )) \ 29 \ , حيث يمتلك ( زير النساء المعروف كشخصية أدبية أو الشخصية المبدعة و الخرافية في الوقت ذاته ميزات كثيرة منها العشق , المخادع , المهرج , الفوضوي . إن موضوع زير النساء هو أحد أكثر الموضوعات المستكشفة , حيث أغلبية الكتّاب و الأكثر تميزاً منهم مثل الملحنون و النحاتون و الرسامون قد أدرجوا زير النساء ” دون جوان ” في عدة جوانب من أعمالهم ) \ 30 \ .

 

-4-

 

جاء في مجلة أبواب اللندنية الآتي :

( يفضل البعض أن يرى في هذا النمط من الرجولة الدونجوانية ممارسة لعبية سالبة لعبة موضوعها الوحيد , تقريباً , المرأة . لن يكتفي الدونجوان فيها بعلاقة واحدة و إنما يصير هدفه الكبير ” إسقاط ” أكبر عدد ممكن من العشيقات في حبال شباكه الغرامية و الجنسية و في وقت متقارب , كما لو كان هاوياً لجمع الطوابع ؛ كيف يتهيأ له إذن أن ينصرف إلى كتابة نص شعري متوازن عن المرأة ؟ عندما تصير المرأة , و جسدها على وجه التحديد لعبة الرجل , فمن الواضح إن هناك عدم إشباع عميق و عدم اكتفاء جهنمي من الجسد الأنثوي , أي الموظبة على إمكانياته الخارقة و عدم عطبها .

ثم أنه لا ينسجم التأمل الغزلي مع صورة الدونجوان الذي يغامر بوضعيته الاجتماعية كلها و دفعة واحدة , ولا يهمه أن يخسرها . إته لكي يمتلك موضوعه مادياً عليه أن يخسر النص الشعري الغزلي , ولن تتهيأ له الفرصة لكتابته . فالدونجوان لا يكتب شعراً غزلياً .

تُوصف الحالة الدونجوانية من وجهة نظر التحليل النفسي كحالة خوف دائب من الإخصاء , إن الدونجوان في حالة توكيد مثابر على خلوه من الإخصاء ) \ 31 \ .

أولاً … الإخصاء . ( تاخذ الوضعية السادومازوشية في لا وعي الإنسا ن دلالة الإخصاء و تفجر قلق الإخصاء , و الإخصاء هو السمة المميزة لجنسية الطفل بالمقارنة بجنسية الب الذي يمتلك الأم مما يؤدي إلى تحويل جنسية الطفل نحو إمرأة بديلة , و قانون الأب الذي يفرض الإخصاء ( المنع ) هو الذي يدفع بالطفل إلى النمو ليتمكن من الحصول على إمرأة له , لكن هذا لا يسير نحو النهاية الطبيعية لأنه بالإضافة إلى الحب و الإعجاب بالأب هناك شحنة عدوانية للقضاء عليه إذا كان الحب شديداًُ و العداء كذلك استقرت في الطفل حالة الإخصاء , وهنا ترتد العدوانية إلى الذات على شكل مشاعر إثم مفرطة من خلال تكوين ( أنا أعلى ) و من هنا تبرز عقدة النقص و العجز و العار التي تعكس وضعية الإخصاء التي تتضمن الشعور باتهديد الدائم و مشاعر العجز و عدم الاكتمال , و وجوده الذي يُعاش تحت شعار المهانة . و المخصي يشعر بالدونية و انعدام الكفاءة الاجتماعية . قلق الإخصاء يزعزع كيان الإنسان , فهو يولد الآلام المعنوية التي تصيب الاعتبار الذاتي في الصميم , و الحلول التعويضية تصب في الشعور بشيء من الاعتبار الذاتي , فمثلاً , الإفراط في الذكورة يأخذ أشكالاً استعراضية , و بمقدار توكيد هذه الذكورة في مظاهرها الخارجية من خلال كل أنواع المبالغة , بمقدار ما يكمن في اللاوعي من مشاعر نقص و عجز يُخشى من كشفها ) \ 32 \ .

و نرجسية الشخصية الدونجوانية تكمن في رفضها الرضوخ للمرأة و هجرانها لحظة نيلها , كي لا تُكشف علل هذه الشخصية , لذلك يرتبط ظهور الدونجوانية بفترة المراهقة المتأخرة , فإن بقيت و استشرت صارت انحرافاً , و إن تضاءلت عادت للحالة الطبيعية \ 33 \ , وهذا ما يدعونا إلى الانتباه إلى فكرة الدور الاجتماعي في حياة الدونجوان فالسلوك الاجتماعي هو سلوك مكتسب و من هنا يمكن التوجه نحو الأدوار الاجتماعية في علم النفس و طريقة تعلمها و من من نتعلمها وماذا تعكس في الشخصية لذلك تقع على الأب و الأم مسؤولية كبيرة في الحفاظ على النمو الطبيعي للطفل حتى لا يكبر و في نفسه عقدة تعكس في نفسه سلوك غير سوي ( فالقدرات الجنسية لا تظهر على نحو مفاجىء – حسب فرويد – بل تبدأ مع الولادة فاليبيدو أساسي بيولوجي وهذا نطاق تهيمن فيه الأشكال الثقافية الاجتماعية على المؤثرات البيولوجية , فمع بداية المراهقة تتكشف عناصر جديدة كالعادة السرية , إن السلوك الجنسي متفق عليه و ليس قناعاً لدافع اساسي و بذلك تمنح هذه الصورة الذات و الشخاص , فلقاء الجنسين لا يشجعه للعملية الجنسية إلا الاحتكاك الغير مباشر و ذلك نتيجة اتفاق . و أواخر المراهقة يتطور مفهوم الجنس و يدرك المعنى الاجتماعي للعلاقات الجسدية و يجب التأكيد على أهمية التعلم المبكر للدور الجنسي عند الصبيان فذلك يولد قدرة جنسية مبكرة و أيضاً يكون التحديد المبكر للهوية إطاراً أو بنية ملائمة يستطيع من خلالها الدافع الجنسي و الاتفاقيات الجنسية المتوافرة اجتماعياً أن تجد التغيرات الأكثر ملائمة . و التطور الجنسي المراهقي يمثل على نحو حقيقي بداية الجنسية البالغة أي أن الخبرات الجنسية ستدرك على أنها خبرات جنسيةاجتماعية ) \ 34 \ .

و الدونجوان لم يتعلم في صغره الدور الجنسي فبلغ سن الراهقة و هو يحمل انحرافاً جنسياً , و اضطرابات نفسية جعلته يتعامل مع الهدف الاجتماعي للعمليات الجنسية و العلاقات مع الجنس الآخر بشكل مرضي أدى إلى ظهوره على هذا الحال الذي نراه فيه .

ثانياً … الشعر الغزلي . ( اعتماداً على ما قاله فرويد : حافز المجتمع البشري هو في نهاية المطاف حافز اقتصادي , لذلك فالتاريخ البشري محكوم بالعمل و هذا يعني أن علينا كبت بعض نزوعاتنا إلى اللذة و كل كائن بشري لا بد أن يخضع لهذا الكبت الذي يفرضه مبدأ الواقع مقابل مبدأ اللذة و ربما أصبح الكبت مفرطاً فذلك سيجعلنا نمرض و نحن مهيئون لأن نصبرعلى الكبت ما دمنا نرى أن ثمة مصللحةفيه لنا أما إذا تتطلب منا الكثير فمن المحتمل أن نقع فريسة المرض , و يعرف هذا الشكل من المرض باسم العصاب من المهم أن نرى أن هذا العصاب مرتبط مع ما هو إبداعي لدينا كجنس فضلاً عن ارتباطه مع أسباب تعاستنا فإحدى الطرائق التي نتغلب بها على رغبات لا نستطيع تحقيقها هي ” تصعيد ” هذه الرغبات أي توجيه هذه الرغبات نحو غاية أكثر قيمة اجتماعية ) \ 35 \ , و بالتالي لا يحتاج الدونحوان لأن يكتب الشعر الغزلي لأنه لا يعاني كبتاً من هذه الناحية لكنه ربما يكتب شعراً يصف فيه قدراته الجنسية , ذلك لأنه يكبت قصوره الجنسي مثلاً .

 

-5-

 

تم طرح موضوع الشخصية الدونجوانية في السينما بشكل واسع , حيث أصبح الدونجوان يظهر تبعاً لرؤية المخرج , فتنوعت الصور التي ظهرت فيها هذه الشخصية حسب اختلاف مضامين الطرح السينمائي .

أولاً … فيلم ” دون خوان دي ماركو ” يظهر دون خوان ( دون جوان ) و هو شاب تعّرف على أكثر من ألف إمرأة , ولم ترفضه سوى المرأة التي أحبها , فقرر الانتحار .

يموت بعدأن فقد الفرصة في الموت بين ذراعي المرأة التي أحبها – لكن هذا كان خيالاً – دون خوان لم يعد يفكر بالانتحار, و ينتهي الفيلم بخروج دون خوان من المشفى حيث كان يُعالج , و سافر مع طبيبه لقضاء إجازة … فيلم رومانسي مؤثر يحرك العواطف , و يخلّف وراءه الحلم , و يصور الشخصية كي تبدو عاشقة تهجس بالحب , و تعاني من التآكل الذاتي على الصعيد الفردي و الاجتماعي بسبب وحدتها في ألمها القلِق \ 36 \ . إنه فيلم يصور حال المحب في القرن العشرين .

ثانياً … فيلم ” دون جوان ” يطرح في بداية الفيلم سؤالاً عن إمكانية أن يكون الدونجوان إمرأة , و يجيب عليه بالنفي .

إنه يصور المرأة الدونجوان على أنها فتاة داعرة توقع بالرجال , و تغرقهم في اللذة الجنسية , ثم تقتلهم … إنها تسترد كرامة النسا ء , تجعل من نفسها الوصية على بنات جنسها , تباشر في استرجاع ما هدر من حقوقهن .

ينتهي الفيلم مع موعدها الأخير بالرجل الذي أتعبها اللقاء به طيلة الفيلم , تنتظره في منزلٍ مهجور وهي تتحضر إلى قتله حرقاً , لكنه يتأخر في المجيء … فتيأس من قدومه وتحرق نفسها بدلاً عنه .

تُصوّر الدونجوانة كمغناج ,و مخادعة , لكنها رافضة للرجل , و حاقدة عليه , تتمنى له الشر , و تسعى إلى إغراقه في الشهوات التي لا تُطال .

ثالثاً … فيلم ” عين الشيطان ” الذي يُعد من أكثر الأفلام التي حافظت على الجو المولييري \ 37 \ حيث الكوميديا التي تُعري الشخصيات و الأوضاع الاجتماعية , لكن في قالب معاصر .

رابعاً … فيلم ” أماديوس ” الذي يظهر فيه موتزارت وهو يخرج أوبرا دون جيوفاني , ونرى فيه المسحات الكوميدية التي وضعها موتزارت في شخصية دون جيوفاني , و شخصية سغاناريل .

 

-6-

 

 

أولاً … قدّم ” جان فيلار ” على صعيد الإخراج المسرحي مسرحية ” دون جوان ” لموليير , و عرض فيها شخصية دون جوان على أنه رجل (( يبصق على كل سيء , رجل لا يحتاج لتلك النساء لأنه لا يعرف معنى الهيام بالمرأة فهو يعشق إمرأة ثم فجأة يعشق إمرأة ثانية , فيهجر الأولى . دون جوان لا يجتاج إلى النساء , و عنده إيمان راسخ بان الناس سواسية في السوء , و إن الأسلوب للتعامل معهم هوالإضرار بهم , ليس لحقد بل لحقارة و استهتار )) \ 38 \ . إن ” جان فيلار ” يدين هذا النوع من البشر , و يعاقبه بشكل غير مباشر .

 

ثانياً … في إخراج مسرحية ” دون جوان ” للكاتب الروسي ” بوشكين ” صُوّر دون جوان على أنه (( أنسان جسور , و إذا ما سقط في الهاوية فسوف ينادي على ” دونا آنا ” . إنه مفعم بالشعر و الحياة )) \ 39 \ , و يكون مصيره فجائعي .

هكذا نرى كيف اختلفت مناحي تصوير الشخصية الدونجوانية , كل حسب ما يراه , و حسب ما يستشعره في هذه الشخصية ؛ حتى و إن ابتعدوا – المخرجين المسرحيين و السنمائيين – عن المسار المنطقي . إنهم يبحثون دوماً عن اللا مألوف و اللا متعارف عليه في الشخصية الدونجوانية .

 

-7-

 

يقول دون جوان موليير :

 

(( هل تريد أن يُجبر الرجل على أن يظل مرتبطاً بأول امرأة استولت على قلبه وأن يهجر العالم من أجلها وألا ينظر إلي امرأة أخرى ؟ ما أجمل أن يدعي الإنسان أن الإخلاص فضيلة وأن يدفن نفسه إلي الأبد في حب واحد وأن يظل منذ فجر شبابه غافلاً عن أي جمالاً آخر قد يلفت نظره . لا .. لا ! إن الثبات في الحب لا يلائم إلا البلهاء من الناس ‘جميع الحسناوات لهن الحق أن يسلبن لبَنا ، ولا يصح أن يكون لأول حسناء التقينا بها ،الحق في أن تسلب الأخريات نصيبهن العادل من قلوبنا . أما من جهتي فإن الجمال يبهج نفسي أينما وجدته وما أسهل أن أنقاد إلى قوة جاذبيته العذبة .

مهما ارتبطت بحسناء فإن الحب اكنه لها لا يحملني على ظلم الأخريات ،إن لي عينين أحتفظ بهما لأرى مزاياهن جميعاً …

ولو كان لي عندي مائة ألف قلب فإنني أهبها جميعاً للمرأة الجميلة التي تطلب حبي ،وما لذة الحب ألا في التنقل )) \ 40 \ .

 

إن موقف الدونجوانية من الزواج هو موقف المعارض , و ذلك لأن الزواج بنظر الدونجوان يحول الحب إلى مسألة مودة , و عائلة , و استقرار , و بالتالي يتحول الحب المتأجج إلى شيء ممل و مكرر , وهو ما ينافي هذه الشخصية النارية ؛ لذلك نراه رافضاً للعلاقات الدائمة التي تفضي إلى الزواج .

لكن ورغم هذا الكره لمؤسسة الزواج إلا أن الشخصية الدونجوانية لا تجد بدّاً من المتاجرة بهذه المؤسسة و التلويح بها من أجل استدراج الضحية , و لذلك نرى الشخصية الدونجوانية

وهي تلوح بالزواج من أجل إيقاع الفريسة . وهو باختياره هذا النوع من الحياة نراه و قد درس شخصية الفتاة التي يريد الإيقاع بها عارفاً نفسيتها و منشأ شخصيتها المحافظ , والذي لن تستجيب له إلا إذا استخدم الأفكار المحافظة التي تؤمن بها من أجل إقناعها .

 

(( إن الشخصية الدونجوانية ليست إلا محاولة مستمرة للبقاء بالحب على مستوى العشق العنيف و الانفعال الحاد , والبحث عن شتى الوسائل و الطرق التي تبعد عنه خطر الاستقرار , وما يتبعه من وهن في اشتداد العشق , و ضعف في حدته , و تعريض له للرتابة و التكرار و الملل . و بما أن الدونجوان يريد عشقه أن يكون دوماً متوهجاً متقداً و في ذروة التوتر , نراه يرفض مؤسسة الزواج – بالرغم من وعود الزواج السخية التي يطلقها في سبيل تحقيق مآربه – و يحتقر الأزواج و ينتقم منهم بإغراء الزوجات و يلجأ إلى التنويع المستمر و التبديل الدائم في علاقاته الغرامية , و إلى الغزوات و المغامرات العاطفية المتلاحقة ليبعد عنه شبح الاستقرار , وما يستتبع من شحوب و سأم و ملل في الحب , و ليبقي عشقه في أوج التلقائية و العفوية و الاندفاع الذاتي )) \ 41 \ , وهذا التحليل للتعددية العلائقية مع النساء يُضاف إلى ما ذكرناه سابقاً .

 

لكن سؤالاً ملحّاً يراودنا ؛ هو : لماذا نتجاوب مع الشخصية الدونجوانية و نحاول التماهي بها و نستجيب بشكل إيجابي لقصصه بل إن لقب دون جوان قد اصبح لقباً للتحبب ؟

إن السبب يعود إلى أن فلسفة هذه الشخصية , و القائمةعلى الروح الانعتاقية و التحرر و إرضاء النزوات الحسية الآتية دون التفكير بالعواقب المستقبلية … إلخ . كل هذه الصفات إضافة إلى صفات اخرى أهمها مواجهة السائد من الأفكار و التقاليد بالرفض ؛ كل هذه الأمور موجودة في داخل كل شخص , ونحن كأفراد و إن قمنا بكبتها بسبب وجود عائق اجتماعي ديني و خلفية تربوية إلا أنها موجودة داخلنا و بالتالي فنحن نتجاوب مع الشخصية الدونجوانية في غرامياتها لأنها تدغدغ (( أنانا الأخرى, تلك الأنا التي نركنها في الظلام منسية لكنها حاضرة دائماً و سبب ذلك أن الشخصية الدونجوانية تتجاوب مع نزعة دفينة مكبوتة في نفس كل فرد منا , و تمثل الانعتاق من قيود شريعة الامتداد التي تغلف حياتنا )) \ 42 \ , و المقصود بشريعة الامتداد هو شريعة الامتداد بالحب في إطار مؤسسة الزواج , و بالتالي الحكم عليه بالملل و الرتابة … إلخ .

 

-8-

 

إن الشخصية الدونجوانية تقترب من الشخصية الكازانوفية , و تبتعد عنها … فأين أوجه الاقتراب و الابتعاد بين هاتين الشخصيتين ؟

 

كازانوفا , شخصية تاريخية حقيقية , اسمه جيكامو جيوفاني كازانوفا ولد عام 1725 , و مات عام 1798 , وهو كاتب , كاهن , جندي , دبلوماسي … إلخ .

اشيهر بأمير المغامرين الطليان ,حاول والداه اللذان كانا يعملان في مجال التمثيل أن يدخلاه للدير , لكن تم طرده عندما كان عمره 16 سنة بسبب سوء تصرفاته . انضم للتنظيم الماسوني في مدينة ليون عام 1750 , ثم تنّقل بين عدة مدن أخرى إلى أن عاد لفينيسيا ( مسقط رأسه ) عام 1755 حيث اتهم بممارسة السحر , و سجن لمدة خمس سنوات , لكنه هرب من السجن وتنقل في البلدان الأوروبية , و تقلب في كتاباته بين الشعر و النقد و الترجمة , لكن أهم عمل له كان مذكراته ” قصة حياتي ” , و فيها تسجيل لحياته الفاجرة .\ 43 \

أولاًً … في المسرح . كازانوفا هو العاشق الذي لا يرضى بعشيقة واحدة , إنه يحاول التنقل من فتاة إلى أخرى , و لكنه يهتم بأمر السيدات اللواتي يحاول اصطيادهن , فيحاول أن لا يجرح أية واحدة منهن . تقول شخصية كازانوفا في مسرحية كازانوفا :

(( أنا كازانوفا

العاشق المرح المجنون

أقول لإله الحب هيا

فيذهب دون أدنى تأن ٍ

ليقطف قلوب الجميلات

لدي منهن جماعات

قد صنعت من إله الحب الحزين العاري

إلهاً بشوشاً ضاحكاً

أنا لا أهاجم الفضيلة

و لا أتعدى على العائلات )) \ 44 \

لكن كازانوفا في الحقيقة يهاجم الفضيلة و العفة , و كان يتلذذ بذلك , وهو يعتبر أن التحرش بالنساء كان واجباً عليه , فإذا وجد إمرأة تعيش لوحدها حاول أن يشن غارته عليها , و لكنه في نفس الوقت يعتبر أن ذلك هو نوع من الواجب ؛ إذ لم يهن عليه أن يتركها وحيدة !

تقوم فلسفة هذه الشخصية على العناية بالملذات اليومية , و في مسرحية كازانوفا توجد مشكلة بينه و بين “بللينو ” , لكن كازانوفا لن يبارح مكانه قبل إفراغه كأس المتعة :

(( في الغد سأنتقم من هذا البللينو

سأقتله !

لكني اليوم لابد أن أفرغ كأس

المتعة ! )) \ 45 \

إضافة على اعتناء كازانوفا بالملذات اليومية , حرصه على الابتعاد عن الهموم اليومية :

(( إني أتعذب , و علي أن أبكي

ليس الآن , و لكن بعد قليل )) \ 46 \

إن هذه الفلسفة الكازانوفية لم تأت من لا شيء , ذلك لأن قراره بالإبقاء على حالة المتعة كان دائماً مسبوقاً بجملة تبين ما يعاكسها . إن وجود هذا التعارض يعمق الخيار الذي يتخذه كازانوفا .

و نضيف بإن شخصية دون جوان , هي شخصية خيالية أدبية يكاد يكون أصلها الأسطوري موجوداً ضمن الذاكرة الجمعية لشعب ما , و دون وجود توثيق مكتوب لها سوى أقلام الأدباء ,و الأفلام السينمائية , و الأعمال الموسيقية ؛ وليس المؤرخين …

 

ثانياً … في السينما . يظهر كازانوفا في فيلم ” ليلة فارين ” في عمر يناهز الستين , بدأت التجاعيد تملأ وجهه , وهو يحاول أن يخفيها بالماكياج , يسعى دوماً للظهور بمظهره المتألق الارستقراطي الذي عهدته النساء عليه . دوره في الفيلم كان هامشياً و غير فعال .

أما في فيلم ” كازانوفا فيلليني ” تصوير كامل لكل حياة كازانوفا , لكن رؤية فيلليني الفنية تطغى على الشخصية و تسيّرها تبعاً لما يشعر به فيلليني و يعانيه ؛ فنرى كازانوفا في آخر أيامه لا يتذكر إلا ” إيزابيلا ” تلك الفتاة التي لم تقبل بمعاشرته , إنها مازالت في ذهنه حتى اللحظة الأخيرة من الفيلم . و نراه أيضاً كافراً بالدين و الأخلاق ؛ حتى أنه في آخر لقطة يتخيل البابا ركباً عربةً ذهبية مع أمه , و هما يضحكان عليه .

هذا هو كازانوفا , و نظن أننا قد أجبنا على السؤال الذي طرحناه حول أوجه الاقتراب و الابتعاد بين هاتين الشخصيتين .

 

-9-

 

 

يقول ” تيوفيل غوتييه ” عن مسرحية ” دون جوان ” لموليير :

(( إن دون جوان التي أعطاها موليير عنوان : ملهاة ؛ هي و الحق يقال , مسرحية مأسوية , و مسرحية مأسوية حديثة … إنه كافر و فاجر , و آثم تقريباً , و لا نجد لديه سوى آثار ضعيفة لذلك التوحد الغرامي لذلك البحث عن المثل الأعلى النسائي , و عن تلك المرأة التي لا اسم لها )) \ 47 \

فبعد فاوست الذي ينهي حياته وهو يقول : ” أحبوا , لأن كل شيء في الحب ” , يأتي دور دون جوان – حسب غوتييه – ليقول :

 

(( أيتها اللذة الخادعة أنت التي سرت وراءك, و ربما كنت أنت , أيتها الفضيلة , التي تعلمين لغز الحياة . ليتني , مثل فاوست , في صومعتي المظلمة , تاملت الغبش المرتعش على الجدار لعالم مصّغر من الذهب ! ليتني , و أنا أتصفح كتب السحرو الطلاسم , بقرب موقدي , أمضيت الساعات السوداء بحثاً عن الكنز ! كنت شديد العناد , و كان يمكن أن أقرأ كتاباً , و أشرب ضحكك اللاذع , أيها العلم , دون أن أسكر , مثل تلميذ صغير . )) \ 48 \ تيوفيل غوتييه – ملهاة الموت

 

إن دون جوان يمثل (( تجسيد الإخفاق الكامل لقيم الغرب المسيحية , و لن يكون مدعاة للتعجب أن يحصل هذا على المسرح الذي تعبر فيه عن نفسها القوة الشيطانية الكبرى لدون جوان . ألم يقطف دون جوان التهورات الجنسية لأبطال و أرباب العصور القديمة ؟ لكنه رب مجرم , غازٍ للطبيعة البشرية )) \ 49 \ .

دون جوان في الحقيقة هو أخٌ لشخصية أخرى أصبحت في عصر النهضة شخصية أدبية و هي الدكتور فاوست فكل منهما (( ينزعان إلى الإفراط , إذ أن طلباتهما و حاجاتهما مفرطة . و مع هذا فإنهما عاجزان عن إشباع طلباتهما التي لا تنتهي بأسلوب التقاليد المسيحية غير الدنيوية . و بات لزاماً عليهما الحصول على ما يبتغون شأنهما في هذا شأن الآخرين من البشر ؛ بيد أن حاجاتهما ليست حاجات الآخرين )) \ 50 \ .

و يقارن كيركجارد بين فاوست و دون جوان , فهما يتساويان من حيث أنهما بطلان , و يجسدان مبدأً فردياً , (( إن فاوست و دون جوان هما عملاقا العصور الوسطى , وهما لا يختلفان في مساعيهما المتغطرسة عن جبابرة الماضي , و يتميزان بوقوفهما وحيدين دون أن يتوحدا مع قوة عامة لاقتحام السماء ؛ فالقوة تتمركز بالكامل في شخصية واحدة )) \ 51 \. إن دون جوان هو (( تعبير شيطاني يتبدى حسّياً , و فاوست تعبير شيطاني يتبدى عقلياً أو نفسياً )) \ 52 \ . إن ظهور دون جوان كان أبكر من ظهور فاوست .

فاوست يرفض الزواج بغريتشن – مارجريت – لأنه يعتبرها شيء يتعلق بالماضي , وهو إن تزوجها فسيبقى أسير الماضي , ومتجمد في قيود المجتمع ؛ هذا المجتمع الذي يسعى فاوست إلى تدميره حتى يستطيع المباشرة في بناء عالمه الجديد , لذلك كان رفضه لغريتشن متعلق بهذه الأمور ؛ فلا مجال للتطور ما دام الماضي حاضر معه بأي شكل من الأشكال , و أيضاً لأنه تعاهد مع الشيطان على أن تصبح روح فاوست ملكاً للشيطان في اللحظة التي يتوقف فيها عن العمل و التطور , و السعي . أي تلك اللحظة التي يشعر خلالها بالراحة و الرغبة في اللا فعل , وهذا ما سيحدث إن هو تزوج غريتشن , لأنها تتبع للماضي , و الماضي ثابت لا فعل فيه .إنه يهجرها و يتابع مسيرته ؛ حتى يلقاها آخر الأمر في السماء مع الملائكة .

في الجزء الأول من المسرحية نرى فاوست يأتي لإنقاذ غريتشن , لا حباً في الارتباط معها , بل رغبة في تحريرها من السجن ؛ لأنه سبب دخولها إليه , فهي قبل سجنها تكون قد حبلت منه دون رابط شرعي , و كانت سبباً في موت أمها بعد أن أعطتها منوماً أودى بحياتها بغية الاختلاء بحبيبها فاوست , و كانت سبباً غير مباشر لقتل أخيها الذي أراد الدفاع عن شرفه فأسرع إلى قتال فاوست ,لكنه قُتل على يده . بعد كل هذه الأسباب يشعر فاوست بالندم ؛ فيسرع إلى إنقاذها من ظلام السجن . إن الشيطان يقول لفاوست : إنها ليست الأولى … !

فيرد عليه فاوست :

(( يا كلب ! يا وحش ! يا كريه ! أيها الروح اللانهائي ! حوّل هذه الدودة إلى شكل كلب من جديد مثلما بدا لي ليلاً عدة مرات وهو يعدو أمامي أنا السائر البريء أو يتكوّر عند قدمي أو يتواثب على كتفي حين اهوي إلى الأرض ! حوله من جديد إلى صورته الأثيرة حتى يزحف أمامي على بطنه في الرمل و أطأه بقدمي هذا الخسيس ” إنها ليست الأولى ” يا ويلتاه … ياويلتاه ,و إنه لأمر يتجاوز تصور كل عقل إنساني إن أكثر من مخلوقة غرقت في أعماق هذا الشقاء و إن الأولى في محنة موتها القاصمة لم تكفّر عن خطايا الباقيات أمام عين الغافر الدائم إن شقاء هذه الواحدة يسري في نخاعي وفي حياتي و أنت تتهاتف راضياً عن مصير الآلاف منهن ! )) \ 53 \

 

لكنها لا تقبل الذهاب معه و تبقى حيث هي في السجن حتى تأخذ روحها الملائكة ؛ أما دون جوان فيخرج ” ألفيرا ” من الدير بحجة الزواج الكاذبة , لكنه بعد ذلك يهجرها بغية متابعة مغامراته النسائية . يقول كيركجارد :

(( دون جوان تجسيد مطلق للحسية و إذا كان الحب الذي يتضمن عنصراً روحياً يتوجه إلى امرأة واحدة فإن الحسية في أشد مظاهرها تتوجه إلى جميع النساء وهذا التحديد نراه في تصرفات دون جوان الذي لا يمكن إدانته لعدم الوفاء فالوفاء ليس من طبيعته الحسية )) \ 54 \ .

إن كيركجارد يمنح دون جوان الأفضلية لأنه يرى فيه شخصية أكثر طبيعية و حياتية ؛ أما فاوست (( فيفتقد كغاوٍ للنساء إلى العاطفة الملتهبة لدون جوان , ينتصر فاوست بالكلام أو بالكذب )) \ 55 \.

فاوست يبحث عن السعادة في الحب ليس إيماناً به بل لأنه عنصر واقعي للزمن تبثه النشاط فيتحول عن الشك لهذا تفتقر متعته إلى السعادة التي يتميز بها دون جوان .

 

 

- 10 -

 

إن اتفقنا بعد هذا الكشف تحت المجهر على أن الشخصية الدونجوانية تعاني انحرافاً جنسياً , فالعلاج يعتمد إحدى الطرق الثلاث التالية :

(أولاً… التحليل النفسي الفرويدي . يرمي إلى كشف الخلل في حياة المنحرف أثناء الطفولة , و علاقته مع أسرته و مجتمعه , و التجارب البارزة التي أدت إلى هذا المصير . } و يمكن اتباع العلاج النفسي الفردي { .

ثلنياً … العلاج النفسي الوجودي . الذي يتضمن المواجهة الحرة الصريحة الواعية من قبل المعالج و المريض .

ثالثاً … العلاج السلوكي الحديث . و هو يتعمد على هدم المنعكس الشرطي القديم , إي عادة الانحراف الخاطئة و وجعل المريض ينساها أو يكرهها , ثم بناء عادة جديدة صحيحة )) \ 56 \ .

 

بئس ما فعله موليير و غيره من الكتاب أمثال فريش و لافودان , و تيرسو , الذين أقروا العقاب على دون جوان بالموت ! إن دون جوان لا يستحق العقاب ؛ بل يستحق العلاج … لماذا لا نعاقب شخصاً مجنوناً بالموت إن أقدم على قتل أحد ما ؟‍‍ ‍‍ كذلك هو الحال مع مريضنا .. دون جوان .

 

 

 

- انتهت -

 

 

 

هوامش البحث

 

1- ناجي الجيوش – الانحرافات الجنسية – ص ( 136) .

2- فاخر عاقل – اعرف نفسك – ص ( 117) .

3- سيغموند فرويد – الموجز في التحليل النفسي – ص ( 154 ) .

4- ناجي الجيوش – الانحرافات الجنسية – ص (22) .

5- سيغموند فرويد – الموجز في التحليل النفسي – ص (119) .

6- ناجي الجيوش – الانحرافات الجنسية – ص (26) .

7- ناجي الجيوش – الانحرافات الجنسية – ص (138) .

8- سيغموند فرويد – الحياة الجنسية – ص ( 113) .

9- مصطفى حجازي – التخلف الاجتماعي – ص ( 43) .

  1. مجلة أبواب اللندنية \ دون جوان WWW. GOOGLE.COM \
  2. سيغموند فرويد – الموجز في التحليل النفسي – ص (29-30-31 )
  3. جان بيلمار نويل – التحليل النفسي و الأدب – ص ( 127 ) .
  4. عبد الرحمن بدوي – الأخلاق النظرية – ص( 8 ) .
  5. مجلة المعرفة – 431 – ص ( 12 ) .
  6. محمد مندور – المسرح العالمي – ص (185 ) .
  7. مجلة عالم الفكر – ص ( 159 ) .
  8. جان روسيه – أسطورة دون جوان – ص ( 205 – 206 ) .
  9. مجلة عالم الفكر – ص ( 158 ) .
  10. جان بيلمان نويل – التحليل النفسي و الأدب – ص ( 32 ).
  11. عبد الرحمن بدوي – الأخلاق النظرية – ص ( 56 – 57 – 58 – 59 )
  12. عبد الرحمن بدوي – الأخلاق النظرية – ص ( 143 ) .
  13. مجلة عالم الفكر – ص (157 ) .
  14. هيغل – الكتاب الثاني – ص ( 12 ) .
  15. مجلة أبواب اللندنية \ دون جوان WWW. GOOGLE.COM \
  16. النرجسية – راجع الأقسام التالي , من ص (149 ) إلى ص ( 155 ) , و راجع من ص ( 344 ) إلى ص ( 354 ) .
  17. أ . انيكست – تاريخ دراسة الدراما – ص ( 256 ) .
  18. أ . انيكست – تاريخ دراسة الدراما – ص ( 273 ) .
  19. أ . انيكست – تاريخ دراسة الدراما – ص ( 257 ) .
  20. فقرة مترجمة عن الانكليزية من الموقع http://www.don-juan.com
  21. مجلة أبواب اللندنية \ دون جوان WWW. GOOGLE.COM \
  22. مصطفى حجازي – التخلف الاجتماعي – ص ( 90 – 91 – 92 ) .
  23. محاضرات غير منشورة – د. هزار الجندي .
  24. إريك غود , هارفي فاربرمان – الواقع الاجتماعي – من ص( 103 ) إلى ص ( 114 ) .
  25. تيري إيغلتون – نظرية الأدب – ص ( 257 – 258 ) .
  26. محمد الأحمد – السينما تجدد شبابها – من ص( 170 ) إلى ص ( 176 ) .
  27. بيتر كاوي – السينما الإسكندنافية – ص ( 247 ) .
  28. اناتولي ايفروس – البروفة حبي – ص ( 151 ) .
  29. اناتولي ايفروس – البروفة حبي – ص ( 155 ) .
  30. موليير – مقدمة مسرحية دون جوان – ص ( 11 ) .
  31. صادق جلال العظم – في الحب و الحب العذري – ص ( 35 – 36 )
  32. صادق جلال العظم – في الحب و الحب العذري – ص ( 36 ).
  33. the new eucydopaedia britannica
  34. جيوم أبولينير – كازانوفا – ص ( 33 ) .
  35. جيوم أبولينير – كازانوفا – ص ( 69 ) .
  36. جيوم أبولينير – كازانوفا – ص ( 71 ) .
  37. جان روسيه – أسطورة دون جوان – ص ( 277 – 278 – 279 )
  38. جان روسيه – أسطورة دون جوان – ص ( 266 – 267 ) .
  39. فيليب كامبي – العشق الجنسي و المقدس – ص ( 207 ) .
  40. مجلة عالم المعرفة – تشكيل العقل الحديث – ص ( 54 ) .
  41. أ . انيكست – تاريخ دراسة الدراما – ص ( 255 ) .
  42. أ . انيكست – تاريخ دراسة الدراما – ص ( 255 ) .
  43. جيته (غوته ) – فاوست 2 – ص ( 174 ) .
  44. أ . انيكست – تاريخ دراسة الدراما – ص ( 256 ) .
  45. أ . انيكست – تاريخ دراسة الدراما – ص ( 257 ) .
  46. ناجي الجيوش – الانحرافات الجنسية – ص ( 159 – 160 ) .

 

 

بيبلوغرافيا البحث

 

المصادر :

 

  1. أبولينير ( جيوم ) : كازانوفا – ترجمة و تقديم : د. نادية كامل – مراجعة : يحيى حقي – سلسلة المسرح العالمي – العدد 238 – الكويت – 1989 .
  2. جيته : فاوست 2 – ترجمة و تقديم : عبد الرحمن بدوي – سلسلة المسرح العالمي – العدد 233 – الكويت – 1989 .
  3. جيته : فاوست 3 –ترجمة و تقديم : عبد الرحمن بدوي – سلسلة المسرح العالمي – العدد 234 – الكويت – 1989 .
  4. فرويد ( سيغموند ) : الحياة الجنسية – ترجمة : جورج طرابيشي – دار الطليعة – بيروت – (الطبعة الأولى 1982 , الطبعة الثانية 1993 , الطبعة الثالثة 1999 ) .
  5. فرويد ( سيغموند ) : الموجز في التحليل النفسي – ترجمة : سامي محمود علي \ عبد السلام القفاش – مراجعة : مصطفى زيوار – تقديم: محمد عثمان النجاتي – مكتبة الأسرة –الهيئة المصرية العامة للكتاب – مصر- 2000 .
  6. فرويد ( سيغموند ) : الحرب و الحضارة و الحب و الموت – ترجمة : عبد المنعم الحفني – دار مأمون- مصر – 1977 .
  7. موليير : دون جوان – ترجمة : يوسف محمد رضا – دار كتاب لبنان – الطبعة الثانية – بيروت – 1985 .

 

  1. هيغل : الكتاب الأول و الكتاب الثاني – ترجمة : إلياس مرقص – (الطبعة الأولى 1979 , الطبعة الثانية 1989 ) – المكتبة الفلسفية – بيروت – د. ت .

 

 

 

المراجع :

 

  • الأحمد ( محمد ) : السينما تجدد شبابها – وزارة الثقافة – المؤسسة العامة للسينما – دمشق – 2001 .
  • انيكست ( أ ) : تاريخ دراسة الدراما – ترجمة : ضيف الله مراد – وزارة الثقافة – دمشق – 2000 .
  • ايغلتون ( تيري ) : نظرية الأدب – ترجمة : ثائر ديب – وزارة الثقافة – دمشق – 1995 .
  • ايفروس ( اناتولي ) : البروفة حبي – ترجمة : ضيف الله مراد – مراجعة : سلام اليماني – وزارة الثقافة – دمشق – 1998 .
  • بدوي ( عبد الرحمن ) : الأخلاق النظرية – وكالة المطبوعات – الكويت – الطبعة الثانية – 1976 .
  • الجيوش ( ناجي ) : الانحرافات الجنسية – دار الأهالي – دمشق – الطبعة الأولى – 1988 .
  • حجازي ( مصطفى ) : التخلف الاجتماعي \ سيكولوجيا الإنسان المقهور \ – معهد الإنماء العربي – لبنان – 1980 .
  • روسيه ( جان ) : أسطورة دون جوان – ترجمة : زياد العودة – وزارة الثقافة – دمشق – 1985 .
  • عاقل ( فاخر ) : اعرف نفسك – الطبعة الرابعة – دار العلم للملايين – بيروت – 1977 .
  • العظم ( صادق جلال ) : في الحب و الحب العذري – الطبعة الخامسة – دار المدى للثقافة و النشر – دمشق 2002 .
  • فاربرمان( هارفي ) \ غود ( أريك ) : الواقع الاجتماعي – ترجمة : ندرة يازجي – مراجعة : عبد المجيد النشواتي – وزارة الثقافة – دمشق – 1985 .
  • كامبي ( فيليب ) : العشق الجنسي و المقدس – ترجمة : عبد الهادي عباس – الطبعة الأولى – دار الحصاد – دمشق – 1992 .
  • كاوي ( بيتر ) : السينما الإسكندنافية – ترجمة : عبد الإله الملاح – وزارة الثقافة – المؤسسة العامة للسينما – دمشق – 2001 .
  • مندور ( محمد ) : المسرح العالمي – دار النهضة للطباعة و النشر – مصر \ القاهرة \ – د . ت .

 

  • مجموعة مؤلفين : النرجسية – ترجمة : وجيه أسعد – وزارة الثقافة – دمشق – 1989 .

 

  • نويل ( جان بيلمان ) : التحليل النفسي و الأدب – ترجمة : حسن المودن – المجلس الأعلى للثقافة – مصر – 1997 .

 

 

الدوريات :

  1. مجلة المعرفة – العدد 431 – وزارة الثقافة – دمشق – مقالة بعنوان : الروح – د . هاني نصري – 1999 .
  2. مجلة عالم الفكر – العدد ( 1) المجلد ( 21 ) – مقالة بعنوان : أسطورتان دالتان في الحضارة الأوروبية \ فاوست و دون جوان \ – مجدي وهبة – الكويت – 1991 .
  3. مجلة عالم المعرفة – العدد 82 – تشكيل العقل الحديث – تاليف : كرين برينتون – ترجمة : شوقي جلال – مراجعة : صدقي حطاب – المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب – الكويت – 1984 .

 

 

الأفلام:

 

  1. وخلق الله المرأة : تمثيل : بريجيت باردو – إخراج : روجيه فاديم – 1958 .

 

  1. موليير : تمثيل : فيليب كوبير \ جوزيفين ديرين – إخراج : أريان منوشكين – 1978 .

 

 

  1. ليلة فارين : تمثيل : جان لوي بارو \ مارسيلليو ماستروياني – إخراج : إيتوري سكولا – 1982 .

 

  1. كازانوفا فيلليني : تمثيل : دونالد سوثيلاند \ تينا أومانت – إخراج : فيدريكو فيلليني .
  2. دون جوان : تمثيل : بريجيت باردو – إخراج : روجيه فاديم .

 

  1. أماديوس : تمثيل : ماري أبراهام \ توم هولسا – إخراج:ميلوس فورمان – موسيقى : جون شتراوس .

 

  1. دون خوان دي ماركو :تمثيل : مارلون براندو \ جوني ديب – إخراج : جيريمي ليفن .

 


 

22
مارس
12

فن البانتومايم

البانتومايم

 

التمثيل الايمائي (Pantomime) هو اظهار المشاعر على شكل حركات او انعكاسات للحس عوضا عن الكلمات . انه قريب الى النفس البشرية من كل محاولات التعبير الصوتي ، وهو فن يستطيع التعامل بدقة مع الطبيعة بكل عناصرها ومع البشر ايضا - كمتلقي - وبواسطته
(أي التمثيل الصامت ) يمكن التعبير عن امور غير مرئية لانه يتعامل مع الذات الانسانية بادق التفاصيل التي تصل الى اكثر من الهواجس احيانا او قد يصل الى مفاتيح السحر و الاستلاب الذهني ومن خلال هذا الفن الذي اطلق عليه في كثير من الاحيان تسمية ( فن التكوين الصامت تجد ان الممثل يستطيع ان يكون الاشياء من فراغ او فضاء المسرح ويضع لها ثقلا ووزنا يتعامل معه في ذهن المتلقي وليس في حركاته فحسب . . بل يتعدى ذلك في انشاء زمن للتعامل مع هذه التعبيرات وهذا الزمن الايقاعي المحسوس في نبض المتفرج وسرعة دورته الدموية . والتي تعمل كرقاص ساعة .. يكونها ذلك الفنان المسرحي لزمن الفعل الذي يقوم بأدائه دون الحاجة الى استخدام (الإكسسوارات ) او الاشياء كمادة ملموسة لان الممثل الصامت (
The mime) مثل النحات تماما ، لكنه لايستعمل الازميل و المطارق و الشفرات وحتى الحجر ، بل يستخدم يديه او بقية جسده ليكون الاشياء و الافعال ويبني بها الحدث الدرامي الذي يريد اظهاره ، وبكلمة اخرى ان فن التمثيل الصامت قادر على ترجمة الاحاسيس البشرية بدقة وصدق وبتأثير مباشر في النفس والروح الانسانية في حين ما تزال اللغة المنطوقة غير كافية للتعبير بشكل نقي مبسط يترجم مكنونات البشر . فكلمة ( حب ) مجردة لا تصل الى ذهن المتلقي ما لم نعيشها او نطلع عليها .. ثم ما نوع هذا ( الحب ) وفي أي نفس ، او أي روح . . كل ذلك يستطيع الممثل الصامت احتوائه بتعبير بوجهه وروحه وبلا حروف تختلف من بلد الى اخر . . انه يستطيع اختصار كل تلك اللغات بلحظة تعبير لا تتجاوز بضع ثوان ، فلغة الكلمات ما تزال عاجزة عن ترجمة مكنونات البشر ، بل في كثير من الاحيان تصبح هذه اللغة بداية خلاف مقيت بسبب سوء الفهم في تحليل المعنى لتلك الكلمات المحددة بالحروف و المكبلة بالاصطلاحات بين السامع و المتحدث ، هذا برغم كل التطورات و التصاريف التي توصل اليها علم اللغة من قواعد وقوانين و التي اصبحت فيما بعد جزء من جملة تعقيدات واطارات وتقنيات جعلت من الكلمة حبيسة لها .

لو تسائلنا كيف يمكن ان يتامل الانسان القديم - وهذه اللغة ما زالت في بداية او قبل
تكوينها
- والرد على هذا التساؤل يحيلنا الى ان الانسان ان ذاك قد اضطر الى استخدام اسلوب جديد من ابتداعه ، ذلك الاسلوب الذي كان يساعد على التنفيس عن مشاعره في اصدق ما يتمكن ان يعبر عنه من حالات واحداث - بواسطة الحركة و الفعل التجسيدي فكان عندما يسجل بطولة ما في صيد حيوان متوحش - على سبيل المثال - فلا بد ان يكون بحاجة لنقل تجربته الى افراد عائلته او قبيلته لكي يستفيدوا من هذه التجربة وليتعلموا منها اصول وفنون الصيد ، هذا اضافة الى هاجس (الأنا ) الذي كان وما زال متأصلا في النفس البشرية باشكاله المتعددة من فخر وبطولة وشهامة . . الخ ، فكان يمثل تجربته وبادق تفصيل - غير خال من التنميق و الجمال و المبالغة - لكي يعجب الاخرون بصفاته وبطولته وهم يتجمعون من حوله يتحمسون و يتفاعلون وينحازون لافعاله الجريئة و الذكية ويترقبونها على محيط دائرة من الارض و التي يوهم بها الممثل متفرجيه بانها مكان الحدث الذي جرى بمحاكاته لهذا الحدث امامهم ، وربما يستعين باحد او بعض اصحابه ليكونوا مساعدين له في تمثيل وحش او أي شيء اخر قد يحتاج اليه لتوضيح ، الفعل الذي يحاكيه .

ومن هذا نلاحظ ان المسرح نشأ – بدون قصد - على مساحة محددة من الارض وممثل يروي الاحداث (لفعل ماضي )بحركاته التجسيدية المفصلة و المبالغ بها احيانا وجمهور من المشاهدين .

منذ ذلك الحين غرست اول بذره للمسرح على الارض وكان بلا كلمات ، ببساطتة تعلق بالروح حتى غدى مكانا مقدسا لطقوس تلك الروح بأصدق تعبير يمثل اصدق وادق الهواجس خاليا من التعقيدات التي اكتسبها فيما بعد من قوانين الحضارة اللاحقة و التي ما انفكت تكبل كل شيء باطار محدد المعالم اجوف الحدود والتي استغلت لهاث الانسان لتحوره الى حرف ثم الى كلمة تناقلها البشر كل على هواه ليجعل منها ومن غيرها ادخل عليها وجهات نظره وتوقعاته وتقنياته لتكون مختلفة عن غيرها من اللغات الاخرى لتحفظ سر ما يمكنه عن غيره حتى غدت لا تستسيغ كلمة ( حب ) بلغتين او بين شخصين على الاقل تلك العلاقة .

ان ما اردت القول بهذا المقدمة لا انكارا للغة بل توضيح لمنشأ وجذور فن التمثيل
الصامت باعتاره فن ذو اصالة وصدق ، وانوه الى انه ليس بديلا عن (المسرح الحواري ) بل هو فن من فنون المسرح العديدة كما ان الرسم من (الفنون التشكيلية ) فالرسم ليس بديلا عن فنون النحت و السيراميك والكرافيك . . . الخ ، فان فن التمثيل الصامت أو المسرح الصامت ليس بديلا عن المسرح الحواري أو المسرح الغنائي أومسرح البالية . . .

كان التمثيل الصامت هو الطابع الذي اعتمد عليه فن المسرح في عروضه بعد ان وجد
الانسان اول طريق الى المسرح وتطورت اساليب العرض البسيط مع تطور تعقيدات الحياة حتى اصبح هنالك اماكن محددة تقام فيها الاحتفالات بالمناسبات الدينية و الموسمية وانتشر هذا الفن مع تنقل القبائل واحتكاك الحضارات ببعضها البعض – من مكان لاخر
- وقد لاحظ الباحثون في علم الاثار ان الرسوم التي وجدت عل جدران الكهوف و البنايات في مصر و العراق وجنوب فرنسا وشمال اسبانيا ، كلها تشير الى وجود نسق مكرر في كل الحضارات القديمة لانها تعتمد على شكل واحد من العروض الدينية و القبلية تقريبا .

اذن هكذا ابتدأ المسرح - بالصمت - فحالما خلق الانسان احس برغبة في التعبير تلقائيا بواسطة مجموعة من الحركات و التعبير بايمائة الجسد . . أنه فن يعود ال اغوار تلك السنين العتيقة من حياة الانسان ولقد كانت بداية نضوجه كفن له اسسه ومبادئه واصوله عند اليونان القدماء (الإغريق ) حيث وجدت الميمودراما * جمهورها الغفير فجاء نشاطها واضحا واصبح لها كتاب معروفين امثال (تايوكريت )و الذي كان معروفا ان ذاك .

وعن تقنية وضبط قواعد هذا الفن ومبادئه في زمن الفيلسوف اليوناني ( ديوقراط ) في القرن الخامس قبل الميلاد حيث كتب في مذكراته : ( أنه ذات يوم وهو يشهد عرضا مسرحيا صامتا سخر من ذلك العرض لانه عزا كل المؤثرات الى الالات الموسيقية و الاصوات المعبرة عن الاشياء_ أي المؤثرات الصوتية - و الديكور في حضرة ممثل تخصص في هذا الفن . . فرد عليه الممثل الصامت قائلا :- أنظر الي وانا امثل بمفردي بمعزل عن جميع المؤثرات وبعد ذلك قل عن فني ما تشاء ، فصمت المزمار ومثل الممثل الايمائي ، فصاح الفيلسوف وقد تملكه الاعجاب :- (انا لا أراك فحسب بل أسمعك ايضا تحدثني بيديك ..) ، كان ذلك اعترافا قد انتزعه فنان التمثيل الصامت عن لسان الفيلسوف ( ديموقراط ) ببراعته وامكانيته في اتقان ودراية هذا الفنان لفنه واحتوائه للأصول التقنية التمثيلية بشكل واف جعلت منه ممثلا بارعا وقادرا على ان يسحر مشاهديه . وذلك بالطبع لم يات من شيء ، بل هي اسس مدروسة وقوانين قد جد واجتهد فناننا هذا حتى تمكن من ضبطها حد الدهشة التي بانت على الفيلسوف . . فكيف اذن مع المتلقي البسيط الذي لم يشأ أن يتدخل في حرفياته كممثل .

* الميمودراما . . اصطلاح اخذ من كلمتي (mime) و التي تعني الممثل الصامت و (Drama) و التي تعني الفعل المسرحي .

أن من الارجح -ومنذ زمن بعيد - أن يكون لهذا الفن مدارسه الخاصة ورواده الذين يتتلمذ على ايديهم ممثلي هذا الفن ، لانه فـن صعب المنال على الممثل ولا يمكن ان يكون ارتجاليا بعد كل ما عرفناه من دقة عروضه وقدرة ممثليه في اظهار تقنياته التي لايستهان بها ، وان من الواضح ، قد استطاع هؤلاء الممثلون من الوصول الى التجسيد ( التكوين على المسرح بواسطة الحركة فقط ) بواسطة اجسادهم بعيدا عن الادوات الاخرى التي يستخدمها ممثلوا المسرحيات الحوارية اليوم من اكسسوارات كثيرة وازياء فخمة وديكورات واسعة تملا٧ خشبة المسرح واجهزة صوت وإضاءة . . الخ من عدد وادوات و اجهزة ما عـاد للمسرح ان يتخلص منها بل من الصعب تقديم عروضه بدونها و التي اصبحت عائقا بين المتفرج و ممثليه ن انما هي ادوات يستخدمها المخرجون ضنا منهم انهم بذلك يستطيعون الوصول الى ذهن المتلقي باسهل ما يمكن من الوصول . . ولسنا هنا بصدد هذا الموضوع فله مبحث اخر - بقدر ما نحاول الوصول بالقارئ الى بساطة ادوات من التمثيل الصامت رغم صعوبة ادائه على الممثل وبمعنى انه فن ممثل وليس فن تقنيات ( تكنلوجية ) ولم نجد مثله فتنة وجاذبية ومثار للجدل و الاعجاب الذي يفوق الحد لممثلين يتميزون بالكفاءة و المقدرة منذ عهود موغلة بالـقدم وقبل ظهور الحوار في المسرح .

ومن الشواهد للسجل التاريخي لهذا الفن تم العثور في عام 1890 على لفة من اوراق البردي تحتوي على مخطوطات لثلاث عشر مسرحية ( بانتومايم ) كتبها ( هيرونداس ) الذي عاش في الاسكندرية حوالي عام ( 270 )ق. م ، وغير هذا فلقد كانت الحافظة لهذا الفن هي ذكريات المشاهدين . . كما ان التأثير في التمثيل الصامت ( البانتومايم ) مسألة ذاتية بحتة فنحن نعتبره عظيما اذا ما احدث تأثيرا عظيما في المتلقي . فتقول احدى الحكايات القديمة ان
( ليفيوس اندرونيكوس) استاجر بعد اصابته بالخرس بعد عام (240)ق 0م ممثلا كي يلقي قصائده بالنيابة عنه فيما يواصل هو اداء الجانب الايمائي متأثر بفن التمثيل الصامت في بلده (اليونان )حيث كان فنا قائما بذاته والذي اصبح فيما بعد البانتومايم اليوناني ذو اثر بقوة فاعلية عروضه وممثليه ذو تاثير على (البانتومايم الروماني ) فقد استطاع تحقيق نجاح كبير ، واتساع واضح على مستوى تعدد اماكن عروضه وكثرتها وقوة الاداء لممثليه . ومما يشار اليه من اسماء مشهورة والتي ما زالت باقية تذكر حتى يومنا هذا امثال(بيلادس ) ذلك الممثل الذي غدا علما من اعلام المسرح الروماني ومعلما بارعا في اقتناص تقنيات ممثل البانتومايم اليوناني ونقلها الى عصره مزاولا فنه ببراعة تذهل متفرجيه من العامة أو النخبة على حد سواء .

ان فــن البانتومايم عند الرومان اتخذ اشكالا متعددة لطريقة العرض . . اذ انه لم يقتصر عروضه على مسرح المعبد كما كان عند اليونان بل تخطى ذلك الى عروض خارج ذلك المكان منطلقا لى الصالات والساحات العامة . ويمكن تقسيم اشكال عرض البانتومايم الى شكلين او قسمين : الاول يسمى (بانتومايم البيوت ) و الذي كان مكرسا للعروض التي تجري في صالات بيوت الامراء و الصالات الخاصة بالمسرح وقد كان جمهوره من الطبقة الخاصة من نبلاء وامراء وحاشية القصر و الذين كانوا بدورهم يدعون الممثل وفرقته ويلتزمون انتاج عروضهم ومكافأة الممثلين . . ولقد كانت هذه العروض غير خالية من التمحيك و التعظيم المغلف بالسخرية التي تؤدي بالممثل -احيانا - الى رميه في اقفاص الوحوش . او عروض اخرى جادة .

و القسم الثاني الذي يسمى بانتومايم الشوارع والذي كان مكرسا لعروض التمثيل الصامت في الاماكن العامة و الساحات و الشوارع في المدن لعامة الناس من المتفرجين ، وكان ذو اسلوب مختلف عن الاسلوب الذي تعرض به مسرحيات ( بانتومايم البيوت ) حيث ان الطابع الكرنفالي في هذه العروض هو الطاغي على الاسلوب التمثيلي بشكل عام حيث الكوميديا التهويل في الحركة و التعبير الجسدي و الموضوع الشعبي الساخر الذي تتناوله تلك العروض وان الجمهور كذلك مختلفا عن جمهور ( بانتومايم البيوت ) و الذي كان جمهوره خاصا -كما ذكرنا -اما ( بانتومايم الشوارع ) فكان جمهوره من العامة وطبقات الشعب المختلفة اما القسم الثالث و الذي جاء كمرحلة متطورة لما سبقه من هذه العروض عند الرومان و الذي فرض طابعه على ملعب (البانتومايم الروماني ) حيث برز بعد تلك المرحلة . . واتخذ شكله النهائي في تلك الفترة من القرن الثاني و الرابع ، اذ انه واصل نشاطه بصمت دؤوب ونجاح فقد كانت تلك العروض المأساوية (Trajedy Pantomime) اسلوبا جديدا يعرض في بلاط الامبراطور أو في اسلوب ( بانتومايم البيوت ) الذي تحدثنا عنه . فقد اصبح العرض الكوميدي يكاد يكون معدوما بين تلك العروض التي اتخذت شكل عروض الصالات الى الجمهور النخبة من النبلاء و الامراء ، بينما بقي استمرار عروض ( بانتومايم الشوارع ) يقدم عروضه الكوميدية و التي اطلق عليها (Mimus) فيما بعد و التي اتخذت لها اصولا وقواعد اكثر تطورا من ذي قبل لتظهر امام جمهور اكبر خارج القصور و الصالات وكانت تلك المهازل الكوميدية تختلط بذكريات المهازل الاتيلية و المهازل الاغريقية الاصيلة وقد كانت تلك العروض متنوعة بطابعها والتي احيانا تتخذ شكل ملهاة الضرب والتعثر (Knuck and tumbel) اي المقالب ، واحيانا تعرض مسرحيات الملهات المحزنة وكانت لكل شكل من اشكال هذه العروض فرقها المتميزة عن غيرها في اساليب ادائها وعروضها وحتى طرق تقديمها للعروض
و الموضوعات المسرحية التي بالتالي قد استطاعت أن تجعل لكل نوع من تلك العروض جمهورها وروادها ، حيث انتشرت الفرق المسرحية الصامتة و التي كانت في بعض الاحيان تتجاوز الست ممثلين من المتجولين و المسليين و احيانا تتطلب بعض العروض فرقا يبلغ حجمها حجم الفرق اللازمة في ملهاة حديثة .

وفيما بعد سقطت روما امام الغزو في بداية القرن الخامس ، و تغيرت الاحوال جميعا الا التمثيل الصامت فقد كان عنيدا في استمراره وكان الممثلون في اداء هذا الفن يكثرون من عروضهم في طول الامبراطورية وعرضها ، ولابد انهم قد لقوا اياما سوداء في تلك الظروف
الجديدة ، فلم يكن القوط ولا الوندال ولا الهوت من الاقوام الغازية على استعداد لتقدير هذه الجهود المسرحية ، هذا اضافة الى غضب الكنيسة من الطريقة التي وضعت بها طقوسها موضع السخرية من علىالمسرح بشكل عام ، غير انه يبدو أن هؤلاء الممثلون واصلوا عملهم الصامت حتى في عصور الظلام .

هذا ولم يكن فن التمثيل الصامت عند الاغريق و الرومان فقط او في مكان واحد من العالم فقد عرف عند الصينين و الفراعنة و السومريين القدماء وفي كثير من الثقافات القديمة ، ويعتبر من افضل الفنون عند الشعوب الموغلة في القدم فلقد كان عند الفراعنة الهة برأس ضفدع يطلق عليه اسم الهة الضحك كان الفراعنة يقدمون له مهرجانات تهريجية تتخللها عروض صامتة تتميز بالطابع الهزلي ، ويقول (اوستاندر ميريل ) في كتابه تاريخ الملهاة :- (انه قبل الميلاد كانت تمثل في بلاد الاهرام مسرحية تهريجية حركية يظهر فيها حمال يحتال على البائعين و الشارين على السواء وكان ذلك في عهد الملك (ساردانابال ) و (رمسيس )وكانت عناصر التعبير آن ذاك هي التكشير و التشويه الجسدي و الاعتلال المصطنع و الاوضاع المختلفة و المشية الكاريكاتورية ) وكان هناك ايضا نوع من التمثيل الصامت ذو الطابع الديني على اكثر احتمال و الذي يشبه الرقصات التي تسمى (Pyrrhic) عند اليونان القدماء و التي تصور معركة بالدموع ضد الاشباح وشجار انفرادي ، ويقول بعض الباحثين . . أن التمثيل الصامت قد جاء الى الاغريق عن طريق صقلية وهنالك من يقول ان (ليفيوس اندروينكس )الانف الذكر - هو اول من قدم التمثيل الصامت في روما ، ولا يمكن البتة ضبط فترة ما يحدد بها اول عرض للبانتومايم لان - عند ابتلاج المدنيات تظافرت عوامل حتمية تعود لنزوع الانسان الى تشوق نواحي الحياة من خلال الطلاسم و السحر . . و هذه العوامل انصبت على توجيه غريزة التقليد و الميل الفطري نحو تجسيد المعاني في صور - وهنا لي وقفة قصيرة مع القارئ الكريم مع قضية السحر لغرض التنويه لما احسه ضمن تجربتي الخاصة كممثل لهذا الفن - ففي كثير من الاحيان وانا على خشبة المسرح اشك باني اقدم شيئا شبيها بالسحر ولا استطيع حينها ان اجد مبررا لهذا الشك ، و لربما يكون ذلك متأتيا من التعامل المباشر مع روحية المشاهد او من جراء العلاقة الممتدة بيني وبينه بخيط وهمي و المنسابة بشفافية خالية من الحركات الراقصة و التي تعطي نفس طقسيتها كما المصافحة بين صديقين حميمين لم يلتقيا منذ فترة طويلة .

ان هذا الفن العريق و بالتحديد في الشرق ايضا له جذوره التي لا يمكن الاستغناء عن كشفها و بالاخص علاقة المسرح الياباني الوثيقة بالتمثيل الصامت ، ونذكر مثلا مسرح
( الباكوكو ) أو (البوغاكو ) هذه الطريقة اليابانية التي جاءت من الهند مجتازة الصين ، حيث كان التمثيل الصامت ذو المحتوى التاريخي و الديني يشغل مكانا كبيرا ولقد نشأ من
( البوغاكو ) فن (الكاغورو) و (السارانماكو ) أي ( مسرح النو ) الياياني الذي مازال حتى يومنا هذا .

ومن المعتقد ان تسمية الممثل الصامت (the mime) قد جاءت من مسرح ( النو) و الذي فيه ممثل صامت يؤدي فواصل بين الحوارات والغناء يطلق عليها كلمة (me ) وهي فواصل خالية من الحوار و الغناء وعند تكرارها نشأت كلمة (meme) والتي ما زالت تستخدم حتى يومنا هذا بعد تعديلها الى كلمة (mime) أي الممثل الصامت .

اما في الغرب و بالتحديد اوربا في العهد الوثني ، فكانت تقام الاحتفالات بمناسبة عيد الربيع و المناسبات الاخرى و التي كانت تصحبها انواع عديدة من الطقوس و العادات مثل (قصة الجمال النائم نومة المائة عام ) و التي تمثل الشتاء الذي يصحو من لدنه الربيع على قبلة الامير ، حيث كان يؤدي ممثلوا التمثيل الصامت بعض الحركات المضحكة وهم يجولون الشوارع .

هكذا كان التمثيل الصامت ( البانتومايم ) بذرة المسرح على الارض منذ القدم حتى تطورت أساليب العرض المسرحي وحددت اماكن العبادة التي تقام فيها العروض - أي في المعابد - وكذلك حددت ازمان العرض لمناسبات معلومة التاريخ في كل الحضارات ، كأن يتكرر الاحتفال في كل عام مرة ، وكان الطابع الديني هو الغالب على موضوعات المسرحيات الصامتة المراد تمثيلها اكثر من غيره . ولكن سرعان ما طرأت التقنيات الجديدة على شكل العرض المسرحي واصبح للمسرحية مؤلف له الصلاحية في تسيير العرض ، وتطورت الحال الى ان اصبح للمؤلف - لا للممثل - المكانة الاكبر على المسرح ، بل واصبح الميزة التي يمتاز بها العرض ، مما حدى به الى ادخال الكلمة على التمثيل الصامت . . ثم الشعر ، وبالتدريج طغت الكلمة الى حد اختفاء فن الحركة ، بعد ان مر ما بين الحوارات في بعض العروض بشخصية كانت تدعى (الكابوتات ) و التي سنعرج عليها فيما بعد .

وظهر اسخيلوس يمثل قصائده على المسرح لاغيا حتى شخصية ( الكابوتات ) في عروضه المسرحية وجاء الذين من بعده - أي سوفكلوس - يقلدون اسلوبه بنفس المنهج مهتمين بالشعر وازادوا من اهميته ، ذلك الشعر الذي كان في السابق يغنيه (هوميروس ) ويرتله في باب المعبد بعيدا عن المسرح - من اساطير تحكي قصص الالهة الاغريقية في (الاورستية ) أي (الالياذة و الاوديسة ) وعند هذه الموجه من اسلوب العرض المسرحي ذي الطابع الجديد للتأليف و التمثيل بالابواق مكبرة الصوت اصبح الممثل الصامت غير موجود على تلك المسارح وانما كان يراه الجمهور في العراء فقط وفي المناسبات ، واصبح محدود العمل ، فعندما يدخل الجهور الى المسرح ينتهي عمله فما من احد يرى فنه فالجميع على المدرج يستمعون الى الشعر المسرحي هذا مما حدى به الى تهيئة ادواته قبل ان يهجره الجمهور لاجئا الى اثارة الانتباه باستخدام الازياء المزركشة بالونها الصارخة اخذا بتهويل حركاته وصبغ وجهه كالبهلوان مهمته جمع الناس الى المعبد يضحكهم في الشارع بينما اصبح الشاعر الديني يعظم الالهة الاغريقية بكلماته المفخمة من اجل ان يحكي كثيرا وبلاف الابيات الشعرية عن المستوى الهائل و الرفيع لالهته ولم يعر اهتماما كافيا لذلك الممثل المنفي من المسرح ، وفي تلك الفترة كاد ان ينتهي فن التمثيل الصامت في العالم لان الديانات الاخرى اخذت تقلد الشاعر اليوناني متأثرة بالاسلوب الجديد للمسرح - الحواري- ولكن سرعان ما اتخذ بعض فناني هذا التمثيل - الصامت - مكانا اخر غير منصة المسرح يقدمون فيه عروضهم الخالية من الكلمات ليبقوا شيئا من المسرح الصامت ، ومعظم هؤلاء هاجروا الى اماكن اخرى بعيدا عن الشعر ليجدوا متنفسا لفنهم .

اما في المسرح الروماني فلقد حصل العكس حيث التزم الاباطرة الرومان عروض المسرح الصامت وساعدوا ممثلي هذه العروض على تجاوز الكثير من الصعاب الانتاجية ، بل ومكافئتهم بجزل من الاموال والدعم المتكرر لعوائلهم ومن بين هؤلاء الاباطرة (اوغسطس ) الذي شجع هذا الفن وقد شغف بالتمثيل الصامت و استخدم عبيده لتهيئة متطلبات هذه العروض المسرحية لتسهيل مهمة الممثلون الذين يؤدون مسرحيات من هذا النوع في قصره .

ثم طور القائمون على هذا الفن آن ذاك معتمدين على الميثولوجيا الرومانية فانتعش هذا النوع من الفن المسرحي الصامت ليحيا حتى ظهور الجمعيات المسيحية المحاربة للمسرح باشكاله المتعددة و التي شنت حربا هجومية عنيفة عليه كانت الكنيسة توعز اسباب الهجوم على المسرح الى محاربة لوثنية واعمال الممثلين و ايماءاتهم الفاضحة التي تتعارض مع تعاليم الدين المسيحي ، فاغلقت جميع المسارح الخاصة و العامة وهذا مما اثر على نشاط الفن المسرحي في العالم كله واستمر هذا الاختناق لفن المسرح بشكل عام حتى مطلع القرن العاشر للميلاد حيث غيرت الكنيسة من رأيها في التمثيل و المسرح واخذت تتقبل المسرحيات التي تتحدث في عروضها عن المسيحية وتعاليمها داخل الكنيسة . وما ان ابتدا المسرح يتنفس الصعداء ويمارس نشاطه من جديد معتمدا على اولئك الممثلين التوقين للرجوع الى خشبة المسرح فهبوا يشاركون في الاحتفالات الدينية و التي تحكي قصص الانجيل وبما ان الموضوعات التي تقدمها مسرحياتهم تختلف اختلافا جذريا عما كانت عليه في المسرح الاغريقي و الروماني من حيث الموضوع الذي يتحدث عن الوثنية والعظماء في حين صارت عروض الكنيسة تهتم بمواضيع تخص الدين المسيحي وتعاليمه للإنسان البسيط في حياته الدنيا ، اما العروض عند الاغريق و الرومان فكانت باسلوب مختلف تماما من حيث الشكل و الموضوع وطريقة العرض مرورا بمرحلة الساتير وهي المرحلة التي تدعى بمرحلة الاندماج الروحي و الجسدي لدى المحتفلين بهذا الطقس الوثني و الذي يدعم بالعري و المجون الجنسي وصولا الى اباحة الخمر وحمل اعضاء ذكرية على شكل تماثيل صغيرة مجسدين توجههم الروحي الى الالهه ( ديونسوس) اله الحب و الجنس و الخير و النماء سابقين بذلك العرض المسرحي في المعبد .

بينما الكنيسة فقد انتهج القائمون على عروضها المسرحية اسلوب جديد - لابد ان يكون مختلفا عن سابقه - ان يكون جديدا - و في التمثيل بالذات و الذي اتضح هذا التجديد فيما بعد و الذي بدوره احيا الممثل الصامت بالتدريج ، لان الطريقة التي تقدم بها المسرحيات مختلفة ليس بشخصياتها فقد بل وحتى في قاعة العرض المغلقة (الكنيسة ) ثم ابتداع شخصية ( الكابوتان ) ذلك الممثل الذي نراه يظهر بين الحين و الاخر بين المشاهدين ملوحا بجسده للمتفرجين يقدم لهم مشاهد صامته خالية من الحوار تتخلل فترة تغيير الديكور بين الفصول و الذي صار أي- الكابوتان - وبعد فترة وجيزة من الزمن نصب اهتمام منظموا الاحتفالات الدينية (المستريا) وبالتحديد في فترة القرون الوسطى و الذين أدركوا القوة السحرية لممثل البانتومايم ودائما ما تكون المشاهدة الصامته من اكثر المشاهد المثيرة للعواطف في العروض الدينية في المسرح الفرنسي في نهاية القرن الرابع عشر و بداية القرن الخامس عشر حيث كانت حركات الممثل الصامت تشرح مضمون العرض أحسن بكثير ن جزالة الحديث الشعري والنثري ولا شك أنه عندما انتقلت تلك العروض الدينية في البلاغة اللغوية الجافة للطقوس الدينية الى أشكال جديدة ممتلئة بالعناصر الانفعالية في البداية انتقلت الى الخوارق ثم بعد ذلك الى المسرحيات الأخلاقية وفي النهاية الى (الفارس)-أي المسرحيات التهريجية-والتي أنجبت الى النور شخصية المهرج أو البهلوان مستقلا بحرفيته كممثل بالتعبير الايمائي او بلغة الجسد وبالرقص أحياناً و في كل شكل ووضع مسرحي أنه كان بحاجة الى أن يتطلب لنفسه قبل كل شيء قناعاً ثم أكبر قدراً من القصاصات الملونة لبرقشة ملبسه وكم أكبر من الشرائط للزينة وكم من الجلاجل الصغيرة بل وكل ما يمكن أن يعطي العرض رونقاً اكثر ودوية صاخبة.

ولم تكن تلك الشخصية الخفيفة الظل طموح الممثل الصامت لإنها سرعان ما بذخت بكل شيء غير واعية وبلا اكتراث لمهمة المسرح وأهدافه النبيلة.

ولكن شخصية (الكابوتان) ظل محافظاً على تقاليده وأصوله رغم ولادة المهرج من صلبه ولكن ذلك الأب ما زال راسخاً في أسسه التي لم يتخلى عنها حتى موته والذي كان بقاؤه بمثابة ضذ للمهرج الذي ضل محافظاً على انتهاجه الفارس في عروضه التي نفت الأب من القاعة المغلقة (في الكنيسة) للدفاع عن نفسه في ساحة الكرنفال وجهاً لوجه مع المهرج العاق. فظهر الكابوتان في أعياد الميلاد والكرنفالات الأخرى يقدم للناس مشاهداً صامتة في الشوارع حتى تطور خروجه هذا الى خروج بل ولادة فرق مسرحية متكاملة تقدم عروضها الصامتة على طريقة الكابوتان ولكن ليس ضمن عروض مسرحية حوارية كما كان الحال سابقاً بين الفصول المسرحية الحوارية داخل الكنيسة بل كانت تلك العروض تقدم بالارتجال الذي كان يتفق عليه (كالسيناريو) تجمع الخطوط العريضة لما ستعرضه المجموعة. وهكذا انتشر هذا النوع من العروض التي تطبعت بطابع الارتجال الفردي او الجماعي واصبحت العربات التي تجرها الخيول هي منصة المسرح وهي تجول في شوارع ايطاليا وعند خروج المسرحية من الكنيسة ظهرت معها اشكال اخرى تنافس فن التمثيل الصامت منها المسرحيات الحوارية الهزلية وبنفس الطريقة أي يضع الممثل له سيناريو كخطة يستطيع بواسطتها ان يلعب دوره مبتكرا ابداعاته التمثيلية اثناء العرض لان النص المكتوب لا يفسح له الحرية الكافية في الأداء وكان الممثل الصامت هو المهيمن على عروض المسرح في تلك المرحلة دون غيره فصار يؤلف مسرحياته بنفسه لكي يحقق ابداعاته وحركاته الخاصة حتى صار التمثيل صامتاً شكلا مسرحيا يحسب له الجميع حساباً فيه الكثير من التقدير.

وقد عاش حينها ممثل البانتومايم ازدهاراً جديداً في تلك الفترة وقد ازداد رصيده من الممثلين الحواريين الذين ترك الكثير منهم التمثيل الناطق بالكلمات لاجئين الى فن البانتومايم حيث كانوا يعانون بسبب يعود الى ان المسرحيات الحوارية عند عرضها في الشارع تستوجب على الممثل ان يستخدم كل وسائله الجديدة الجسدية لتوصيل الفكرة او الحدث الدرامي او الفعل المسرحي الذي يبغى توصيله الى المتفرج القريب والبعيد معا فإذا كان صوته يصل الى القريب من الناس على منصته فكيف بالبعيدين عنها وهذا مما حدى به الى استخدام الحركة كأسلوب للتوصيل أكثر من الحوار..ثم تطورت الحال حتى صار يعرض مسرحياته خالية من الحوار تماماً وبذلك اصبح ممثلاً آخر يضاف الى ممثلي البانتومايم هذا اذا ما عاد ادراجه الى قاعات العرض في الكنيسة واستنشق فن البانتومايم انفاسه ليحيى الممثل الصامت من جديد مدركاً ان عليه اتقان حرفية فنه وضبط قواعده بشكل أكاديمي صحيح في تلك الفترة المميزة من تاريخ المسرح العالمي والتي اصبح فيها فن الارتجال فناً ذو اصول وقواعد راسخة ومتينة وانتشر هذا الفن الى ارجاء العالم حاملاً معه تلك الأصول القواعد لتنبت كالبذور في عروض تتوزع هنا وهناك لتكون مدرسةً او مذهباً يلجأ اليه فنانو العالم وبالأخص أوربا التي صارت تجول في انحائها تلك الفرق المتناثرة لفن الارتجال الذي أطلق عليه اسم (فن الديلارتي) وقد كانت ايطاليا مركزاً لهذا الفن والتي كانت قد عاشت فترة ازدهار مسرحي لم تعشه فيما بعد ولكن-وللأسف الشديد لم تكن هناك نصوص او سيناريوهات مكتوبة إلا ما ندر يمكن الاعتماد عليها في دراسة اوسع لفن البانتومايم مما حجب الكثير من المعلومات التي من المفروض ان يتسنى للباحثين من خلالها دراسة هذا الفن بالشكل الأكاديمي الوافي بالتفصيلات اضافة الى اعتماداتهم على بعض الشواهد والملامح القليلة الموروثة لهذا الفن والتي هي المادة الوحيدة في دراسة تلك الأشكال والاساليب المبتدعة في فن البانتومايم والتي رغم كل ذلك جاءت تأكيداً للتنافس بين الممثلين آنذاك وبعضها كان سبباً للإساءة في عروض ماجنة والتي قيل عنها بأنها تخبط بين المصادمات وكسر الاضلاع وانتصار يمجد الرذائل والاجرام تمجيداً ذعر منه الاخلاقيون بقدر ما أثار الجمهور وقهقته ورعبه ويبدو ان ذلك سبباً لرقود فن البانتومايم بل المسرح بشكل عام في القرن الخامس عشر.

ان هذا الفن قد حضى باهتمام متباعد من خلال الفرق التي انتقلت قبل ركود المسرح في ايطاليا أبان القرن الخامس عشر إلى انحاء أوربا كما ذكرنا عن طريق الفرق الجوالة آنذاك فوصل إلى فرنسا وانجلترا واسبانيا وألمانيا، ففي انجلترا اعتادت المسارح الانجليزية في أوائل القرن الثاني عشر تقديم عروض ترويجية فخمة في احتفالات عيد الميلاد اطلق عليها في حينه اسم (بانتومايم) وكان يحرص كل افراد العائلات الانجليزية على حضور هذا النوع المبجل من العروض لديهم، فهي بمثابة تقليد إنجليزي، وتربط هذه العروض جمهورها بالصلة بينهم وبين تلك الحكايات الشعبية والخيالية وكانت تلك المسرحيات تقدم بطريقة صامتة غير خالية من بعض الأغاني إلى ان استقرت أكثر تلك العروض على الحركة دون غيرها كطريقة للعرض.

وكان التمثيل الجسدي في انجلترا يصنف إلى نوعين أولهما (البانتومايم الكلاسيكي) والذي يشمل على طائفة من الشخصيات المشتقة من المسرح الارتجالي الايطالي (ديلارتي) والتي كانت ارتجالاً لم يعدّه كاتب ولا الممثلون قبل العرض وهذا هو الشأن في (الهرلكاندا)-أي الايمائية الهزلية الانجليزية-كما كان يطلق عليها.

والنوع الثاني هو (البانتومايم الواقعي) وهو اوسع اختصاصاً من النوع الأول ونضرب له مثلاً بتلك المسرحيات لـ(ثورنتون وليدر) ومنها مسرحية (الرحلة السعيدة) و(عذراء عيد الميلاد الطويل) والتي يؤدي فيها الممثلون أدوارهم بمساعدة أشياء يتخيلونها-أي على طريقة (البانتومايم الاسود) الفرنسي والذي سنأتي لاحقاً على تفصيله-وهذا النوع يتطلب تركيزاً وانتباهاً عظيمين من الممثلين والجمهور على حد سواء وله امكانياته التي لا يستهان بها وبقيمتها الكبرى بالفعل الجسدي والفكار االمسرحية كمضمون.

وهذين النوعين من البانتومايم اصبحا فيما بعد لهما الاثر الواضح حتى في انشاء (مسرح الطفل الانجليزي) لما لهما من عروض وتقنيات متميزة. ويمكن تتبع طريقة (البانتومايم الكلاسيكي) على قصة من قصص الاطفال، ويؤكد الفنان (جوليان ويللي)-احد الثقاة في اخراج هذا البانتومايم-انه برغم اقبال الكبار على هذا اللون من الفن، فإنه لا يأبه كثيراً بمطالبهم لأن التجارب علمته انه لو استطاع ارضاء الاطفال لضمن نجاح العرض). لقد كان هذا النوع من العروض خاصاً (بمسرح الاطفال) أكثر من غيره في تلك الفترة-وهنا لا نريد ان نتحدث عن مسرح الاطفال وتاريخه، بل لا بد من ذكر فن البانتومايم ومدى تأثيره على اساليب العرض المسرحي المختلفة ومن بينها مسرح الطفل.

وفي القرن الثالث عشر ظهر في انجلترا شيء جديد من ممثلي البانتومايم وهم الذين أطلق عليهم تسمية (المبدلون) أي المعروفين بتغيير هيئة اجسادهم والذين كانوا يعتمدون على الموسيقى في تقديم عروضهم المتنوعة المواضيع والمستقاة من حياة الاشخاص والعامة من الناس لتعزيتهم في احزانهم ولوعة قنوطهم او لمشاركتهم أفراحهم، ونجد مثلاً على ضريح أحدهم وهو (فيتاليس)-من المقلدين الصامتين-العبارة التالية (قلدت وجوه وحركات مختلف الرجال وطريقتهم في الحياة فاعتقد الناس ان المقلد حاضر يتحدث بنفسه وحدها..فالموت الذي اطاح بي لقد أطاح بجميع الشخصيات التي عاشت في جسدي..).

وكانت هناك إشارات كثيرة قبل ذلك لوجود فن التمثيل الجسدي باشكال متعددة في انجلترا ذلك الفن الذي جلبه الرومان وغيرهم، ويمكن ان نرى بوضوح تأثير ذلك في عموم المسرح الانجليزي بعد فترات طويلة من الزمن، من خلال مسرحية (هملت) للشاعر الكبير (شكسبير) مثلا نرى ملامح هذا التأثير في استخدامه هذا البانتومايم في مشهد (مقتل السيد هملت الأب) والذي فيه تقدم فرقة من المبدلون يمثلون قصة الخديعة التي قامت بإبرامها زوجة الملك وبالاتفاق مع أخيه لاغتيال السيد هملت بالسم.

وفي القرن السابع عشر سار على خطى هذا الفن الكثير من الممثلين الانجليز ومن بينهم الفنان (جون ريج) في أوائل ذلك القرن رغم تلك الفجوة في التراجع الذي حصل الفنان البانتومايم في الفترة الواقعة بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر بسبب القيود التي فرضتها الكنيسة آنذاك-معتمداً التشخيص الايمائي الانجليزي على المادة المستوردة من الكوميديا الايطالية والتي زحف تأثيرها للمرة الثانية إلى انجلترا وبشكل أكثر قوة، كما هي الحال في بلدان أوربا وكان (ج كريمالدي) وهو انجليزي محض-المساهم الاسبق من غيره في ادخال حرفية هذا الفن في بلاده من جديد، وقد اعتمد البانتومايم الانجليزي طابعاً خرافياً وهمياً وتعبيراً يميل إلى اللامعقول والقسوة ويستعين بآليات خارجية وحيل مسرحية تسهل التبديل السريع للشخصيات على مرأى من النظارة.

وقد أضافت العبقرية الانجليزية للتشخيص الجسدي شخصيتين فيهما الكثير من الابتكار وهما شخصية (الكولون CLOWN) والتي تجذرت اشتقاقاً من شخصية الكولون عن (شكسبير) اما الشخصية الثانية فهي شخصية (البونش) الشبيهة بشخصية (البونشيلا) والذي برز في كوميديا الدمى التمثيلية في انجلترا. ويعرف (بودلير) الكولون بجعله نقيضاً لشخصية (بيرو)-التي سنتحدث عنها فيما بعد في التمثيل الايمائي الفرنسي-مبيناً اسلوب المقالات في التمويه والحركات التي يتعدى فيها حدود بيرو الفرنسي، ويقول (بودلير) عن هذا الفن التجسيدي الانجليزي:- (انه روح الكوميديا الصافية، بل هو عنصر الكوميديا المحصور المبلور)، ان حذاقة الممثلين الانجليز الخاصة بالتعظيم والمغالات تضفي على جميع تلك المسرحيات الجسدية طابعاً واقعياً أخاذاً بالتأكيد.

أما (جورج كرويكشا نكس) الممثل الكاركونوري والناقد يحدثنا عن شخصية (البونش) في كتاب مصور كرسه لوصفه:- (انه فن راق ولطيف)، كما ان اللورد (بيرون) مجّد (البونش) بقوله:- (انه شخصية كوميدية رهيبة لا تلاطف إلا عشرائها) وهي تدخل المسرح مكتسية الاخضر والاصفر-وهما اللونان التقليديان للشخصية-وهي تضفي افراحاً على لحن موسيقي يتكرر في أعلب العروض تقريباً ثم نرى البونش في أحد المسرحيات الجسدية يضرب كلب (سكاراموش). أحد الشخصيات التقليدية الشهيرة-وينشر حوله الموت حتى يقتل الجلاد المكلف بإعدامه ويتفوق على الشيطان.

ومن المدافعين عن الصمت في المسرح يجيء (ولسون ديشر) موعزا الافتراض الشائع بأن البانتومايم فن خالص الصمت-إلى الدوقة (مين) والتي ارادت في عام (1706) ان نضيف إلى أمجاد الكمال في صالونها الثقافي، فقررت ان تقدم الفصل الرابع من مسرحية (هوراس) للكاتب (كورني) بشكل صامت، وكانت ترى ان العرض الاخرس-على حد قولها-هو فن القدماء، ومن الطريف انه منذ ذلك الحين أصر اللغويون الانجليز على ان البانتومايم يعني العرض الاخرس لا لسبب سوى ان الدوقة (مين) قالت انه كذلك وكان دفاع الفنان الانجليزي (جون ريج) لتوضيح مفاهيم أدق مما دعتها الدوقة (مين) عملياً وعلى خشبة المسرح مبارزاً بقدرته في استخدام يديه وملامحه والذي سرعان ما جعل من هذا الفن فناً شعبياً واسع الانتشار في انجلترا وعادت التجديدات الانجليزية التي ادخلت على هذا الفن كي تؤثر بدورها على البانتومايم الفرنسي وسرعان ما أخذت فرق البانتومايم الجوالة الانجليزية تجوب أرجاء فرنسا وهولندا وألمانيا والنمسا والدينمارك. وهكذا شق البانتومايم طريقه إلى أعلى قمم ازدهاره في انجلترا حتى القرن الثامن عشر والذي كان أكثر الألوان الدرامية الجديدة رواجاً آنذاك وبالتحديد عام 1715 ذلك العام الذي وصل إلى درجة الكمال على يد الفنان (جون ريج) وكان الاسلوب الجديد الذي امتاز به هذا الفنان في عروضه هو استخدام المحاكات الجسدية التي تصحبها الموسيقى والمناظر الغنية بالتوضيحات مع استخدام المؤثرات المختلفة-الصوتية (من غير الكلمات) والضوئية-اثناء العرض، وكانت الاحداث التي تجري على خشبة المسرح مستمدة من القصص الاسطورية او الموضوعات التأريخية المألوفة لدى المتفرجين، كما ان القصص التي يعرضها على المتفرجين لم تكن ذات خط درامي واحد بل هي تنويع من الكوميديا والجد معاً وأن الاحداث لها بطل يملك القدرة السحرية التي يستطيع بها ان يغير الأماكن والاشخاص والاشياء كما يتطلب العمل الجاري على خشبة المسرح.

ثم ظهرت المدارس المسرحية الجديدة في انجلترا والتي كان من أخطرها على فن البانتومايم ذلك المبدأ القائل (ان المسرح فن من فنون الأدب) عند ذاك عاد المؤلف من جديد ليهتم بالكلمة أكثر من غيرها بل تناسى المؤلفون الحركة وصار المسرح كثير الكلمات قليل الحركة، وفي تلك الفترة كاد ان يختفي فن التمثيل الجسدي (البانتومايم) بل اختفى في زمن الحرب العالمية الأولى وفي السنين التي سبقت الحرب العالمية الثانية مباشرة، وفي اثناء الحرب وبالتحديد عام 1936 عاد التمثيل الايمائي إلى انجلترا مرة أخرى وذلك من خلال عروض فرقة مسرح الوحدة (Unity theater) الذي اكتسب مكانتة في المسرحية السياسية الصامتة ويتضح ذلك النفس في مسرحية (أطفال في الغابة) والتي جذبت الانظار إلى مجهودات (البانتومايم السياسي) في سنة 1939 وتلتها مسرحية (حماقات كيس الرمل) ومسرحية مشابهة أخرى في نفس السنة وفي عام 1941 وقدمت فرقة مسرح الوحدة للتمثيل الصامت مسرحية (النجمة تغدو حمراء) وهنالك مسرحيات أخرى قدمتها تلك الفرقة بأسلوب آخر ففي عام 1944 عرضت مسرحية (قواقع وشمبانيا) وهي مسرحية كوميدية مرحة جامحة الخيال تحكي قصة صالات الموسيقى، هذا مع ان مسرح الوحدة كان منشأه مجرد هيئة من الهواة فقد نما أكثر وأكثر إلى الاحتراف في تطوره وساعد أيضاً على نشر الاهتمام بالدراما بين قطاعات كثيرة من المجتمع كان المسرح الصامت قد مات بالنسبة لها منذ عهد ليس بالقصير..

وهكذا أعاد المسرح الصامت أنفاسه من جديد في بريطانيا ولكن ليس كما حدث في فرنسا وما حققه فنانو هذا الفن التمثيلي من صدى عالمي واسع في القرن العشرين.

22
مارس
12

مسرحية فاوست لـ: غوته

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

( دراما المغامرة الإنسانية)

 

 

 

 

 

 

 

دمشق في 1\ 5\ 2003

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة(1)

 

كانت المشكلة الأولى في ألمانيا خلال منتصف القرن الثامن عشر هي غياب الثقافة الأدبية القومية ، و آفاق تكوين هذه الثقافة ، وكان هناك إجماع في الرأي على أن هناك شيئاً خطيراً مفتقداً في الحياة الثقافية الألمانية ، وأن ثمة رغبة عامة شديدة في خلق أدب ألماني قومي ترتكز على طموحات سياسية واجتماعية عامة . كانت كلمة ” ألماني” تعني أدباً في لغة الطبقة الوسطى في مقابل الثقافة الفرانكوفونية لطبقة النبلاء الألمانية المسيطرة ،وكانت “القومية” تعني الأعمال التي تؤكد على الوحدة الثقافية لكل المتحدثين بالألمانية رغم انقسام الأمة إلى دويلات مستقلة متعددة, والى جانب الاتفاق على أوسع نطاق على الحاجة إلى القيام بشيء ما. وجد على قدم المساواة اقتناع عام بأن خلق أدب قومي إنما هو أمر ممكن ، والمسألة ببساطة هي تحديد مقاييس ملائمة وتحقيقها, لكن الإجماع هنا أخفق للاختلاف الشديد على ما كان ينبغي عمله.

في بداية الثلاثينات من القرن الثامن عشر منذ دفاع جوتشد عن تقليد الدراما الكلاسيكية الفرنسية الجديدة , إلى ليسنغ الذي وافق على أن يكون المسرح هو مجال الأدب الجديد وعارض احتذاء النماذج الكلاسيكية الفرنسية الجديدة واقترح البديل باحتذاء شكسبير , إلى ديدرو الذي شرّب أعماله بروح إنكليزية , إلى هردر الذي وضع قواعد لإنشاء أدب قومي ألماني جعل من تمثل النمط الأجنبي أمراً غير ضروري فأشار إلى شعر العهد القديم والى هوميروس وبندار لا كنماذج تٌحاكى ولكن كأمثلة لأعمال ظهرت للوجود بعد الابتعاد عن المحاكاة , ودعا هردر أبناء وطنه إلى أن يكون حديثهم من القلب مباشرة ،وذلك لبعث التعبير الذاتي المكثف حيث قال :

“احتفظ بهويتك دون خوف فكل ما تحتاج إليه، أو تحتاج إليه ثقافتك القومية سوف يتاح لك في قول عفوي معبّر يلهمك في حماسة متقدة” .

 

قدّم هردر أملاً في خلاص الثقافة الألمانية , أملاً مليئا ً باللهفة على مجيء عبقري أصيل ذي شخصية وإرادة قوية يقتحم قيود تراث بالٍ , وقد وجد هردر هذا المخلّص في شخص غوته.

اطلع غوته وبتشجيع من هردر على هوميروس وشكسبير والإنجيل وجمع الأغاني الشعبية من ريف الألزاس, وبدأ بنوع جديد تماماً من الشعر في خلق تقليد أدبي قومي , وكان الفن القوطي مثالا ًعلى الروح القومية الألمانية , وقدّم تقليداً للعصور القديمة , وأظهر لأول مرة منذ ترجمات لوثر للإنجيل القدرة على التعبير عن اللغة الألمانية العادية وتوسّع فيها وذلك بغير أن يلجأ إلى تزويقها ببراعة الصنعة الفنية أو الحيل البلاغية أو الزخارف المتباهية المكتسبة عن طريق التحصيل .

وفي عام 1773 نشر مسرحية”ذو القبضة الحديدية” مسرحية مضادة للنزعة الكلاسيكية الحديثة وتقدم نظرة شاملة للحياة الألمانية في الربع الأول من القرن السادس عشر , وتبعها برواية”آلام فرتر” ثم الكثير من القصائد والأعمال المسرحية , إلى أن أنهى مسرحية “فاوســــت” قبل أن يموت بعام واحد.

 


فاوســـت قبل غوته(2)

 

فاوست هو شخصية تاريخية ، ولد في أواخر القرن الخامس عشر وتوفي على الأرجح سنة 1543 ، وأول وثيقة ذكرته هي رسالة كتبها يوهن ترتهيم1507 يصفه بالسوء والتهجم على الكتاب المقدس .

حصل على البكالوريوس1509 واشتهر باستحضار أرواح الأبطال وغيرها من أعمال السحر ما جعله مطارد من قبل السلطات ، وخاصة الدينية.

لقد كان متشرداً مغامراً ، يرافقه دائماً كلب ربما كان جنياً , ويشار إلى أنه تعلم السحر في كراكوفيا في بولندة.

قال عنه لوثر : ))له أن يصنع ما يشاء لكنه في النهاية سيدفع الثمن غالياً فليس هو إلا شيطاناً متعجرفاً مغروراً طموحاً…)) (3)

حكيت عنه قصص كثيرة منها ما هو مبالغ بها ومنها ما كان من نسج الخيال إلى أن صدر الكتاب الشعبي 1587 لكثرة ما اشتهرت قصصه في ألمانيا , وخلال سنة طبُع الكتاب أربع مرات .

يورد الكتاب نشأة فاوست حتى عقده الميثاق مع الشيطان ومغامرات فاوست في صحبة الشيطان ولقاؤه الإمبراطور شارلكان وبعدد من النبلاء ونهاية فاوست .

على أثر هذه الشهرة للكتاب الشعبي قام “فدمن” بتحرير رواية أخرى لحياة فاوست 1599 انتهج في كتابتها الدقة في أنها تقوم على أساس الأصل الذي تركه فاوست لتابعه فجنر وتتابعت الأخبار والكتب الصادرة حول حياته إلى أن صدر مختصر لحياة فاوست بعنوان :

“المؤمن المسيحي”1725 ، اختزل إلى ما هو مقبول عقلاً واستبعد كل الخرافات عنه .

أول شاعر استغل سيرة فاوست ليصنع منها عملاً فنياً هو كريستوفر مارلو الذي كتب مسرحية “الدكتور فاوستوس” عام 1588 وطبعت 1604 ، والمسرحية تصور فاوست مغروراً طموحاً إلى الأمور المادية مما سيدفعه إلى احتراف السحر ، ويصور علاقته مع الشيطان حيث (( يريد أن يكون تحت إمرته روح – مفستوفيلس – تأتيه بالذهب حيث يريد ، وبأجمل النساء حين يشاء ويحشد له جمعاً مسلحاً لتنفيذ أوامره )) (4)

وكما قال تين TAINE عن شخصية فاوست عند مارلو:

((ذلك هو الإنسان الحي الفعال,الطبيعي,الشخصي,وليس ذلك الرمز الفلسفي الذي صنعه جيته (غوته), بل الإنسان الذي على الفطرة , الصادق,الإنسان الغضوب,المشبوب,المستعبد لاندفاعه, وألعوبة أخلاقية, حاضر كل آن, مملوء بالشهوات والمتناقضات وألوان الجنون,والذي برعدات وانفجارات,وصيحات الشهوة والقلق دار عن علم وإرادة على منحدر هاويتها وأشواكها))(5)

وبعد مسرحية مارلو توالت المسرحيات على فاوست بأعداد مذهلة حتى أنه ألفت (41) مسرحية عن فاوست قبل ظهور مسرحية غوته. وكانت الفرق المسرحية الإنكليزية في نهاية القرن السادس عشر وطوال القرن السابع عشر هي التي أدخلت إلى ألمانيا مسرحية فاوست لمارلو .

وتحت تأثيرها قام أصحاب المسرح الشعبي الألماني الجوال بوضع مسرحيات موضوعها فاوست. وهذه المسرحيات فيها بعض المشاهد والشخوص المستمدة من مارلو مباشرة ، وقد لخّص كونوفشر هذا الموضوع في أربع نقاط هي:

  1. مناجاة فاوست , وبها تبدأ المسرحية
  2. ظهور الملك…
  3. تبادل المشاهد المأساوية مع المشاهد الهزلية وإدخال المهرج شخصاً رئيسياً في المسرحية .
  4. الإعلان عن النهاية الأليمة لفاوست بواسطة دقات الساعة (6)

    ومن هذه المسرحيات مسرحية “الفطنة الشقية ” .

    باشر الكتاب في ألمانيا بتأليف أعمال فنية تدور حول فاوست معتمدين على مسرحية مارلو والمسرحيات الشعبية والكتاب الشعبي ، أمثال ليسنغ وملر وكلنجر.

    وجدير بالذكر أنه قٌدّم – أي فاوست- على مسرح العرائس حيث دخلت فيها شخصية المهرج بأهمية أكثر من أهمية شخصية فاوست نفسها وهكذا تحولت مأساة فاوست إلى كوميديا فاوست ولم يبق من مسرحية مارلو والكتاب الشعبي إلا الهيكل العظمي فقط ، وصارت هذه المسرحيات أداة للتسلية واضحاك الناس.

    نعود إلى ليسنغ الذي نادى بتقليد شكسبير ، حيث وجد في فاوست مسرحية تنطوي على طائفة من المشاهد التي يستطيع النبوغ الشكسبيري وحده أن يتخيلها. لقد تميزت مسرحية ليسنغ بأنها صوّرت فاوست بالصورة (( المثالية لهذه الشخصية المتعطشة إلى المعرفة والى العقل سوف تفرض نفسها بدلاً من الصورة القديمة للساحر المشبوه والمحكوم عليه))( 7)

    وقد استفاد غوته من مسرحية ليسنغ في أكثر من ناحية .فإنقاذ فاوست من الإدانة ، والحوار الاستهلالي بين الشياطين وزعيمهم ، ثم صوت السماء الذي ينبههم إلى أن انتصار الشيطان ما هو إلا وهم.

    إن نزعة التنوير في ألمانيا بتمجيدها للعقل والإنسانية بعامة أعقبتها حركة مضادة عنيفة هي حركة “العاصفة والاندفاع” ، ومن روادها ملرMALER ، الذي ألف مسرحية بعنوان “حياة فاوست ممسرحة”1778.

    وتوسعت قصة فاوست حتى شملت معظم مناطق أوروبا وتناولها الكثير من الأدباء والشعراء إلى أن كتبها غوته.

    في نفس الوقت الذي كان فيه غوته مشغولاً بإتمام فاوست الأول كان الرومنتيك الألمان مهتمين بشخصية فاوست ، وألف فيه اثنان من أبرز الرومنتيك الألمان ، وهما شامسوCHAMISSO وليناوLENAU .

    إن فاوست” ليناو” تعبير أليم عن جيل عاجز عن تحقيق أحلامه .كفر بالدين وبالتقاليد والأوضاع الراهنة في أوروبا ، لكنه لم يستطع أن يحل محل ذلك دوافع جديدة للحياة.

     

    فاوست… غوته

     

    إن أول لقاء لغوته مع شخصية فاوست كان عام 1753 حيث كان عمره أربع سنوات ، فجدته أهدته مسرحاً للعرائس ،ومن بين القطع التي احتواها هذا المسرح -اللعبة- قطعة عن “الدكتور فاوستوس” , وعندما قارب على سن الخامسة عشرة اشتعل قلبه حباً بفتاة تدعى غريتشن (مرجريت). وحين سافر إلى مدينة ليبتسك لدراسة القانون رأى حانة أورباخ , ويعود غوته بعد عام إلى فرانكفورت مريضاً سوداوي المزاج حتى أنه فكر في الانتحار .

    أخذ غوته يُعنى بالسحر وعلومه , وسافر إلى اشتراسبورج حيث تعرف على كاتدرائية اشتراسبورج ، هذه التحفة العظيمة من المعمار القوطي فاستشعر الروح الجرمانية الأصيلة وتسلطت على خياله الشعري شخصيتان جبارتان من القرن السادس عشر هما : جيتس فون برشنجن والدكتور فاوستوس المتطلع إلى الإنسان الأعلى , وهذا كان بين عامي 1770 – 1771 . حصل غوته على الليسانس في الحقوق 1771 من اشتراسبورج وذهب إلى فتسلار للتمرين ليكون محامياً وشرع هناك بكتابة مسرحية فاوست عام 1772.

    وفي عام 1774كتب ” شذرة فاوست ” التي ستتطور وتصبح مسرحية فاوست الأول لاحقاً . لقد توقف عن كتابة المسرحية 1775 ، ولم يواصل الكتابة حتى ذهب إلى إيطاليا 1788 حيث كتب مشهد مطبخ الساحرات ومشهد غابة وكهف . وبهذا تكون مسرحية فاوست الأول في صورتها الأولية قد شملت: مناجاة فاوست – استحضار روح الأرض – الحوار مع فجنر – الحديث بين التلميذ ومفيستوفيليس- حانة أورباخ- جملة مشاهد حول مرجريت وفاوست – مطبخ الساحرة- غابة وكهف .

    توقف غوته تماماً عام 1790 عن العمل على فاوست ، ولم يتابع عمله حتى 1797 بتحريض من شلر فأقبل وكتب القطع الثلاث الأولى (الاهداء- الاستهلال على المسرح – الافتتاح في السماء) ، وهكذا حتى عام 1808 ظهر فاوست الأول بعد أن أضاف مشهد السجن ومصرع فالنتين وليلة فالبورج…الخ .

    عام 1810 فكر غوته في عرض فاوست ، لكن اعتقاداً ساد بأن فاوست غوته لا تصلح للتمثيل ،إلى أن حلّ عام 1829 حين بلغ غوته الثمانين من عمره فعرضت المسرحية في مسارح فيمار ودرسدن وليبتسك .

    أما فاوست الثاني فلم تتحقق إلا بعد ربع قرن على الانتهاء من فاوست الأول ، وقبيل وفاته بعام واحد يقول غوته عن فاوست الثاني :”شخصية فاوست في أعلى درجاتها تأليف جديد مستخلص من الأساطير الشعبية القديمة الغليظة. تعرض إنسانا ضاق ذرعاً بالإطار الأرضي العام وتبين له أن اكتساب أعلى معرفة والاستمتاع بأجمل الخبرات هما أمران غير كافيين لإشباع أمانيه ولو لأقل درجة : انه روح أينما تلفت عاد شقياً يائساً . وهذا الشعور مماثل للإنسان الحديث حتى أن كثير من الرؤوس الجيدة شعرت بأنها مدفوعة الى معالجة هذه المسألة .والطريقة التي وفقاً لها تصرفات قد ظفرت بالتقدير ورجال ممتازون فكروا في هذا وفسروا النص الذي كتبته وهو التزاوج بين الشيطانية الرومانتيكية وبين النصاعة الكلاسيكية الأولى ممثلة في فاوست والثانية رمزها هيلانة ” .

    وهكذا نجد أن” فاوست” بجزئيه قد صحب غوته طوال حياته منذ ريعان شبابه حتى آخر سني عمره الطويل ، ولهذا نراه يقول في آخر رسالة كتبها بعد إصابته بالعلة التي مات بها : ((مضى أكثر من ستين عاماً على تصويري لموضوع فاوست بوضوح وأنا في مطلع الشباب )) (8)

     

    يقول غوته : (( إني راسخ الإقناع بأن روحنا شيء لا يقبل الفناء إطلاقاً )) (9) ، لذلك قد (( قبل فكرة عالم الروح وداعب آمال تقميص الأرواح… رسم البروج أحياناً لكشف الطالع)) (10).

    إن نظرة غوته إلى الطبيعة تنطلق من أن ((الإنسان مركز كل شيء ومن تجربته المباشرة إلى الطبيعة وانطلاقاً من هذا المركز تنتظم الظواهر في نظام منطقي سليم )) (11)

    وحسب ما يقوله اسبينوزا فنحن ((ننتمي إلى قوانين الطبيعة حتى إن تمردنا عليها)) (12)

    وهو يميل إلى الاتفاق مع كانط على أن ((حياتنا مثلها مثل الكون الذي ننتمي إليه تتألف على نحو ملغر (ملغز) من الحرية والضرورة )) (13) كان يشعر بقوة قضاء وقدر تعمل فيه صفات تفرض نموه وتقرره ، ولكنه يتعامل معها كشخص حر يخدم قضية تحركه وتحتويه.

    فهو- أي غوته- مدرك لما في الطبيعة من قدرة لذلك فهو يؤمن بأن حريته مهما وسعت لابد لها من أن تقيد بضرورات الطبيعة التي لم يكشف الستار عن
    كنهها كلها.

    ومع تقدم غوته في العمر ازداد يقيناً بصدق هذه الفكرة وازداد اقترابه

    من هيغل الذي كان مبدأ عمله الفكري(( يقوم على التوسط بين وجود الذات ووجود الآخر , أو بكلمات جوته(غوته) على وضع هيغل لنفسه في الوسط بين الذات والموضوع بينما أبرز شيلنج رحابة الطبيعة وفيشته الذاتية في ذروتها)) (14) ، أي أن يكون الإنسان بذاته وأن يكون لذاته ,بين ما هو داخلي وبين ما هو خارجي . العلاقة بين التجربة والفكرة توحد الفهم الصانع للأفكار والرؤية الحسية ، وهذا هو التساؤل حول إسهام ذاتنا وإسهام العالم الخارجي في وجودنا الروحي.

    ليست هذه إلا شذرات من ما يعتقده غوته ويؤمن به ولاحقاً سنتعرف على فكرغوته بشكل يصب في صلب العمل المسرحي والدراسة النقدية للعمل الفني .

    إن غوته (( تعلّم قصة فاوست في طفولته من كتيبات القصص الشعبية ومسارح الدمى ورأى صوراً لفاوست والشيطان على جدران حانة أورباخ في ليبتزج(ليبتسك) وتطفل هو نفسه في شبابه على السحر والخيمياء (الكيمياء ) وامتزج بحثه الدؤوب عن الفهم بتصوره لفاوست ، ودخلت قراءته لفوليتر وإلمامه بتهكمات هردر في تصويره لفستوفيليس(مفستوفيلس) ، وأعطت جريتشن التي أحبها في فرانكفورت ، وفردريكه بريون التي هجرها في زيزنهايم لمارجريت(غريتشن ) اسمها وصورتها )) (15)

     

     

    فاوســــــــــــــت الأول . . .

     

    الاستهلال المسرحي

     

    تأثر فيه غوته بنموذج مسرحية هندية اسمها” شاكونتالا” ليكاليداسا, فالشاعر الهندي قد وضع في مستهل مسرحيته حواراً بين مدير المسرح وبين إحدى الممثلات في المسرحية ، وقد قرأ غوته ترجمة المسرحية الى الألمانية فألهمه هذا الحوار التمهيدي في المسرحية الهندية هذا الاستهلال المسرحي الذي كتبه لفاوست.

    ويجري الحوار في هذا الاستهلال المسرحي بين الشاعر من جهة وبين مدير المسرح والشخص المرح من جهة أخرى. ويطلب هذان الأخيران إلى الشاعر أن يؤلف مسرحية ترضي ذوق الجمهور كي يزداد دخل المسرح من المال بينما الشاعر يشيح بوجهه عن هذا الاتجاه المادي(16) انه يصور حال الشاعر وصراعه مع أهداف الماديين العاملين في الفن وكيف يُستغل لأهداف مادية بحتة على عكس ما يرنو إليه مريدو الفن الحق .

     

    الافتتاح في السماء

     

    تبدأ المسرحية من السماء لأن(( الفكرة الرئيسية التي جعلها جيته(غوته) محوراً لتصوره لمأساة فاوست هي فكرة “الرهان” بين الله والشيطان )) (17).

    والشيطان هو الذي يقترح الرهان مع الله ذلك لأن مفستوفيليس وهو في حضرة الله يسخر من الإنسان , فهو – أي الإنسان – يدعي أنه إلهاً لكنه غريب الأطوار، وكان يمكنه أن يعيش على نحو أفضل لو لم يكن الله وهبه العقل ( أي مثل باقي الكائنات الحية ) ، وهو يستخدم العقل ليصير أكثر حيوانية من الدواب . فيوبخه الله لأنه لا هم له إلا التحقير والانتقاص من المخلوقات , ولا يرى في العالم إلا الشر يقول له :

    الله : هل تعرف فاوست ؟

    مفستوفيليس : الدكتور

    الله :خادمي !

    مفستوفيليس : حقاً انه يخدمكم على نحو غريب ! ليس أرضياً شراب هذا الأحمق ولا طعامه لقد دفعه التطلع إلى ما هو بعيد ووعيه بحماقته نصف وعي من السماء يتطلب أجمل النجوم ومن الأرض يريغ إلى أعلى الشهوات والقرب والبعد لا يرضيان صدره المضطرب اضطراباً عميقاً.

    فيجيب الله بأنه لئن كان فاوست يعبد الله عبادة مشوشة فإنه عما قريب سيقوده إلى نور الهداية . يرد مفستوفيليس بأن الله سيفقد فاوست , ويقترح عليه الرهان , ولا يمانع الله في أن يحاول مفستوفيليس هذه المحاولة طالما كان فاوست حياً , ويصرح بأن الإنسان يخطئ طالما هو يسعى .

     

    * * *

     

    إن الرب (( يصر على حتمية التطور البشري وارتقائه نحو الأسمى والأفضل في حين يشك مفستو (مفستوفيلس) بجدوى أية فعالية بشرية فالإنسان في رأيه كسول خمول يميل الى الملذات الحسية والشر)) (18)

    يقول عبد الرحمن بدوي بأن غوته تأثر بما ورد في سفر أيوب من العهد القديم من الكتاب المقدس حيث يوجد في هذا السفر رهان، حتى وان لم يذكر صراحة ومفاده أن إصابة الإنسان بالبلايا من الله تؤدي إلى الكفر به

    إن مفستوفيليس مقارنةً بالشيطان الذي ذكر في الكتاب المقدس يبدو أذكى جداً وأوسع حيلة ، وأبرع في القول والتبرير وتحليل الأمور من الشيطان في ” سفر أيوب ” .

    إن نهاية فاوست يشوبها الغموض . والرب لا يقول كلمة صريحة عن نهايته والجدال بين الرب ومفستوفيليس لا ينتهي إلى حل حاسم. والحل النهائي ((مصطنع مفروض من الخارج وليس نتيجة تطور فاوست)) (19) ، أي في أخر المسرحية وهذا يبقى معلقاً إلى أن نثبت هذا الكلام .

    إن الرب حين أذن لمفستوفيليس بالتصرف في فاوست (( إنما فعل ذلك هازئاً من مفستوفيليس واثقاً بأنه سيخسر الرهان في النهاية، وبأن فاوست سيظفر بالنجاة )) (20)

    إن تساؤلنا حول سبب وضع غوته الرهان بين الله تحديداً والشيطان في حضرة الملائكة في بداية المسرحية يحتاج إلى بعض التوسع في موضوع الخير والشر ،حيث أن (الصراع في أول صوره بين الخير والشر وهي أن الخير والشر قائمان في الحياة خارج كيان الإنسان وأن على الإنسان أن يختار أي الطريقين ، ثم ظهرت صورة الشيطان الممثل للشر وكأن هذا الشيطان حقيقة قائمة خارج كيان الإنسان ، والإنسان يصارع الشيطان كي ينتصر للخير وهذا التصور القديم لقيام الخير والشر خارج نفوسنا لم يعد في عصرنا الحديث ، لكن الصراع مازال قائماً حيث تتمثل تلك القوى المتصارعة في نفس الإنسان ذاته, فالشر الذي يحاول الإنسان محاربته ليس هو الشر المطلق ، والخير الذي يبغي تحقيقه ليس هو الخير المطلق فالحرب الذي يعيشها الإنسان مع نفسه لا يحدد طبيعتها إلا تكوينه النفسي الخاص ، والنتيجة يكون لها أثر مباشر على حياته . هذه القوى المتصارعة حسب فرويد هي قوى الشعور واللاشعور (21) ، فكيف لها أن تتصارع مادامت ليست خيّرة أو شريرة (قيم خارجية ), لذلك يمكننا استبدال الوصف بتقرير طبيعة هذين المستويين في النفس الإنسانية والمهم ، هو أن تتاح له لحظات من الحياة يستطيع فيها أن يشعر بانتصاره ، أي أن يرضى فيها عن وجوده وهو ما نسميه السعادة) (22)

    إن غوته يبدأ المسرحية من المطلق ، لكن من وجهة نظر المثيولوجيا المسيحية حيث أن الله هو الخير المطلق والشيطان هو الشر المطلق والإنسان فاوست منفصل عنهما أي يعتمد على ما كان في القديم كما ذكرنا سابقاً ، هذا بالرغم من خلو غوته ((من الإحساس بالخطيئة ، ولم يشعر بحاجة إلى اله يموت كفارة عنه وأنكر كل حديث عن الصليب.قال: ” لست عدواً للمسيحية ولا مضاداً لروح المسيحية ولكني قطعاً لا – مسيحي ، انك تقبل الإنجيل كما هو على أنه حقيقة إلهية . حسناً ، ما من صوت مسموع من السماء يمكن أن يقنعني بأن امرأة يمكن أن تحبل بطفل دون رجل ، وأن رجلاً ميتاً يقوم من قبره . وأنا أعدّ هذه كلها تجديفات على الله وعلى إعلانه ذاته في الطبيعة)) (23)

    كيف نقتنع بهذه المفارقة بين رأي غوته في الدين المسيحي وبين اعتماده في مسرحيته على هكذا رهان على شخصية تعيش صراعاً بين الخير والشر بمستواها الشخصي ؛ ورب سائل يقول: لماذا لم يبدأ المسرحية بالرهان بين الخير كقيمة والشر كقيمة دون الاعتماد على المثيولوجيا المسيحية؟

    الجواب هنا أن غوته ليس مفروضاً عليه أن يقدم ما يجول في فكره , وما يراه مقنعاً فقط فهناك اعتبارات أخرى يجب عليه احترامها لأنه لا يكتب لنفسه ، فهو ابتدأ المسرحية بالرهان بين الله والشيطان اعتماداً على الفكر المسيحي السائد في أوروبا , هذا أولاً .

    أما ثانياً ، فأن تصوير الله والشيطان كصورتين عامتين سوف تعكسان الرهان الإنساني الذي يعيشه فاوست حيث يتصارع بين قيمتين أخلاقيتين إن صح التعبير أو مستويين للقوى الشعورية واللاشعورية يصوران الرهان بصورة خاصة إنسانية . أي تتضح العلاقة بين العام والخاص بما أن فاوست هو النمط الأعلى لإنسان أوروبا – حسب غوته – . ثم أن غوته يطرح وجهة نظره على لسان فاوست حين يشرح لغريتشن عن إيمانه. إن غوته في طرحه لله والشيطان وحوارهما يضفي على مفستوفيليس بعض الصفات الإنسانية التي يبغي منها أن تظهر كشخصية (( حية متكاملة لها مقومات حياتها الخاصة المختلفة عن أية صورة أخرى للشيطان في التراث الديني أو الشعبي أو حتى الأدبي )) (24)

    إن مفستوفيلس غوته (( هو نقيض الإيمان والتفاؤل وتجسيد لروح السخرية ، فقليلون هم الذين أمكنهم أن يهربوا من نظرته التهكمية المريرة ، وهو واقعي يؤكد الحقيقة حاضر البديهة , ذكي, يستمتع إلى حد السعادة الشريرة بما يفعل)) (25) ، وبالنتيجة فإن غوته يعيد خلق الله والشيطان لكن حسب ما يريده هو, فهو يغير ويبدل في شخصيتي الله والشيطان حسب ما يريد وحسب ما يتطلب العمل الدرامي لكن دون أن يسيء إلى الأسطورة المسيحية .

     

     

    المناجاة الأولى لفاوست

     

     

    يأسى فاوست على أنه درس الفلسفة والقانون والطب واللاهوت لكنه لم يجد فيها ما يشبع فهمه إلى المعرفة ، لقد كان أبوه طبيباً وعلمه مهنة الطب كما علمه صنعة الكيمياء وحصل على أرفع الدرجات العلمية وخلال عشر سنوات من تدريسه في الجامعة قد ضلل فيها تلاميذه لأنه أوهمهم بأن ما يلقيه عليهم هو علم مفيد بينما لا يشفي هذا العلم غليله من المعرفة.

    وبما أن هذه العلوم ليست كافية فلينصرف إلى علوم أخرى علوم يحرمها الدين وتطاردها الدولة كالسحر. انه لايعذبه شك ولا وخز الضمير ولايخاف الجحيم ولا الشيطان فانه تجرد من كل بهجة لايستطيع أن يعلم الناس شيئاً يفلح في إصلاحهم ، وهو لم يكسب ثروة ولامكانة بين الناس فليس أمامه إلا السحر عسى يكشف له بعض الأسرار ابتغاء أن يعرف التركيب الباطن للعالم ويتأمل القوى النشيطة . يتطلع إلى السماء فيشاهد القمر وهو بدر مستشهداً على الليالي التي أمضاها بين الكتب. انه ينعى حاله متسائلاً: إلى متى يرقد في هذا السجن الذي لا ينفذ إليه النور إلا من خلال الزجاج الملون في النوافذ ويحيط به جبل من الكتب ، ومادامت هذه هي حاله فبأي حق يتساءل لماذا يضيق قلبه في صدره , فليكن كتاب نوستراداموس سبيله للخروج إلى الهواء الطلق ومنه سيستدل على ملكة النفس التي بواسطتها تخاطب الروح الروح.

    يقرأ ثم يصيح : هل أنا اله ! ذلك لأن عالم الأرواح قد انفتح أمامه وعليه الآن أن يغوص في روح الأرض , تستثيره المغامرة فيستحضر روح الأرض التي تسخر منه وتهزأ به حين يقول لها بأنه نظيرها حيث ترد عليه بأنه لا يشبهها ؛ فيزداد اكتئابه .

     

    * * *

     

    يقول غوته: ((قد طوفت في شتى ضروب العلم وانتهيت في فترة مبكرة من حياتي إلى تبين بطلانه ، ثم إنني جربت كل أساليب العيش في الحياة الواقعية ، وكنت دائماً أعود منها ضيق النفس غير راض عنها)) (26) وهذا ينعكس على فاوست ، فهو ينتمي إلى (( ثقافة ديناميكية داخل مجتمع راكد ، فأنه يتمزق (مثل مثقفي ألمانيا زمن غوته) بين الحياة الداخلية والحياة الخارجية )) (27) ، وهذا ما دعاه بالإضافة إلى يأسه من العلوم إلى استحضار روح الأرض ، فهي عند غوته – حسب تفسير عبد الرحمن بدوي – سوف تعطي (( فاوست صاحباً من الجن وهو مفستوفيلس يكون تحت إمرته وفي خدمته لتحقيق مآربه وتوفير الملذات له واقتياده خلال عالم الشهوات)) (28) ، كما أن ” كونوفشر” ينظر إلى أن مفستوفيلس هو مبعوث لروح الأرض . وإن كان الأمر هكذا فلماذا يبدأ الرهان بين الله والشيطان . اعتماداً على ذلك لا يتضح دور روح الأرض بل يتناقض مع ما تم الاتفاق عليه في بداية المسرحية ؛ لأنه يصور غوته على أنه حافظ على تصور كان قد تخطاه ، فهذا التفسير يصور روح الأرض كمبدأ قروسطي مسيحي يعاكس مفهوم غوته للطبيعة فتبدو روح الأرض منفصلة عن صيرورة الطبيعة ، وتظهر كمبدأ شيطاني – وهذا ضد ما يعتقده غوته – ، ولو قلنا بأنها تم التعامل معها كما ظهر في الافتتاح في السماء لما استطعنا أن نجعل فاوست يستهوي استحضارها ( لأنه كفر باللاهوت ). إن فاوست يعكس نظرة غوته للطبيعة فهذا يتضارب بين ما يعيشه فاوست وبين ما يعيشه مجتمعه ، وهذا هو المقصود ( لاحقاً يظهر في مشهد إيمان فاوست ) (( إن الفكرة المحورية في المفهوم الغوتوي عن الطبيعة هي استقلال الطبيعة عن الإنسان وعن آرائه الأخلاقية وغيرها)) (29) إن ما يعرضه غوته هنا (( هو المطابقة الصوفية المباشرة بين الإنسان والطبيعة بوصفها سعياً بطولياً وعميقاً بشكل مأساوي وراء المعرفة إلا أنه يتخطاها في الوقت نفسه )) (30) كما سيحدث في مشهد الغابة والكهف الذي سندرسه لاحقاً .

    والمهم هنا ، أن روح الأرض هي تجلي خالص للطبيعة ، ولمعرفة سرّها لابد من كثير من التغير فليس هناك من سبيل الآن إلى معرفة كنهها – أو سرها- فلذلك نجد فاوست لا يحاول مرة أخرى استحضارها ؛ حرصاً على أن لا يعاود أذيتها وأذيّة نفسه معها ، وهو خالي الوفاض من الطاقة القادرة على كشف عللها . كان هذا المشهد بداية لنعرف فلسفة فاوست وعلاقته مع الواقع وتعلقه بما هو غير متعارف عليه أي تعارضه مع الفكر السائد في مجتمعه ، لكن هذه العلاقة ستتضح لاحقاً في الجزء الثاني حين يبدأ بالمحاولة -أي محاولة السيطرة على الطبيعة - . إنه بعد أن تذهب روح الأرض قبل دخول فجنر نجد فاوست يتلهب شوقاً لاستحضارها لكنه في الوقت نفسه لا يحاول تكرار العملية لضعفه أمامها، وحين يمتلك أدواته جيداً بعد التدمير الذي سيقوم به في نفسه سيصبح قادراً على بناء علاقة منطقية معها ، ولكن بصورة أخرى ستتضح في المشاهد التالية في الجزء الثاني لفاوست . ونؤكد ما قلناه بما ورد في كتاب أسطورة فاوست “لأندريه دابيزيس” فروح الأرض هي (( هذه الطبيعة التي تموج بالحيوية والتي تنسج ثوب الألوهية النابض بالحياة . لماذا أبعد فاوست ؟ ولماذا لا يستطيع حتى النظر إلى الطبيعة بلا خوف ؟ ترى هل سبب عدم وضوح نظرته أنه ما زال مقيداً بالماضي؟ وهل إن بضع كلمات في ممارسة السحر يشكل له طريقاً سهلاً للغاية في حين أن العيش مع الطبيعة يفترض الالتزام والعمل ؟ )) (أسطورة فاوست – ص /95/ )

     

     

    الحوار بين فاوست و تلميذه فجنر

     

     

    فجنر يمثل الحذلقة في العلم والحرص على التعلم الآلي والاستظهار للكتب المدرسية والمتون ، يؤثر الكلمات المحفوظة والعبارات الفخمة والفصاحة اللغوية على الآراء الشخصية والفهم والابتكار .

    (( وهو على النقيض من فاوست : انه يؤمن إيماناً شديداً بالعلم المودع في صدور الكتب بينما فاوست ، قد ضاق به ذرعاً واستشرف إلى اللانهائي والعلم الحي وهو لايفهم شيئاً من تحليقات أستاذه فاوست)) (31) .

    انه لا يفهم ما يضطرب في نفس فاوست من وجدانات وتطلعات وآلام ، ثم يتم الحديث بينهما ويظهر أن فاوست يتهكم به ويوبخه على احتفاله برنين الألفاظ الطنانة لإقناع الناس ، ويقول له: “انك لن تضم أبداً القلب إلى القلب ، إذا لم تأت كلماتك من القلب ” ، لكن عبثاً ما يحاول فاوست أن يقنع به فجنر ويعاود ويقول له بأن الإقناع قادر على أن يحدث بالعقل والإحساس السليم دون الحاجة إلى الصنعة فلا داع للبحث عن ألفاظ . إن فجنر يبحث عن الينابيع الحقة في العصور السحيقة ويسخر فاوست مما بلغه الإنسان من العلم, فالناس الحاليين عقولهم هي عقول الماضي مجرد سلال للقاذورات ، ينصرف فجنر لأن غداً هو اليوم الأول من عيد الفصح ولا يريد أن يثقل على أستاذه.

    * * *

     

    إن فجنر (( هو النموذج الخالد للعالم المحصور في بطن الكتب ، المتحذلق المتشدق بالكلمات المحفوظة الجوفاء الممتلئ غروراً بما حصّله من علم ميت، الملفق في التفاصيل الجانبية والتفاهات … لكنه في الوقت نفسه تجاه فاوست شديد الإخلاص مملوء بالإعجاب بأستاذه ، وهذا هو ما يخفف من حدة تهكم فاوست عليه ويبعث في النفس إشفاقا عليه )) (32)

    إن غوته يقول في أمثال فجنر : (( انه من واجبنا ألا نخبر غيرنا بأكثر مما في قدرتهم تلقيه فالإنسان لا يفهم إلا ما يناسبه )) (33) .

    ولنتوسع في علاقة فاوست ومفستوفيليس, حيث أن مفستوفيليس يتركز برنامجه بصراحة في قوله: سيأكل التراب ويأكله متلذذاً هنا يبرز وجه مفستوفيليس الحقيقي في أنه (( وجه شعري – يقصد إعادة خلق واقع برؤية خاصة تتبع لشعرية غوته – حي وليس كمجرد تجسيد لمبدأ الشر… إن الأمر الأكثر أهمية بكثير هو تحديد ميدان فعاليته وقوته إن هدفه … هو كسب روح فاوست ؛ إلا أنه في عرضه الملموس لهذا الهدف يتجلى الخروج الإيديولوجي الجذري لغوته عن الأسطورة … تكون المبارزة باطنية بشكل كلي . إن مفستوفيليس لا يمتلك القوة إلا إلى الحد الذي يشكل فيه جانباً من تطور فاوست السيكولوجي – التاريخي الخاص … )) (34)

    إن مفستوفيليس لا يبقى مجرد جزء من ذاتية فاوست بل يصبح وجهاً ذا تقاسيم متميزة ومستقلة ، وهذا إنجاز عظيم من قبل غوته بحيث يخلق منه كياناً له خصوصيته بالرغم من أنه من ذات فاوست .

    لقد صُِفيّ مفستوفيليس من العنصر الشيطاني كشيء يقع خارج النطاق الإنساني , وهو يعلن (( أن طريق فاوست إلى الخلاص أو اللعنة لايعتمد إلا على فاوست نفسه وليس إطلاقا على الشيطان ، أو أية تأثيرات شيطانية )) (35).

    إن فاوست ومفستوفيليس ملحدان فهما ينكران أي عالم آخر ويرتكزان على العالم الأرضي ؛ أي يرفضان العوالم الماورائية .

     

     

     

     

     

    المناجاة الثانية لفاوست

     

    بعد أن سخِرت منه روح الأرض شعر بيأس قاتل فلم يعد يشعر أن هناك وسيلة أخرى يمكن له أن يتبعها ليحقق غاياته إلا الانتحار علّه يجد في الموت سلواه , فها هو ذا يناجي كأس السم:” فيك أجل حكمة بني الإنسان وصناعتهم أنت خلاصة العصارات الرقيقة الجالبة للنوم ,وخلاصة كل قوى الموت اللطيفة اكشفي لسيدك من فضلك! “

    استعد لوداع الحياة ,ويهم برفع القارورة إلى شفتيه وإذا به يسمع قرع النواقيس وإنشاد الجوقات إيذاناً بعيد الفصح , وهذا كان كفيلاً بإبعاد السم عن شفتيه, ويستغرب هذا التأثير القوي للإنشاد وللرنين لكن هذا ربطه مباشرةً بعالم كان راكداً في نفسه فصاح :

    “استمري في الرنين , أيتها الأناشيد السماوية العذبة !

    انبثقت عبرة , والأرض عادت فاستولت عليّ “

    الملائكة تعلن عن النصر الذي حققه على الموت والخطيئة بفضل قيامته .

     

    * * *

     

    يقول عبد الرحمن بدوي : (( عدول فاوست عن تجرع السم والانتحار لمجرد أنه سمع رنين نواقيس عيد الفصح وأناشيد قيامة المسيح – غير مقنع – والمبرر ضعيف لا يليق بمن في مرتبة فاوست علماً وذكاءً وتطلعاً إلى الآفاق العليا .. نعم, إن في هذا التبرير من السذاجة ما يضعف قوة الحبك المسرحي )) (36) .

    وهذا غير صحيح لأنه , أولاً… يبرر لنا إلى حد ما لماذا رفضته روح الأرض وكأني به يعرف سبباً من أسباب رفضها له . هنا يبدأ القارئ -إلى حد ما – بتفسير رفض الروح لفاوست . بمعنى أنك يا فاوست إن أردت روح الأرض أن تقبل بك فلأنك لم تدمر بشكل كامل كل ما يربطك بالأسطورة المسيحية , بالإضافة إلى شروط أخرى لمّا تعلم بها الآن ,قبل أن تباشر في الشرط الأول .

    ثانياً… كان هذا الموقف إيذاناً لفاوست بأن هناك أفكار حاول طيلة عمره أن يميتها لأنها لم تقنعه – نتيجة تطوره العقلاني – ولأنه يؤمن بالطبيعة وهي مراده. فها هي الآن تظهر بعد أن اقتنع بأنها غارت واختفت بتأثير أفكار هو أكثر اقتناعاً بل إيمانا بها – وهذا بالفعل ما جعله يتشجع لاستحضار روح الأرض – انه الآن سيبدأ من جديد بتدميرها لكن كيف؟ إن هذا الذي قال عنه “عبد الرحمن بدوي” بأنه غير مقنع درامياً ؛هو محور درامي لتفسير ما سبق , والتحضير لما سيأتي من تدمير لروح الإقطاع اللصيق بالدين وما يليه.

    نعود لفاوست ولتفكيره بالانتحار . إنه يشك بأن هذه المعرفة التي حصلها (( لم تضعه على صلة بالأشياء بيما (بينما) كان يرغب في أن يعرف بواسطة التجربة Erfahren وفي أن يعيش بنفسه سر الكائنات والحقيقة والطبيعة والسر الإلهي . إن الادعاء الساذج لفاغنر (فجنر ) يمثل تماماً مرحلة المعرفة التي تخطاها فاوست , ذلك لأن المعرفة في نظر فاوست إنما هي الانفتاح على الكائنات أي على كشف … الحياة والطبيعة وكشف الله الذي يصبو إليه كل اندفاعه )) (37), أول صدمة يتلقاها هي من روح الأرض لذلك يفكر بالابتعاد عن العالم الأرضي لأنه شعر ((بالانغلاق مرة والى الأبد في القبر الذي أصبحه عالمه الداخلي )) (38) , فان لم ينتحر فسيقتله انغلاقه لأنه متأكد من أنه دمر أفكار مجتمعه في نفسه – إن كانت دينية أو اجتماعية أو الاثنتين معا – وان بقي في غرفته فان (( قوى عقله إذ تحولت نحو الداخل تحولت ضده وانقلبت إلى سجن له, هو يتطلع متوتراً نحو إيجاد مخرج تفيض منه وفرة حياته الداخلية تعبّر عن نفسها من خلال العمل في العالم الخارجي )) (39) بما أنها -أي حياته الداخلية – تجد صعوبة في الانفتاح على الواقع المتخلف بالنسبة له فيلجأ إلى روح الأرض كي لا يبقى حبيس غرفته فتصدمه فإذاً لامانع من الانتحار فهو (( بدء حياة جديدة تتمثل فيها ظروف مختلفة وغير معروفة كلية , كأن إنسان في منتصف العمر قد ضاق بمهنته في الحياة فأراد أن يعتزلها إلى غيرها , وحل كهذا خطير فهو يعبّر عن عدم الرضا البالغ عن الأشياء كما هي , ولكنه كذلك يعبر عن أمل عظيم . الموت – عند فاوست – مغامرة كأي مغامرة أخرى )) (40) مثل مغامرة استحضار روح الأرض , لكنني لا أوافق على أن مغامرة الموت تعبر عن أمل عظيم لأنها أتت بعد صد روح الأرض له , فالموت لجوء اضطر فاوست إليه بعد خيبة أمله بالمغامرة العظيمة فعلاً ,ألا وهي روح الأرض . فبعد الأمل العظيم جاء الموت كحل بديل ليست له كل هذه العظمة . بالرغم من الغموض الذي يحوي المغامرتين .

    إن الحياة عند فاوست (( تتمثل في المحاولة الدائبة التي ليس لها قرار , الحياة عنده تجدد دائم أو إن شئنا الدقة تغير دائم , وهذا هو المستوى الفلسفي الذي بدأ منه فاوست , والذي انتهى إليه كذلك فالإنسان لايمكن أن يحقق لنفسه سعادة غير تلك السعادة الكامنة في حقيقته , ذلك التغير الدائم الذي يجعل الإنسان في سعي دائب ” ( 41)

    نعود ونذكّر بأهمية مشهد الأجراس الذي سيثبت فلسفة فاوست آنفاً, فأهمية (( مشهد الأجراس بالنسبة لتطور فاوست الشخص – وفاوست المسرحية – تكشف لنا عن أهمية المشروع الرومانسي القائم على التحرر الروحي والنفسي في سياق السيرورة التاريخية لعملية التحديث )) ( 42) هذه الأجراس مثل المشاهد والأحاسيس الطارئة, ولكنها متألقة تعيد الصلة بين فاوست وبين الحياة الدفينة لأيام طفولته . تنفتح بوابات فيضان الذكريات في عقله على مصراعيها فيغدو فاوست غارقاً في أعماق عالم طفولي أجبرته أعوام سن الرشد على نسيانه . لقد بادر فاوست على الانفتاح على البعد الضائع من كيانه ويتواصل معه مما يدفعه إلى قبول الحياة مع العالم الخارجي ليسترجع علاقته مع المجتمع الذي عاش فيه طفولته , وليس هذا إلا تصويراً لصعوبة الهدم بالنسبة للإنسان ككيان نفسي وإيديولوجي فهو يحتاج لوقت ليس بالقصير لذلك نجد فاوست يخرج من غرفته ليعيد التواصل مع أهل حارته ومرضاه لكن صوت المرتلين في عيد الفصح (( إن لم يرجع فاوست إلى الإيمان – وهذا صعب – فأنه على أي حال يرجعه لقبول الحياة )) (43).

     

     

     

     

    النزهة خارج المنزل

     

     

    ننتقل إلى الحياة الواقعية للناس , يوم عيد الفصح وهم يمرحون كلٌ على هواه . فاوست وفجنر وسط هذا الحشد ويأتيهما الجمهور ليلتف حول فاوست احتفاءً به , ويذكر له فلاح عجوز كيف أن أبا فاوست قد أنقذ العديد من المصابين بالوباء الذي أصابهم منذ زمن وكيف أن فاوست قد شارك أباه في هذا العمل الإنساني , عندها يبتعد فاوست عن الحشد هو وفجنر ويفضي فاوست بسر, وهو أن ما كان يقدمه إلى المرضى لم يكن دواء بل كان سماً – يعتبر أن الناس كانوا تجارب لفرضيات الأطباء العلاجية – , يقول : ” وهاأنذا أرى الناس يثنون على سفاحيهم الجسورين ! “

    وما يلبث فاوست أن يستبعد عن نفسه تلك الخواطر السوداء حتى لا ينغّص عليه متعة اللحظة وهو يستشرف ببصره إلى الشمس , وهي تغيب وتحفزه على تخيل نفسه وهو يسير , لا يوقفه لا الجبال ولا البحار , بل يتفتح أمامه البحر بخلجانه الدافئة . يقول :

    ” ما أجمل الحلم والشمس تنحدر للمغيب ! “

    فجنر لا يستهوي هذا الحلم ويؤثر عليه التنقل من كتاب إلى كتاب , فهو لا يشعر بغير هذا الدافع : القراءة وتصفح كتب الآخرين .

    لكن فاوست الذي تتصارعه نفسان يقول :” ألا ليت لي معطفاً سحرياً تحملني إلى الديار الأجنبية !” , ثم يدعو فجنر للعودة إلى المنزل لأن الظلام قد حلّ , لكن فاوست يشغله كلب أسود يشرد في القمح والتبن , ويسأل فجنر : كيف يبدو لك هذا الحيوان ؟ فيجيبه :

    أرى أنه كلب . ويقول فاوست أنه يخيل إليه أن الكلب يجر وراءه دوامة من النار , لكن فجنر لايرى شيئاً .

    لقد صار الكلب قريباً جداً من فاوست ويجيب فجنر أنه كلب وليس شبحاً من الأشباح , وهو ينبح ويحرك ذيله. ويأخذ فاوست بكلام فجنر ويقررانه لاأثرلأي روح , ثم يدخلان المدينة .

     

    * * *

     

    إن الأطباء الذين كانوا يمارسون الطب كمهنة قروسطية تقليدية كانوا يتلمسون العلاج اعتباطاً , وعلى الرغم من أن الناس كانوا يحبونهم فإن فاوست متأكد من أنه , وأباه (( كانوا يقتلون أكثر مما يشفون من الناس وبالتالي فإن الشعور بالذنب الذي كبته فيما مضى يعاوده من جديد . يتذكر فاوست الآن أن السبب الكامن وراء انسحابه من العمل مع الناس وانطلاقه على طريق البحث العلمي الانعزالي … هو التغلب على هذا الإرث الجهنمي المميت , هذا الإرث القائم على القتل )) (44)

    ويهمنا في هذا المشهد ما يخالج فاوست , ففي صدره تتنازع رغبتان (( إحداهما دنيوية تتشبث بالأرض , وتحس بآلام الناس وآمالهم , وتعمل على خلاصهم , والأخرى ملائكية تريد أن تخترق الأجواء وتحلق في السماء لتكتشف أسرار النعيم والشقاء , فأنّى له إذن بالقناعة والرضاء ؟ )) (45) .

     

     

    غرفة الدراسة

     

    يدخل الكلب مع فاوست غرفة مكتبه ويظل يعدو هناك , ويحاول فاوست أن يهدئه ولكن في غير جدوى. ويعود فاوست إلى مناجاة نفسه أمام الكلب ويفكر أن يترجم الإنجيل فيقرأ في الإنجيل الرابع ليوحنا :” في البدء كانت الكلمة ! ” فلا تعجبه كلمة “الكلمة ” فيحاول أن يستبدلها بأكثر من كلمة حتى ينتهي إلى كلمة “الفعل” .

    والكلب مازال يشغله عن الترجمة بنباحه فيطلب منه فاوست الخروج, لكن الكلب تضخم و يتحّور من كائن إلى آخر , وتسمع أصوات لأرواح في الدهليز ثم يُصبح الكائن على هيئة آدمية . ويسأله فاوست عن حقيقة أمره فيجيب مفستوفيلس: ” أنا الروح التي تنكر دائماً ؟ وهذا عن حق , لأن كل ما ينشأ يستحق الفناء , ومن هنا كان من الأفضل ألا ينشأ شيء وهكذا فان كل ما تسمونه “خطيئة ” ,دمار , وبالجملة : شر , هو العنصر الخاص بي ” .

    ويدرك فاوست أن الشيطان “مفستوفيلس” صارت مهمته تدمير الأشياء والأمور الصغيرة بعد أن عجز عن تدمير الكون في جملته . إنه يقابل قوة الخلق الحية بقبضة الشيطان الباردة . يطلب منه فاوست أن ينصرف لكن مفستوفيلس يؤجل المحاولة إلى فرصة أخرى ويقول له فاوست أن في وسعه العودة لزيارته كما يشاء . وبعد حديث قصير بينهما يعجب فاوست بحديثه فيطلب منه البقاء وبعد أن يعرض مفستوفيلس ألاعيبه السحرية على فاوست , يشعر فاوست بالنعاس فيخرج مفستوفيلس من غرفة فاوست , ويعده بالعودة .

    في المشهد الثاني يعود مفستوفيلس لزيارة فاوست كما وعد وهو في ثوب أحمر مطرز بالذهب ويرى فاوست يائساً , لأنه لا يحقق أمانيه والأيام تمر عليه بلا جدوى , فالوجود صار عبءً ثقيلاً والحياة كريهة لذا صار يرحب بالموت , وهنا يتهكم مفستوفيلس عليه بخبث لأنه حاول الانتحار وانصرف عنه لشيء تافه هو سماعه لأصوات النواقيس, فيعتذر فاوست بأن ما بقي فيه من تقوى صبيانية هو الذي صرفه عن ذلك , ويأخذ في صب اللعنات على حسن ظن العقل بنفسه , وعلى الأوهام التي تفرض نفسها على حواسنا والأرض والزوجة والخمر والأمل والصبر… الخ

    ثم يُسمع صوت أرواح تدعوه إلى حياة جديدة ومفستوفيلس خادماً له وتابعاً.

    يدرك فاوست ما في هذه الدعوة من خداع وتغرير ؛ فيطلب من مفستوفيليس أن يذكر شروطه بوضوح , فيجيبه مفستوفيلس أنه يتعهد بخدمة فاوست في هذه الدنيا , مقابل أن يخدمه فاوست في الآخرة . في البداية لا يحفل فاوست بجوابه لأنه لا يحفل بالآخرة , وينتهي بهما الحوار إلى تعهد فاوست بالالتزام بما يطلبه مفستوفيلس من شروط , ويطالبه هذا بتحرير هذا التعهد كتابة على قصاصة من الورق موقعّة بقطرة من دمه ,

    بعدها يدعوه مفستوفيلس إلى البدء على الفور لأن ” الزمان قصير والصناعة طويلة” .

    يجيء طالب علم جوال إلى فاوست ليأخذ العلم لكن فاوست يرفض لقائه فيتولى مفستوفيلس علاج الأمر , فيلبس ثوب فاوست ويأخذ مفستوفيلس في نصحه في دراسة المنطق ثم الميتافيزيقيا , وهكذا إلى أن ينصحه بكيفية معالجة شؤون النساء, ويفرح الطالب بهذه النصائح التي تلائم هواه ثم يدخل فاوست ويتفق مع مفستوفيلس على البدء بمشاهدة العالم الصغير , وبعد ذلك العالم الكبير .

     

    * * *

     

    ( إن مفستوفيلس يسخر من المنطق لأنه يستبعد التفكير الطبيعي , ومن الميتافيزيقيا لأنها تستبدل بالكائنات الطبيعية كائنات عقلية , ومن القانون لأنه بدلاً من القانون الطبيعي يفرض القانون الوضعي الاصطلاحي , ومن اللاهوت لأنه يعد التفكير الطبيعي كفراً وضلالاً , ومن الطب لأن فيه شعوذة , والشعوذة تحتاج لمجاملات وجرأة في الادعاء , و ما فيه من سهولة في الوصول إلى معاشرة النساء بحجة الكشف الطبي)(46).

    هذه مشاهد غرفة الدراسة حيث سندرس فيها موضوعة الشيطان مفستوفيلس مع فاوست وجملتي : “في البدء كان الفعل!” , و”تلبثي, فأنت رائعة الجمال” .

    أولاً … لا ننسى أن الطريق إلى الجنة مرصوف بالنوايا الشريرة …

    إن صلب الفكرة (( يدور حول الإنسان وتعطشه إلى المعرفة والحرية حتى لو تحالف في سبيل تحقيق هدفه مع الشيطان , ومدى تعارض ذلك مع حقائق الأديان بل علوم الطب والفلسفة أو مواءمته للشعوذة و السحر )) ( 47) .

    تتركز مهمة مفستوفيلس على (( تجسيد الوجه المظلم , ليس فقط للإبداع بل للألوهية والقداسة نفسها )) (48).

    إن الشيطاني في مفستوفيلس (( هو سخريته المرّة وألاعيبه العجيبة وتهكمه بكل شيء في الخلق , والشك في قيمة كل شيء وازدراؤه لمساعي الإنسان)) (49), إنه كان يتجسس على فاوست مباشرة أو عن طريق أعوانه فهو تحدى الرب على فاوست , وهذا يؤكد عدم حاجة مفستوفيلس لأن يخدع فاوست بالكلمات لأن فاوست نفسه كان على استعداد تام للارتماء في أحضان الشيطان بدليل ممارسته للسحر . إن الشيطان ((لا يتجسس على فاوست ولا يستغل ضعفه ليدخل عليه , ويعرض عليه المساعدة وإنما فاوست إذ يصيبه اليأس والملل من الحياة التي يعيشها والمعرفة التي لا تروي له غلة , ولا تحل له مشكلاته المادية أو الروحية يتجه إلى السحر )) (50) , (( فاوست لا يبيع روحه بغير شروط فهو لا يوافق على أن يُقذف به في الجحيم إلا أن أراه مفيستوفيليس (مفستوفيلس) لذة فيها من الإشباع الدائم له ما يحبب له معايشتها إلى الأبد ))(51) ؛ إذ لايمكن تطوير القوى البشرية (( إلا عبر ما أطلق عليه ماركس اسم” قوى العالم السفلي “(القوى الجهنمية)تلك الطاقات الظلامية المرعبة , التي قد تفلت بقواها الهائلة غير القابلة لأن تخضع لأية سيطرة إنسانية )) (52) ، ففاوست سيعتمد على مفستوفيلس في كل ما سيجري في الجزء الأول حيث سيكون فعالاً بشكل كلي , أما في نهاية الجزء الثاني سيحاول فاوست التخلص من قوى الشر لكنه لا يقدر… !

     

    كان فاوست (( تواقاً إلى استغلال منابع سائر أشكال الإبداع والخلق ,غير أنه الآن يجد نفسه وجهاً لوجه أمام قوة التدمير بدلاً من ذلك , تغوص المفارقات إلى ما هو أعمق من ذلك : لن يكون قادراً على خلق أي شيء ما لم يكن مستعداً للتخلي عن كل شيء للقبول بحقيقة أن كل ما تم خلقه حتى الآن – بل وكل ما من شأنه أن يخلق في المستقبل من قبله- لابد من أن يتعرض للتدمير في سبيل تمهيد الطريق المؤدي إلى المزيد من الخلق )) (53) , فالتعطش الشيطاني للتدمير مثله مثل إرادة الله وفعله الإبداعيين اللذين يكونان مدمرين …يكفي أن يتعاون فاوست مع هذه القوى المدمرة ويمارس نشاطه من خلالها حتى يتمكن من خلق أي شيء في العالم . لكن فاوست يستطيع (( تحطيم كل عالم آخر , وتركيز الحركة بشكل جذري على الصعيد الأرضي … إن المقاطع الشعرية الرائعة التي وضعها غوته على لسان الشيطان تبين جوهره , بكونه الجشع المكشوف إلى الذهب والرغبة الجنسية المكشوفة . إن السعي وراء هذين “الإلهين الأعليين ” يؤلف حكمة الشيطان أي الاكتمال الخالص والمطلق لما شخّصه مفيستوفيليس(مفستوفيلس) … انه أكثر روحانية من الشيطان , ويجب عليه أن يرفع المبادئ الشيطانية إلى مستوى عال روحياً , ويمجدها لكي يصل إلى ميدان مشترك للعمل مع فاوست لكي يتوصل وإن كان ذلك بصورة خارجية على الأغلب إلى مشاكل فاوست الباطنية , بهذه الطريقة وحدها يمكن للمبدأ المفيستوفلي أن يصبح قوة محركة في ذاتية فاوست (وغوته) نفسها)) (54) .

    نجد في نهاية المسرحية ” أنهما – فاوست ومفستوفيلس- يوافقان معاً على الرهان , إلا أن كلاً منهما يفهم معنى مختلفاً تماماً للكلمات نفسها )) (55) إلا أن فاوست في المسرحية بكاملها قد عّبر(( في مواقف عدة عن موجتي الإلحاد والرومنتيكية اللتين اشتركتا في تكوين شخصيته)) (56) .

     

    ” في الـبـــــــدء . . . كـــــــــان الفعل “

    ******************************************************************

    يقول عبد الرحمن بدوي :

    (( الكلمة لايمكن أن تكون هي الأولى لأنها تفترض المعنى , أو الفكرة مقدماً , إذ هي مجرد تعبير صوتي عن الفكر والمعنى , والفكر هو الآخر ليس بشيء بدون القوة , التي تحقق الفكر, والقوة لا تنكشف إلا بالفعل, لهذا فإن الأول في الوجود هو الفعل )) (57) .

    ويقول أيضاً : (( ما أبعد هذا عن مقصود يوحنا الإنجيلي ! إن هذا أراد بالكلمة : المسيح بوصفه مخلص العالم ونور العالم وحياته )) (58) .

    لكن الإنجيل يورد في نفس المكان بعد بضع آيات : (( /9/ كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتياً إلى العالم /10/ كان في العالم وكوّن العالم به ولم يعرفه العالم “(59) , فليس كلمة فقط بل فعل لكنه كان بداية كلاماً ثم صار فعلاً كما يرد في الآية :

    (( والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً…)) (60) , فالمسيح ليس كلمة , بل فعل أيضاً , لكن هذا الفعل بعيد عن مقصد غوته الذي يريده من هذه الجملة . قال غوته :

    (( نحن نجد الحقيقة في الفعل أكثر مما نجدها في الفكر وينبغي أن يكون الفكر أداة العمل لابديلاً عنه ))(61) , ويقول هيغل (( كينونة الإنسان الحقيقية , هي بالأحرى فعله))(62) .

    ويشرح جان بول سارتر كنه الفعل بما يلي : (( إن الفعل هو من حيث المبدأ ذو قصد … والتوافق بين النتيجة والقصد [ النية] كاف ها هنا كي نستطيع التحدث عن فعل لكن إذا كان لابد أن يكون الأمر هكذا فإننا نشاهد أن الفعل يتضمن بالضرورة كشرط له الإقرار بأمر منشود أي بنقص موضوعي أو سلبية … ” (63 ) والمقصود بنقص هو بقاء النتيجة مغيبة بشكل جزئي أي غير معروفة تماماً . إن سارتر هو الذي استبدل جملة ديكارت حيث قال : أنا أفعل إذا أنا موجود. انطلاقاً من أن الوجود لا يكون وجوداً

    إلا بفعله. يقول جورج لوكاش : ” إن نتيجة الفعل الإنساني هي دائماً مختلفة موضوعياً عما كان ينويه البشر في وجدانهم إن حركة المجتمع الإنساني وتطوره ينطلقان من عواطف الأفراد إلا أن نتائجهما تتخطى الأفراد وتجعل البشر الفاعلين خاضعين لعواقب أفعالهم الخاصة وهذا المفهوم يتخلل هيكل فاوست برمته” (64)

    وهو يوضح أن العاطفة جزء من الطبيعة وليست مرادف فالتحكم بالعاطفة يفترض جزئياً التحكم بالطبيعة ولكن هذا لا يعني قمعها بشكل زهدي متقشف .

    يقول مارشال بيرمان :

    الفعل الأول لخلق العالم يجعل فاوست يعلن عن “استعداده لاعادة تكريس حياته على أفعال دنيوية خلاّقة “(65) ومعنى نبوءة فاوست الجديدة التي تمكنه من تقليد الله الذي يتصوره .

    يقول أندره دابيزيس :

    ” يشرع في نقل الفصل الأول من رؤيا القديس يوحنا إلى لغته هو – أي فاوست –

    فإذا لم يكن في نظره تعريف الإله بأنه /الكلمة/ بل أنه /العمل/ فهذا ما ينم عن الرؤية الرومانسية ويصبح التفاوت خطراً حينما تقرأ أجيال المستقبل هنا عند غوته إنكار العقل والذكاء وذلك باسم /دينامية/ محضة عمياء…” (66) ومن قال بأن العمل أو الفعل هو بعيد ومعزول عن العقل . كيف يمكن للعمل أن يتم بعماء. إذا كان غوته في زمنه يقول ذلك فكيف سيكون رد أجيال المستقبل وهم سيأتون بعد غوته بكثير , بالتأكيد سيكون فهمهم أكثر وعياً لغوته الذي لايقصد بالعمل الدينامية العمياء لأن فاوست متطور ذهنياً إلى درجة تسمح لهم بالعمل انطلاقاً من العمل … وهذا ما حدث فعلاً ! لاأقصد بالعمل دون عقل الأفعال اللاواعية بقدر ما أقصد الأفعال التي تحتضن القصد الواعي ويغيب عنها تأكيد كينونة النتيجة وهذا مشروع إنساني.

    أخيراً . نحن نعلم أن معنى كلمة فعل هي عمل (67) والفعل هو العمل فحين يذكر فاوست: “في البدء كان الفعل” فهو بذلك يشمل الكلام والفكر والاعتقاد وكل شيء يثبت الوجود. لأنه ما من فعل إلا ويتضمن فكراً يقوده حتى الطفل الذي تبدأ علاقته مع الأشياء هي علاقة فعل يستند إلى فكر هو فكر الطفل, فكيف فاوست الذي قام بالفعل الذهني وحان الوقت للقيام بالفعل العملي التطبيقي المنتج حسياً والملموس.

    إن الفعل هو البادئ أبداً إن كان كلمة أو عملاً آخراً . فحتى غوته نفسه هو الذي قدم مسرحية مكتوبة كلاماً يقصد بها الفعل… لكن أن تصير الكلمة فعلاً أكثر فاعلية هذا هو الأهم …حين أقول في البدء كان الفعل فأنا أقصد كل شيء … وبالتالي فان غوته لم يقدم شيئاً جديداً لأنه فعلاً حوّل الكلمة إلى الفعل لأن كلمة الفعل تتضمن الكلمة فالكلمة جزء من الفعل والفعل هو المطلق والأكثر شمولاً . أما قصدية الفعل فهي واضحة طيلة العمل في المسرحية وغياب هذه النتيجة التي ينويها فاوست تؤكد على ما قاله سارتر في كتابه

    ” الوجود والعدم ” إن فاوست يرغب بأرض حرّة وشعب حر لكن هذا صعب المنال وصعب التحقيق والأهم هو العمل نحو تحقيق هذا الحلم وبمواصلة السعي ” الفعل ” .

    إن غوته يذكر على لسان فاوست ما يخطط له فاوست الذي يعتمد على معنىً من معاني الفعل ألا وهي الإنتاج والعمل التطبيقي الذي يعود بالفائدة على النوع الانساني يقصد فاوست الاعتماد على خلق قوة محركة ديناميكية تنتج. وبالتالي فان غوته حول جملة الانجيل لتلائم تطلعات فاوست لأن الانجيل أيضاً يؤكد على تحول الكلمة الى فعل في الآية :”والكلمة صار جسداً” فهذا شيء يتفق عليه الجميع . ان الفعل هو الأكثر شمولية فهو يضم الكلمة .

    ومهما كل الفعل يفتقد الفكر فهو يحوي فكراً يتناسب مع الفعل مثل مثال الطفل الذي ذكرناه . أما بدء خلق الكون باعتباره كان فعلاً فهو تسبقه فكرة عفوية تم تطويرها مع الزمن فتطور معها الفعل وتطور خلق الكون ان كان بتدميره أو اعادة خلقه .

    وهذا نراه في الفكر العفوي التي أتت لفاوست حين فكّر باخضاع قوانين الطبيعة قدر الامكان لخدمة تطويره الانساني الفعّال , حيث تطورت الفكرة فتطور الفعل في المباشرة في البناء واستغلال حتى أمواج البحر والطاقة التي تخزنها.

    ختاماً . أوضح أن هناك فعلاً ذهنياً يتخذ صفة الفكر وفعلاً يتخذ صفة الكلام وفعلاً عملياً يتخذ صفة الديناميكية . فالفعل هو البادئ لكنه يتخذ صوراً عدة ولاأستطرد اذا ذكرت أن ماركس اعتمد على مقولة في البدء كان الفعل في كتابه رأس المال حيث قال :

    ” في هذا الوضع الحرج يحاكم أصحابنا مالكو البضائع على غرار فاوست :/في البداية كان الفعل/ وهم قد فعلوا الفعل قبل أن يشرعوا في المحاكمة “(68)

    كان هذا في فصل عملية التبادل التي ينتهي بها الى صيغة النقد

    ( المعادل الخاص والمعادل العام ) حيث أنه لايستطيع كل من مالكي البضائع العمل الا عن طريق الفعل الارادي الواحد المشترك لهما فهو يستأثر ببضاعة الغبر متخلياً عن بضاعته هو في علاقة حقوقية عن طريق العقد ويتحول بعد ذلك كل هذا الفعل الى صيغة نهائية تتخذ شكل معادل عام فمنتجات العمل تتحول الى بضائع وهذه بالتالي تتحول الى قيمة يحققها النقد هي القيمة الاستعمالية (هي الحاجة لاعطاء تعبير خارجي من أجل التداول )

     

    ” تلبّثي , فأنت رائعة الجمال…”

     

    يقول فاوست لمفستوفيليس :

    اذا قلت لأي ة لحظة : ” تلبثي, فأنت رائعة الجمال…” ففي وسعك حينئذ أن تقيدني في الأصفاد وبودي حينئذ أن يدركني الموت “

    يؤكدها ” لأنه يريد أن يجرب الالهي في الأرض وأن يبحث عن المطلق في ” الهنا ” وعن الأبدي في الآن ولكنه ينفيها في الوقت نفسه لأنه يشعر تماماً بل يعلم ذلك ويعيه ويعبر عنه كثيراً .

    ان الالهي سيظل ممتنعاً على الأرض وأن المطلق الأبدي الكامل لن يتجلى بكليته لافي “الهنا” و”الآن” ولا في أي شيء جزئي لأن أقصى ما يمكن أن نلقاه منه – اذا واتانا الحظ أو ساعدتنا النعمة والصدفة – هو الانعكاس الباهت من فيض نوره الأسمى في شيء أو موقف أو حدثجزئي زائل (69) لعل هذه اللحظة التي لا يمكن قياسها بمقاييس زماننا الدنيوي الذي نشقى به أو يشقى بنا من المولد الى الممات لعلها تكون هي سر ذلك السر الذي يمكن أن يكون أحد المفاتيح الهامة للدخول الى عالم فاوست فهو يضع شرط الرهان بحيث أنه حين يتوقف عن الفعل تماماً فليكون من نصيبه ولذلك فهو يجاهد الى انكار وصوله الى هذه اللحظة حتى يبقى على ايمانه بالفعل الدائم المطوّر وهذا من هجرانه لغريتشن الى مقاومته “للهم” وبقائه على الفعل حتى بعد أن فقد بصره… ان هذه اللحظة ليست ” لحظة المتعة الحسية

    التي تنكّر لها فاوست حيث أنه من البداية يقر بعدم انخداعه بالمتع واللذات الحسية ” (70) بعد ذلك تبدأ مسيرة فاوست ومفستوفيليس في العالم الصغير… دنيا العاديين من الناس في حياتهم المدنية .

     

     

    حانة آورباخ

     

    نبدأ بذكر رسالة مفستوفيليس حيث أنها لاتتركز ” على لوم المرء لذاته جراء الحوادث العارضة في عملية الخلق الالهية فتستطيع أن تلقي عن كاهلك شعورك بالذنب وأن تتحرك بحرية . لن تعود مضطراً لأن تتردد ازاء السؤال الأخلاقي الذي يقول : هل يتوجب عليّ أن أفعل هذا؟ فعلى الطريق المفتوح لسيرورة التطور الذاتي يبقى السؤال الحيوي الحاسم الوحيد متركزاً على : كيف أفعل هذا؟ كبداية سيتولى مفيستو(مفستوفيليس) مهمة ارشاد فاوست الى كيفية العمل وفيما بعد,

    بعد أن يكون البطل قد عاش ونما فانه سيكون قد تعلم الطريقة وكيفية التصرف وحده. ما السبيل ؟ ” ( 71 )

    تؤدي هذه الرحلة الأولى الى ليتبسك حيث يعرض لنا جيته حياة الطلاب الجامعيين طلبة معربدونسكارى, مشهد صاخب فج سرعان ما يشمئز منه فاوست ويعتبر هذا المشهد يدل على ” قطع الفروع الميتة وتغذية البراعم الجائعة وهذه الفلسفة – كما يقول كنت – فلسفة تطهيرية فهي تطهر وتحرر ومقصود بها الى أن تجعلنا نبدأ من جديد ونبدأ بدأً سليماً واذن فلينكر فاوست كل تلك المعرفة التحصيلية ولينخرط في تجربته الذاتية ليعرف الحقيقة من خلالها ولينكر مع تلك المعرفة كل فكرة خارجية وكل نظام متعال وكل نظرية اسمية ” (72 )

    هنا تبدأ مع فاوست مرحلة التجربة , تجربة كل شيء التي تبدأ في الحانة حيث ” يسعى جاهداً من أجل تحقيق نوع من الاتصال مع العالم الذي سيكون أكثر امتلاءً بالحياة مع العالم الذي سيكون أكثر اباحية وأكثف نشاطاً في الوقت نفسه ” (73 )

    وهذا بالطبع بتأثير مفستوفيليس كي تنتهي مأساته السابقة ” بتكريس يأسه وذلك بارجاعه هو وعدم رضاه الى مستوى أدى الى مستوى غريزة الحياة والتمتع ” ( 74 )

     

    مطبخ الساحرات

     

    ان فاوست الآن في حوالي الخمسين من عمره . أدرك مفستوفيليس ضرورة تغيير المزاج البدني لفاوست حتى يستطيع أن يفرح باللذات العنيفة فكان لابد له من اعادة الشباب الى جسم فاوست الهرم وهنا نجد عند الساحرة الشراب الكفيل برجوع الشيخ الى صباه والمشهد غريب الملامح يثير الاشمئزاز . منظر مطبخ الساحرة يثير في نفس فاوست الغثيان وبعد حين يرى في المرآة عند الساحرة امرأة رائعة الجمال فيتشوق اليها ويبادره مفستوفيلس بأن في وسعه أن يدبر له فتاة رائعة الجمال .

    وبعدها تبدأ الساحرة بعملها الى أن يتحول فاوست الى شاب وسيم .

    ان فاوست وسيلته وغايته تكمن في المغامرة وهو يؤمن بأن “تجربتنا هي سبيلنا الوحيد الى الحقيقة ” ( 75 ) أما السحر فقد استخدمه مفيستو ” ليعيد الشباب الى فاوست واتخدمه في الذهاب بفاوست الى ليلة والبورغ ( ليلة فالبورج ) حيث احتفال السحرة والشياطين السنوي لينسيه ما ارتكب من جرائم في حق مارجريت وأمها وأخيها ثم استخدم مفيستو السحر أيضاً في استحضار روح باريس وهيلانة أمام الامبراطور في الجزء الثاني من المأساة … وهكذا .

    غير أن هذا لايلهينا عن طبيعة استخدام جوته لهذه العناصر فجوته لم يورط مفيستو في استخدام قدرته السحرية في تغيير طبيعة فاوست أو حتى في تغيير طبيعة الوقف الذي يعيشه . ان فاوست يتصرف بمحض ارادته ويقوم بالفعل الذي يختاره في كل موقف حتى ليمكن القول أن العناصر السحرية في ” فاوست ” لم تقم الا بدور ثانوي تماماً بل يمكن النظر اليها على أنها عناصر رمزية خالصة ان جوته استبقى هذه العناصر الخرافية في العمل – كما يقول كارليل – بوعي من جانبه ومن جانبنا , أنه وهم ” ( 76 )

    اسطورة فاوست تصور الشيطان على أنه ملجأ الانسان حزبته أمور السحر والشعوذة والملاذ الحسية الدنيئة وأنه يتقاضى ثمنه من الصحية هرطقة وتجديفاً في حق الله وينتهي بروحه الى الجحيم وهذا بالضبط ما حدث لفاوست ] … [ فقد لجأ الى المعرفة الشيطانية بعد أن رفض الحدود القائمة التي تحد المعرفة البشرية , وتجعلها قاصرة عن الوفاء

    بحاجة العقول المتطلعة دوماً الى المعرفة الشاملة , ذكر في مجلة الفصول أن "من الطبيعي أن يسقط فاوست- نتيجة هذا التطلع غير المشروع – سقوطاً مدوياً , يصبح عبرة لكل من تسول له نفسه مجاوزة الحدود التي رسمها الرب للمعرفة البشرية ومن ثم للأخلاق والسلوك " (77)

    وهذا الكلام غير صحيح نهائياً لأن الرب في المسرحية ينقذ فاوست حين يرسل الملائكة لأخذه . ان غوته يؤكد الفكرة التي ينكرها كاتب هذه المقالة

    وزيادة في دحض هذا القول نؤكد أن فاوست خلال عمله مع الشيطان يتطور و" يحس فاوست بادئ ذي بدء بقواه الجديدة بوصفها طاقات جنسية فالحياة الجنسية هي الدائرة التي يتعلم فيها فاوست للمرة الأولى كيف يعيش ويتصرف وبعد فترة قصيرة من مرافقته لمفيستو يصبح فاوست مشعاً ومثيراً . بعض التغييرات تتحقق من خلال عوامل مساعدة اصطناعية مثل الملابس الأنيقة الزاهية ]بدل الكتب والمعدات[ “(78) ويذكر د. نبيل حفارفي دراسته أن مفيستو يقوم بوظيفة العنصر المحرك

    ” الذي ينوي الشر لكنه يدفع بالخير العام نحو الأمام , وهو يرى أن مبدأي الخير والشر متواجدان بالذات الانسانية وفي حالة تناقض دائم والانسان هو من يحسم القرار الى جانب أحد المبدأين ” (79 )

    -“هكذا حرر فاوست نفسه من كل الأفكار والنظريات التقليدية ونفى من عقله كل معرفة لم يحصلها من خلال التجربة ثم تجدرد لمنهجه الانساني الجديد لمنهجه التجريبي في الحياة ” ( 80 ) وهكذا نجد في مطبخ الساحرات وحانة آورباخ أن مفستوفيليس هو الدليل في حين أن فاوست مراقب مستمتع أحياناً وضجر أحياناً أخرى .

     

     

     

     

     

     

    مأســـــاة غريتشن ( مارجريت )

     

    أ – الغرام

    ( في الشارع – المساء – نزهة – بيت الجارة – شارع – حديقة – كوخ في حديقة )

     

     

    ها هو ذا فاوست قد استعاد شبابه وصار مثل فتى في سن العشرين .

    وأي تجربة حية في سن العشرين أجمل وأعمق من الحب ! لهذا كرس جيته للحب المشلهد الباقية من ” فاوست ” الأول- باستثناء مشهد مقحم هو “ليلة فالبورج ” .

    أما المحبوبة فهي جرتشن Gretchen , وهي فتاة ساذجة من الطبقة الوسطى الدنيا , تعيش مع أمها , ولها أخ جندي .

    وأزل مشاهد هذه المأساة كان في الشارع , حين أبصر فاوست جرتشن وهي خارجة لتوها من الكاتدرائية حيث كانت تحضر قداساً . وما يراها فاوست حتى يفتن بها , ويعدو ورائها في وضح النهار ويصفها ب”الأنسة الجميلة ” ويعرض عليها أن يمسك ذراعها ويصحبها الى بيتها

    فترد عليه بأنها ليست “آنسة ” ,وليست “جميلة”و وتريد أن تعود وحدها الى بيتها, وتتخلص منه وتمضي لشأنها. فيزداد فاوست تعلقاً بها, ويندفع في وصف حار لمفاتنها : الشفاه الحمر, والخدود النضرة , والعيون التي أغضت حياء وعفة , وسرعة بديهتها في الجواب !

    ويدخل مفستوفيلس فيأمره فاوست بتمكينه من هذه الفتاة التي مرت منذ قليل . فيحاول مفستوفيلس كبح جماحه واقناعه بأن هذا النوع من الفتيات يحتاج الى وقت طويل للظفر به . فيقنع فاوست بأن يزوده مفستوفيلس بأي شيء من أشيائها : المنديل الذي يغطي صدرها , أو رابطة الساق .

    فيعده مفستوفيلس باقتياده الى مخدعها , في الوقت الذي تكون هي فيه عند جارتها, وفي غرفتها يستطيع أن يستنشق الجو الذي تستروحه .

    لكننا نشاهد أولاً جرتشن وحدها في غرفتها وهي تضفر غدائرها , وتذكر

    ذلك السيد ذا الطلعة الجميلة الذي غازلها . ثم تخرج , ويدخل الغرفة مفستوفيلس وفاوست بهدوء . وبعد لحظة يتركه مفستوفيلس وحده في الغرفة , وينشئ في مناجاة جميلة وثناء عاطر على الغرفة وصاحبتها . ثم يعود مفستوفيلس حاملاً معه صندوقاً فيه حلي نفيسة , هدية لجرتشن .

    ثم يخرجان وتدخل جرتشن (مرجريت) وفي بدنها تسري قشعريرة وتشرع في خلع ملابسها وهي تغني وتفتح الصوان لتضع فيه ملابسها , واذا بها تشاهد الصندوق فيأخذها العجب من وجوده هنا . وتفتحه فتجد فيه نفائس الحلي التي لم تشاهد مثلها من قبل : سلسلة, وأقراط , وخواتم … الخ.

    فتلبسها وتتطلع الى المرآة فتتيه عجباً بما تضفيه عليها هذه الحلي من فتنة وجمال .

    لكن هذه الحلي الثمينة يبتلعها القسيس. لكن الأم , أمجرتشن, بتقواها الساذجة قد أخبرت القسيس بأنها وجدت صندوقاً من الحلي في صوانها , ولاتدري من أين جاء ومن جاء به وتخشى أن تكون /والاً حراماً تترتب عنها خطيئة . فيهتبل القسيس هذه الفرصة ,

    فيطلب فاوست من مفستوفيلس أن يعوض الفتاة عما التهمه القسيس ويأتيها بحلي أخرى . ويسخر مفستوفيلس من هذا العاشق الولهان الذي يريد الحصول على الشمس والقمر والنجوم لتتلهى بها حبيبته .

    يدخل مفستوفيلس ليتخذ من مارتا وسيلة للوصول الى جارتها جرتشن

    ويبدو أن هذه قد أخبرتها بخبر صندوق الحلي الأول , وها هي ذي قد جاءت لتخبرها بنبأ عثورها في صوان ملابسها على صندوق آخر بعد ذلك الذي ابتلعه القسيس والكنيسة . فتنصحها مارتا بعدم اخبار أمها بهذا الخبر , وبأن تودع عندها هي هذا الصندوق الجديد وتأتي بين الحين والحين لكي تستمتع بلبس الحلي ,

    يدخل مفستوفيلس ليخبرها بخبر وفاة زوجها مثقلاً بالديون, مخطئاً في حق زوجته وقائلاً أنها كانت أكثر منه أخطاء فتغضب مارتا . لكن مفستوفيلس يستمر في روايته الشائقة فيزعم أن زوجها جمع مالاً, لكنه أضاعه في حب فتاة من نابلي .

    فوقع في الفقر والشقاء. فتثور مارتا على زوجها مرة أخرى. وينصحها مفستوفيلس بأن تلبس الحداد على زوجها الميت لمدة عام, بعده تحاول الحصول على صديق . لكن مارتا تريد وثيقة رسمية بوفاة زوجها. فيتخلص مفستوفيلس من هذه المشكلة بأن يقول أن شاهدين اثنين يكفيان, وسآتي برفيق ممتاز وأمثل معه أمام القاضي للادلاء بالشهادة على وفاة الزوج. ويلتمس من جرتشن أن تكون حاضرة في الموعد والمكان المحددين للقاء, أعني في حديقة مارتا الواقعة خلف منزلها .

    وفي الشارع ينبئ مفستوفيلس فاوست بما دبر للقاء بين فاوست ومرجريت (جرتشن ) في حديقة مارتاجهة نظره المتحررة – فاوست بذراعه مرجريت,

    ومارتا مع مفستوفيلس يتريضون طولاً وعرضاً في الحديقة الواقعة خلف بيت مارتا.

    يثني فاوست على تواضعها وبساطتها وبراءتها العالية, فتزداد هي خجلاً,

    وتتحدث عن بيتها البسيط وأعمالها المنزلية المستمرة ويتواصل الغزل بين الاشقين الجديدين مرة أخرى في كوخ حديقة مارتا تتوثق معه العلاقة الجديدة بحيث لم يعد بعد هناك حاجة الى وساطة مارتا وتشعر مرجريت بضآلة نفسها أمام هذا الرجل الذي يحفل رأسه بهذا القدر من العلم.

    ( بدأنا مع فاوست وهو مبتعد فكرياً عن العالم التقليدي الذي نشأ فيه, ولكنه أسير لهذا العالم على الصعيد المادي. وبعد ذلك, عبر وساطة مفيستو وأمواله صار قادراً على أن يصبح, من الناحيتين المادية والروحية, حراً. انه الأن يتحرر تحرراً واضحاً من ” العالم الصغير” ؛

    يستطيع أن يود اليه كزائر غريب, يستطيع أن يستعرضه ككل من وجهة نظره المتحررة –فيقع- وياللمفارقة ! في حبه. تصعقه جرتشن- تلك الفتاة الصغيرة التي تصبح صاحبة فاوست الأولى أولاً, عشيقته الأولى بعد ذلك, وضحيته الأولى آخر الأمر- بوصفها رمزاً لكل ما هو جميل ورائع في العالم الذي هجره ففقده قبل كل شيء. يغدو فاوست أسيراً لسحر براءتها الطفولية, لبساطتها النابعة من انتمائها الى بلدة صغيرة,

    لتواضعها المسيحي . غير أن أنشودة فاوست الافضحة الاباحية القائمة على اشباع الغريزة الجنسية عن طريق النظر الى عملية ممارسة الجنس أو تخيلها هي أنشودة غير مريحة بل ولا تطاق بالنسبة لنا لأننا نعلم- وان كان هو نفسه لا يستطيع أن يعرف من الآن- أن ولعه بغرفتها بالذات هو جزء من مؤامرة ضد تلك الغرفة, هو الخطوة الأولى من سيرورة محكومة بأن تدميرها؛ لايكون التدمير بسبب أي سوء نية لدى فاوست : كل ما في الأمر هو أن فاوست لن يتمكن من كسب حبها أو من التعبير عن حبه هو الا عبر سحق مملكتها الآمنة الهادئة والمسالمة. ومن جهة أخرى, ما كان فاوست ليستطيع أن يقلب عالمها رأساً على عقب لو كانت هي مستقرة حيث هي باطمئنان كما يظن. سوف نرى أن غريشن هنا قلقة مثلها مثل فاوست في مكتبه, وان كانت تفتقر الى المفردات اللازمة للتعبير عن سخطها واستيائها الى أن يأتي هو ليلتقي بها. لو كان هذا القلق الداخلي غائباً لاستعصت غريشن على فاوست؛ لما استطاع الأخير أن يقدم لها شيئاً. ما كانت قصة حبهما المأساوية لتتطور لو لم يكونا روحين قريبتين احداهما من الأخرى منذ البداية. ) (81)

    ان فاوست بعد حياة قامت على الانطواء الذاتي متزايد الضيق يجد نفسه فجأة وقد أصبح مهتماً بالناس الآخرين حساساً ازاء ما يشعرون به و ما يحتاجون إليه مستعداً ليس فقط للجنس بل و للحب أيضاً . يقول كيركجارد : (( تكتسب العاطفة أهمية بالنسبة إليه بعد أن يترك حياته السابقة لكن إدراكه لهذه الخسارة لايزول بل يستمر في الوجود و لهذا السبب لا يبحث في العاطفة عن السعادة بل عن السلوان و لأن روحه تظل في اضطراب دائم يلوذ بالحب ليس إيماناً به بل لأنه فيه عنصراً واقعياً للزمن يمكنه من اقتناص لحظة هدوء وراحة تبثه النشاط فيتحول انتباهه عن حقارة الشك ))\ 82 \ .

    فاوست يفتقد كغاو للنساء الى العاطفة الملتهبة لدونجوان. ينتصر فاوست بالكلام, أو, بالكذب((يفتقر فاوست إلى الإغواء… انه يأسر قلب مارغريتا بتفوقه وهي بالمقابل لا تعرف ما الذي وجده فاوست فيها لتستحق حبه ويؤكد كيركجورد أن فاوست لن يحب غير هذه الفتاة وليس تلك المرأة التي تقترب من مستواه الثقافي فهو بحاجة الى البراءة والهدوء وهو يعشق مارغريتا جسدياً لا روحياً )) /83/

    وهذا يتناقض مع ما جاء في كتاب أسطورة فاوست حيث (( أن فاوست سرعان ما ينشد فيه ما هو أكثر من ” متعة ” Genuss انه يبحث فيه عن مطلق الشعور بل عن الشعور بما هو سماوي : ” الشعور هو كل شيء” بينما كان في أول الأمر ننساقاً بشهوة الجنس تظهر بوضوح أكثر عند فاوست وذلك في مناسبتين حاسمتين :

    1. عندما كان في غرفة هذه الفتاة خالجه شعور داخلي بأنها تختلف تماماً عن شيء يشتهيه
    2. ان مفيستو تمكن من اقناعه بسهولة بوجوب الاستسلام الى شهوة الجنس بالرغم من ادراكه بأنه يدفع هكذا مرغريت الى الشقاء))

    /84/ ثم ان ((حب فاوست لغريتشن ليس منذ البداية تلك العلاقة السامية والحاسمة التي يتحول اليها في مجرى الحركة بل ان فاوست يقطع كافة المراحل الأساسية للحب الفري من اللذة الحسية الاعتيادية بما يرافقها من ظواهر كلبية ولا انسانية الى حب عنيف صادق ومأساوي روحي وجسدي )) /85/

    ان براءة غريتشن وطهرها الكامل ينتميان الى عالم العصور الوسطى فهي تعكس روح الفترة التي يعيش فيها فاوست عالم طفولته .

    ان غريتشن (( لاتتأثر بحلوليته بل الصورة الجميلة والثياب الرائعة التي خلعها سحر مفيستوفوليس على سبابه المجدد ))/86/

    ان فاوست (( سيهتدي الى طريقة مناسبة لمواجهة هذا العالم بأسلوب فعال للتفاعل معه وفي الوقت نفسه سيقوم بايقاظ غريتشن وتنبهها الى أساليب في العمل والتفاعل تخصها هي وحدها بصورة مميزة ستقوم قصة حبهما باسباغ الصفة الدرامية على التلأثير المأساوي … لجملة الرغبات والحساسيات الحديثة على العالم التقليدي )) /87/

    أما مفستوفيلس فهو (( يشجع فاوست على ” الثقة بالنفس ” وما ان يتعلم فاوست كيف يثق بنفسه حتى يغمره طوفان من السحر والاعتداد يكفي جنباً الى جنب مع تألقه وطاقته المتأصلتين لجعل أقدام النساء تزل بسهولة )) /88/

    ( ان مفيستو لايملك أي سلطان على غريتشن وهو يقول : ” لاسلطان لي عليها ! ” وهو لايستطيع أن يجد طريقه اليها الا باعطائها الهدايا باثارة فضولها وغرورها وتحريك كافة الغرائز الشريرة الكامنة فيها ان قوته تتمثل في معونته الجاهزة لتحويل كافة الامكانيات الشريرة كافة الميول الكامنة نحو الشر الى واقع فعلي وان سحره يتمثل في سيطرته اللامحدودة على كافة الوسائل الخارجية المفيدة لتلك الغاية والتي بواسطتها يتغلب بمنتهى السهولة على كافة المقاومات النفسية غيرالعميقة الجزور )/89/

     

     

     

    بــ – فاوســــــــــــت و الطبيعـــــــــــــة

    ( غابة وكهف, ايمان فاوست )

     

    بعد أن يساعده مفستوفيلس على التعرف بمرغريت عن طريق جارتها ثم يهجر فاوست الجميع ويعود الى طبيعته الروحية الأصلية , طبيعة العالم المتألم الطامح الى اكتشاف أسرار الكون , يعود الى الخلوة في حضن الطبيعة الكلية يناجي الروح السامية التي وهبته كل ما تمناه, حتى أنها أعطته هذا الرفيق البارد الوقح” مفستوفيلس ” الذي يقطع عليه تأملاته فيوبخه فاوست فيذكر مفستوفيلس بأن حبيبته تنتظره في بيتها كئيبة وحزينة, ويطلب منه أن يذهب لمواساتها بدلاً من التفكير في الفناء.

    في هذا المشهد نرى اوست في خشية من أن يتحول حبه لمرجريت الى شهوة جسدية محضة لهذا ابتعد وخلا بنفسه هنا في الطبيعة ليرد الى وجدانه سموه وروحانيته . انه يناجي روح الأرض التي ظهرت له في المشهد الأول , هي التي أودعت في صدره حب الطبيعة الكلية . لقد أصبح يعرف أخوته من البشر ويفهم ما في الهواء والماء ويدرك تألق البرق وصخب الرعد . وفي المقابل يعكر عليه صفوة هذه اللحظات مفستوفيلس الذي يريد جره الى الدرك الأفل من الشهوات.

    وفي مقابل مناجاة فاوست لنفسه وهو في الغابة والكهف , نجد مناجاة جرتشن ( مرجريت ) لنفسها وهي أمام عجلة الغزل . تشتاق فيها الى حبيبها الذي هجرها.

    طارت من قلبها الطمأنينة وسرى فيه الحزن والضيق , لان صدرها يدفعها اليه , وبودها أن تمسك به , وأن تشبعه لثماً وعناقاً !

    ويعود المحبان الى اللقاء من جديد في حديقة مارتا . ويدور الحوار بين كليهما حول الدين والايمان ووجود الله . ذلك أن مرجريت بسيطة الايمان وقد لاحظت أن فاوست لايبدي أي اكتراث للدين فلا تحتمل ذلك لأنها تريد لحبيبها النجاة . والايمان عندها طقوس وشعائر يجب أن يؤديها المؤمن .

     

     

    فها هي ذي تسأله :

  • هل تؤمن بالله
  • في وسعك أن تسألي القسيس أو الحكماء وسيبدو لك جوابهم مجرد استهزاء بالسائل
  • اذن أنت لا تؤمن
  • لا تسيئي فهم كلامي أيها الوجه اللطيف فمن ذا الذي يحق له أن يسميه أو أن يقرّ قائلاً : أنا أؤمن به ؟ ومن عنده شعور ثم يتجاسر أن يقول : أنا لا أؤمن به .

ثم يربط فاوست كل أعضاء العالم حتى أصغر الكائنات بعضها ببعض في وحدة كلية . ويطلب منها أن تملأ قلبها بهذا الشعور بوحدة الكل ولها بعد ذلك أن قسميها : السعادة, القلب, الحب, الله. كلها أسماء مترافدة . ولهذا يصرح فاوست بأنه لايسميه باسم لأن الشعور هو كل شيء .

تسمع مارجريت هذه العبارات لكنها تشك في ايمان حبيبها بالمسيحية لأنها ترى فاوست بصحبة هذا الشخص الغريب مفستوفيلس.

وتريد أن ترحل فيتمنى عليها فاوست أن تدعه يستريح ساعة على صدرها فتقول : ياليتها كانت تنام وحدها، لكانت تركت الباب غير مغلق بالمزلاج. لكن أمها خفيفة النوم, هنا يحتال فاوست عليها ويقدم لها زجاجة فيها شراب منوم يخدر حواس أمها. وتخشى مرجريت أن يضر الشراب بأمها, فيطمئنها فاوست. فتقول : (( لقد فعلت الكثير من أجلك ,

حتى لايكاد يوجد شيء لم أفعله بعد )) .

وتخرج, ويدخل مفستوفيلس وراح يسخر منها ومن فاوست, لكنه مسرور بسقوط كليهما في الخطيئة.

في مشهد غابة وكهف يقول عبد الرحمن بدوي : أن لاصلة له بما قبله أي (( أنه لاصلة بينه وبين مأساة مرجريت )) /90/

ولكن رداً على هذا القول نشير الى أن هذا المشهد هو تمهيد لمشهد ايمان فاوست حيث يوضح فاوست لمرجريت رأيه في الله /الكون/ , ثم ان هذا المشهد يوضح علاقته مع روح الأرض التي رفضته في المشهد الذي استحضرها فيه . ويفسر لنا كيف تعامل مع مجتمع مسيحي مؤمن بالله مقابل ما يؤمن هو به حيث المقابلة التي تستدعي محاربة جانب للآخر.

ثم ان غوته هنا يصور لنا صعوبة التدمير المباشر والسريع لأنه من الصعب أن يتم التدمير من دون حالات تردد ومناجاة وخوف من نتائج التدمير… هكذا كان فاوست حين لجأ الى الكهف ليناجي روح الطبيعة. ثم أنه يعتبر احماءً لمشهد ايمان فاوست حيث نجد الهاوية بين ايمانه وايمان مرجريت

(( ان شدة الصراع بين فاوست ومفيستو تزداد طبقاً لاشتداد علاقة الحب وتطورها الأعلى ولهذا السبب وصفنا هذا المشهد ” الغابة والكهف ” بنقطة التحول في حب فاوست لغريتشن

ان فاوست يهرب من هذا الحب الى الوحدة ان الحماس الى الحب وتأمل الطبيعة يعطيانه ذلك الحافز الروحي والعاطفي الذي يمكنه عاطفياً من تجاوز المأساة التي حلت بـ ( روح الأرض ) وفي الوقت نفسه يلتهب حبه الطاهر والنبيل لغريتشن انه يهرب من غريتشن لكي يصونها وينقذها الا أنه في الوقت نفسه يلتهب شوقاً اليها واذا كان مفيستو يعري الآن بشكل ساخر كل الحوافز بوصفها خداعاً للذات واذا كان لايرى الا الواجهة الحسية الضارية لشوق فاوست فانه يضع يده ان لم يكن على الجوهر الأكثر عمقاً فعلى الأقل على احدى المشاكل المحورية في صراع فاوست الداخلي )) /91/

حسب اللوثرية الجنس هو ممارسة تعد حراماً وبما أن الجنس تابع للطبيعة فان الطبيعة هي شيطان ومن هنا يظهر التناقض بين فاوست وغريتشن في الايمان .

ان غوته قد جسد في فاوست , كما في غريتشن , ليس فقط عاطفة الحب نفسها, بل كذلك كافة مراحل تطورها من بداياتها العابثة ونصف الواعية, الى المأساة الأكثر عمقاً . ان كافة الاتجاهات الكبرى للتطور متركزة في شخص فاوست وعندما يقترب من غريتشن , بعد تحوله نحو الحياة, فانه ينوء بالعبء المحزن لمأساة المعرفة المباشرة التي لم يكد يتخطاها, ولميثاقه مع الشيطان .

وفي ذروة نشوته مع غريتشن, وافتتانه بسحر شخصها وقربها , يعتمل في ذاته الوحي الذي لايقهر : أن يذهب أبعد, وأعلى !

ان فاوست يعلم , حتى وان كان لم يرغب في الاقرار بذلك أمام نفسه

بأنه لايستطيع البقاء طويلاً في (( العالم الصغير )) لغريتشن.

الا أن ما يحفزه الى الخروج من هذا العالم لايجمعه جامع بالأهداف الاجتماعيةالخارجية فان المسالة بالنسبة له هي رغبة لاتهدأ في الكمال .

يقول فاوست : (( أية سرور سماوي أشعر به بين ذراعيها !

دعني أستدفئ في صدرها !

أولا أشعر دائماً بمحبتها ؟

ألست هارباً وبغير مأوى

ألست لا انسان دونما هدف

يهدر كالسيل من صخر الى صخر

مزمجراً نازعاً الى السقوط في الهاوية

بينما هي محبوسة في عالمها الصغير …

فليتهدم مصيرها على أم رأسي

وليقضى علينا ماً )) /92/

ان كون فاوست مدركاً تماماً لمصيره لايخفف شيئاً , ان ادراكه ليس الا وعياً ذاتياً للطابع غير الممكن الحل للوضع . فان نظرة فاوست العالمية عاجزة عن تقديم جواب عن سخرية مفيستوفليس

أما مرجريت فان (( كافة السقطات ونقاط الضعف الروحية والأخلاقية لفتاة من الطبقة المتوسطة السفلى قائمة لديها. الا أن مشاعرها , في الوقت نفسه , مطلقة وسليمة, واخلاصها غير مشروط , وهي تمتلك الشجاعة, والايثار, ووضوح المشاعر بالنسبة للأشخاص وحتى الأفكار. )) /93/

ننتقل الى مشهد ايمان فاوست :

انه يرى في الطبيعة أن كل شيء موجود من أجل الآخر, الواحد من أجل الكل , والكل من أجل الواحد, ولهذا كانت تصورات غوته عن الطبيعة والفن والمجتمع أنها تندمج في وحدة, وهذا الاندماج يؤدي الى تركيب كلي . يقول غوته : (( الطبيعة كلها لحن ينطوي على تناغم وانسجام فجوهر الطبيعة هو التناغم والتوافق أي شيء هو التناغم الا أن يكون القواعد وأي شيء هو اللحن الا أن يكون الممارسة )) /94/

ان فاوست يسعى ويجتهد ليعرف أسرار الطبيعة , ان الطبيعة والانسان منظمان على نحو متشابه ومتناسبان بحيث (( يعكس الروح بصفة مرآة خلاّقة صورة الكون فالكون ” واحد متناسق ” والانسان أيضاً ” واحد متناسق” ))/95/

انه يؤمن بالحلولية , ( أي أنه يرى الهاً واحداً يحلّ في كل شيء ) /96/

ان غوته يرى في الطبيعة (( قدرة على الخلق لامتنهية وقوة للتحويل والتصوير غير محدودة وهي قوة واحدة تسري في جميع الكون وشعور ممتلئ بالاعجاب بهذه القوة وتلك القدرة فهما في نظره ” الله ” )) /97/ فالطبيعة هي الثوب الذي يتجلى فيه الخلق هي الثوب الحي الذي يرضى مشاعر الرومنتيكي وحماسه فليبحث فاوست عن خلاصه هناك رأى غوته وبالتالي فاوست في الطبيعة فكراً وارادة ولكنه فكر يختلف تماماً عن فكرنا, وارادة محايدة لاتميز بين الانسان والحيوان . (( فليس للطبيعة مشاعر أخلاقية بالمعنى الذي نقصده من التزام الجزء بالتعاون مع الكل لأنها هي ” الكل ” وفي قصته ” الالهي” 1782 وصف غوته الطبيعة بأنها بغير شعور ولارحمة فهي تدمر كما تعمر باشراف (( كل مثلكم العليا لن تمنعني (جوته) من أن أكون أصيلاً صالحاً وطالحاً كالطبيعة )) /98/

في هذا المشهد أيضاً يعطي فاوست غريتشن المنوّم وبالرغم من عمق حب فاوست وشفقته فان مفستوفيلس مصيب عندما يكتفي بمجرد الاشارة الى نتائج المضاجعة واغتباطه بها انه لايستطيع الوصول الى جوهر غريتشن, كما أنه لايفهم جوهر صراعات فاوست الباطنية الا أن مسار هذه المأساة يعتمد على آرائه .

ان مأساة غريتشن تبدأ (( من هذا الطابع المستقيم والضيق لحبها والخالي من الريبة والتأمل , بنفس الضرورة التي تبدأ بها مأساة فاوست من واقع كونه ممزقاً بين رغبته في الانغمار في عمله الحياتي, والسعادة الغامرة لحبه )) /99/

 

جـ – خطايا مارجريت الثلاث

( الينبوع – مصرع فالنتين – في الكاتدرائية – ليلة فالبورج )

عند الينبوع تسمع مارجريت من صديقتها قصة فتاة حملت من عاشقها الذي هجرها فتعود الى منزلها كئيبة لأن قصتها تشابه قصة هذه الفتاة فها هي قد حملت من فاوست . نجدها تقف أمام صورة ” الأم الحزينة ” , أي السيدة مريم وتستحلفها أن تنقذها من العار والموت وأن تحنو على محنتها . انها الى الآن قد ارتكبت الخطيئة الثانية لأن الأولى هي موت أمها بتأثير المنوم, أما الخطيئة الثالثة فكانت تابعة للخطيئتين السابقتين وهي مصرع فالنتين الذي كان حين يشيد باخته بين رفاقه الجنود كانت الألسن كلها تخرس . أما الآن, وقد انتشرت فضيحة اخته حتى صارت مضغة في كل الأفواه , فانه لايشعر حين ذكر اسمها الا بالعار والفضيحة . ها هو ذا واقف أمام باب منزله واذا بفاوست ومفستوفيلس يقتربان من المنزل فاوست يأسى على أنه يذهب الى محبوبته هذه المرة وليس معه حلي, فيعزيه مفستوفيلس ساخراً قائلاً انه لاينبغي له أن يحزن لذلك لأنه سيتمتع بدون مقابل ,

وهنا يتقدم فالنتين نحوهما مزمجراً مهدداً . يرتعد فاوست لهذا الموقف, فيشجعه مفستوفيلس. ويتولى هذا ملاقاة هجمات فالنتين

وما يلبث هذا أن يشعر بتجمد يديه. ويشارك فاوست فيصرع فالنتين . فيطلب مفستوفيلس من فاوست أن يهربا بسرعة وتخرج مارجريت من منزلها لتشاهد ما جري فترى أخاها على الأرض في سكرات الموت . وها هو ذا يدعو الحاضرين لسماع كلماته الأخيرة التي يوجهها الى أخته, اذ يقول لها : أنت الآن مومس , فكوني مومساً تامة. بدأت مع واحد سراً. وعما قليل سيتوالى عليك كثيرون, حتى اذا ما بلغوا اثني عشر فستكونين حينئذ مملوكة للمدينة كلها . واني لأتخيل الوقت الذي فيه يشيح الشرفاء جانباً حين يبصرونك كما لو كنت جيفة عفنة تصيب بالطاعون. لايحق لك بعد الآن أن تلبسي سلسلة من الذهب, ولا أن تقفي الى جوار المذبح في الكنيسة , ولا أن تستمتعي بالرقص لابسة بنيقة جميلة من الدنتلة . بل عليك أن تختبئي في ركن مظلم يائس, بين المتسولين وذوي العاهات . وحتى لو غفر الله لك, فستبقين دائماً ملعونة على الأرض.

وهكذا ينتصر الشيطان مرتين : مرة على فالنتين , ومرة على فاوست لأن هذا الأخير قد صار بفعله هذا مهدر الدم , لانجاة له الا بالهروب من البلاد.

وعلى هذا النحو قطعت العلاقة بين فاوست وجريشن الى الأبد ,

ها هي الآن في الكاتدرائية تحضر صلاة جنازة على روح ميت .

أي ميت؟ يفترض البعض أنه أمها .

يهمس في قلبها الروح الشريرة قائلاً أن الخطيئة والعار لايمكن أن يخفيا. فويل لها! . وأن البربرة قد أشاحوا بوجوههم عنها.

يغمى على مارجريت فتسقط على الأرض . الروح الخبيثة هي ضمير مارجريت وهو يؤنبها بشدة ما أبشع خطاياها! لقد تسببت في موت أمها وقتل أخيها دفاعاً عن شرف الأسرة فضلاً عما في أحشائها من جنين هو مولود الخطيئة .

يطير فاوست ليلاً الى جبال هارتز بصحبة مفيستو للمشاركة في احتفالات عيد فالبورج الذي هو عيد ساحرات يتسم بطقوس العربدة. وهناك يستمتع فاوست بنساء أكثر خبرة وأقل حياء, وبأحاديث غريبة ومثيرة تشكل أسفاراً ورحلات بحد ذاتها.

ان هذا

( نسمع أخاها فالنتاين ذلك الجندي العابث الدنيء وهو يتحدث عن أنه في ما مضى كان يقدسها, ويفاخر بفضائلها في الحانات والبارات , غير أن أي وغد بات الآن قادراً على أن يسخر به وبالتالي فانه صار يكرهها من أعماق قلبه. انها لم تكن, على الدوام, الا اضافة ملحقة بمكانته وغروره, لم تكن قط شخصية مستقلة لها حقوق كاملة- تلك هي الروابط العائلية في (( العالم الصغير )) ( ان مفيستو هو الطرف المذنب هنا ولكن غريشن والذين يحاكمونها لايعرفون الحقيقة ) . ثم تنجب غريشن طفلا

ً- انه ابن فاوست – فتتعالى الصيحات المطالبة بالانتقام والثأر.

ان أبناء البلدة الفرحين لعثورهم على كبش فداء يحملونه مسؤولية نذالاتهم وسفالاتهم هم, يتلهفون بشبق لموتها. في عالم مازال اقطاعياً حيث تكون لا المكانة الاجتماعية فقط بل وحتى النجاة والاستمرار في الحياة أمراً متوقفاً على حماية آخرين أقوى من الضحية, من الفرد كائناً من يكون.

استطاع فاوست أن يأخذ ما هو بحاجة اليه من غريتشن لتطوره الخاص وأن يترك ماعدا ذلك . أما غريشن فبالغة الجدية والأمانة مما يمنعها من أن تكون انتقائية بهذه الطريقة . لا يقدم لها عالمها شيئاً سوى العذاب والرعب: فالأجراس التي سبق لها أن أنقذت حياة حبيبها تدق الآن ناقوس موتها. انها تحس بها في أعماقها,) /100/

 

د – نهاية المأساة

( يوم كئيب- ليل وحقل فسيح- السجن )

 

بعد ليلة فالبورج نرى فاوست ومفستوفيلس . وفاوست يشكو مما حدث لمرجريت. لقد ألقي بها في قعر السجن فيغضب فاوست على مفستوفيلس بسبب ما سببه من آلام لمرجريت فيقول له مفستوفيلس : أنها ليست الأولى , فينهره فاوست ومن ثم يطلب منه انقاذها فيقدم مفستوفيلس اقتراحاً لانقاذ مرجريت وهي أن يتولى تخدير حارس السجن وبعدها يدخل فاوست لانقاذها. وبالفعل ينفّذ مفستوفيلس وفاوست خطتهما. وها هما الآن في ريف فسيح قادمين على فرسين أسودين مسحورين. ثم يأتي مشهد السجن حيث نجد فاوست أمام باب السجن ومعه حزمة من المفاتيح ومصباح وهو يشعر بالقشعريرة لأن المسؤلية الهائلة التي يتحملها عما أصابها من مآسي تهز كيانه فصار يخشى أن يراها من جديد. لكنه يتشجع ويفتح الباب ويدخل فاوست عليها. فتختبئ في فراشها, لأنها تصورت أن السجان قد جاء يأخذها لتنفيذ حكم الاعدام, فيقول لها فاوست انه جاء ليخلصها من السجن . لكنها لاتعي من قوله شيئاً وتتصور أنه السجان, وترثي حال شبابها الذي يجب أن يقضى عليه. لقد كانت جميلة , وهذا سبب هلاكها.

ثم ينتابها الهذيان فتضرع الى هذا القادم أن يدعها حتى ترضع طفلها أولاً, طفلها الذي احتضنته بقلبها طوال تلك الليلة. لقد أخذوه منها, وهم يقولون الآن أنها قتلته, ويرتمي فاوست عند ركبتيها , ويقول أنه جاء ليفك قيودها. فتلقى مرجريت بنفسها بالقرب منه, ويحثها فاوست على الاسراع للنجاة, لكنها في حالة من النشوة الجنونية التي لا تبصر فيها ما ينبغي أن تفعل. وتستحلفه أن يقبلها ويعانقها , لكنه حريص على تنفيذ خطة النجاة, لايريد أن يضيع الفرصة في هذه الغراميات. فتدهش هي من سلوكه هذا وتذكره بالجرائم الثلاث التي تمت فيناشدها فاوست أن تنسى الماضي . ويطلب منها الذهاب معه فترفض وتقول له :

(( ما فائدة الهرب فأنا مطاردة في كل مكان )) وتطلب منه الإسراع لإنقاذ ابنها الذي أغرقته في بركة في الغابة . ويظهر بعد ذلك مفستوفيلس لينبههم بأن الصبح قد بدأ بالبزوغ وما تكاد مارجريت أن تراه حتى يزداد فزعها. وتتضرع مرجريت الى الله : أنا ملك يديك يا أبانا! أنقذني أغيثوني, أيها الملائكة !

ويصيح مفستوفيلس : لقد أدينت .

فيتردد صوت من أعلى : إنها نجيت .

ويدعو مفستوفيلس فاوست إلى القدوم إليه, ويختفيان كلاهما ,

ونسمع صوت مرجريت, التي لا يزال قلبها عامراً بحب فاوست .

وعلى هذا النداء ينتهي (( فاوست )) الأول .

إن مفستوفيلس قد أرى فاوست((العالم الصغير)) في (( فاوست ))

الأول , وها هو ذا الآن يريه (( العالم الكبير )) في(( فاوست )) الثاني .

وان مرجريت( غريتشن ) تدرك عمق خطيئتها , وتريد أن تكفّر عنها , وتسلم نفسها لعدالة الله . إنها تعي تماماً أنها تستحق الموت, لهذا صممت على ألا تفلت من تنفيذ حكم الإعدام .

لكنها وهي المؤمنة المستقيمة الإيمان تطمع في رحمة الله ,

فتتضرع إليه أن ينجيها, وتتشفع إلى ملائكة عند الله كي تنجو .

لأنه لا أمل لها في النجاة من الموت .

 


 

22
مارس
12

ستانسلافسكي وبريشت

 

 

 

ستانسلافسكي و بريشت

 

دراسة مقارنة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

طغت على ممثلي المسرح مع إرهاصات الحرب العالمية الأولى الإيقاعات السريعة , و النبرة المشبعة لا بالأحاسيس و المشاعر , بل بالمبالغة الصوتية , التي ترافقها حركات قاسية و مبالغ بها . هذا بالإضافة إلى المخطط المسرحي المبسط , و المفعم بفعالية وحشية .

 

جاء قسطنطين ستانسلافسكي في غمرة هذه الأوضاع و أراد أن يقدم على خشبة المسرح الإنسان الحي , و أن يكشف عن قوانين الإبداع الفني عند المخرج و الممثل , و أن يعلّم الممثلين كيف يفهمون و يمتلكون فنهم . ثم لحق به بعد سنوات برتولد بريشت بعد أن وقف ضد النزعة القائلة بأولوية التكنولوجيا على الحياة الاجتماعية , فسعى إلى تأسيس مسرح فعال يمتلك وجهاً سياسياً واضحاً , و قادراً لا على عكس الواقع وحسب , بل أيضاً على المساعدة في تغييره . هذه الأفكار التي كانت قريبة من المسرح البروليتاري الذي حظي بانتشار واسع في العشرينات من القرن العشرين في ألمانيا .

 

إن المقارنة بين هذين المبدعين صعبة و معقدة , لأن كل مرحلة في تطورهما مرتبطة إلى حد كبير بالظروف التاريخية و القومية الخاصة بكل منهما . ففي ضوء التغيرات الوظيفية التي طرأت على الفن في العشرينات و الثلاثينات من القرن العشرين من عهد السلطة السوفيتية بدأت تظهر عند ستانسلافسكي إمكانية تحقيق الأحلام الإبداعية , في حين لم يتمكن بريشت من تحقيق مشاريعه إلا في نهاية الأربعينات , و النصف الأول من الخمسينات . بدأ بريشت في هذه الفترة في التفهم الأعمق لتعاليم ستانسلافسكي , و إعادة تقييم آرائه و قضاياه في الفن .

 

لقد استطاع كلاهما الانتساب إلى الواقعية الاشتراكية , حيث المعالجة الموضوعية للواقع الموضوعي , مع غياب ذاتية الكاتب كما كان في عهد الرومانسية . فقد وصل ستانسلافسكي إليها وهو يمتلك ذخيرة من التجارب الحياتية و الفنية , أما بريشت فوصل إليها و هو مسلح بالنظرية الماركسية .

 

اهتم ستانسلافسكي أيضاً بالفلسفة الماركسية , و كان يأمل من خلال نظرية المعرفة في العثور على وسائل للصراع ضد الفهم المثالي للفن , و ضد اللاأدرية التي تنكر إمكانية التعرف على جوهر الفن و طبيعة الإبداع . يقوم منهجه على إعداد الدور المسرحي , و بناء الشخصية , و إعداد الدور المسرحي . و يعتمد في عمله المسرحي على وحدة الفعل النفسي و الجسدي , و على الكشف عن الهدف الأعلى للعرض المسرحي , تحقيقاً لمبادىء النظرية الواقعية التي تنتهي على نشوء عرض مسرحي واقعي متكامل . يقول ستانسلافسكي : إن قوانين الفن هي قوانين الطبيعة ذاتها , و يقول أيضاً : إن القدرة على التقمص الروحي و الخارجي هي المهمة الأولى للممثل .

رفض ستانسلافسكي الكليشيهات و الأداء التقليدي , و دمج بين التقنيات الداخلية للتوصل إلى ما اسماه الحالة المبدعة , و الحقيقة الإنسانية للشخصية . طالب بالدخول في عمق النص المسرحي من خلال التركيز و الاندماج , هذا بالإضافة إلى المطالبة بقراءة مسبقة و دقيقة لهذا النص , ثم القراءة الجماعية حول الطاولة قبل الشروع بالتحضير للعرض . لقد طلب ستانسلافسكي من الممثل أن يستكشف القدرات المبدعة الكامنة في داخله , و أن يستثمر الذاكرة الانفعالية لتحقيق التطابق بين تجربته و مسار الشخصية في العمل الفني . هذا بالإضافة إلى سعيه نحو تطوير تقنيات جسدية مستمدة من الإيماء و الارتجال للوصول إلى مصداقية الأداء .

 

أما المبدأ الرئيسي في مسرح بريشت فهو : التزام الفن و الموقف الطبقي من الواقع , و تغييره ثورياً , فالطبقة الصاعدة تحتاج إلى عقل نيّر . ويقوم نظامه المسرحي على دعامتين : اولأ , بناء الحكاية التي تخص عمل الدراماتورج . و ثانياً , بناء الشخصية التي تخص عمل الممثل . إنه لم يلغ منهج ستانسلافسكي بل أضاف عليه . أهم ما نادى بريشت في منهجه هو تأكيد البعد بين الممثل و الشخصية , الممثل و المتفرج , و المتفرج و الشخصية .

 

يبتعد بريشت عن تصوير الواقع , و يعمل كدراماتورج على قراءة النص المسرحي و استخلاص إشكالية و سؤال النص المطروح . و الانتهاء إلى إعادة خلق الحكاية , حتى يستنتج المتلقي عند تقديم حكاية غير معاصرة أن القوانين التي تحكم الحكاية هي نفسها القوانين التي تحكم المتلقي من خلال مراقبة هذه الجدلية في الزمن , و باتالي لا يصل المتلقي إلى التمثل .

 

تعامل ستانسلافسكي مع الفن من موقع الممثل , في تعامل بريشت معه من موقع الكاتب المسرحي . يقول ستانسلافسكي : أنا أشعر , فأنا أفكر . و يقل بريشت : أنا أفكر , فأنا أشعر . و ينطلق الخلاف بينهما من مسألة عقلانية الفن أم انفعاليته , مع أن المعاناة و الانفعال يرتبطان بعلاقة صارمة مع العقل . يتفقان في تعاملهما مع الممثل في : عدم تشنج الممثل , و الحفاظ على خط الفعل المتصل , و عدم المبالغة في الأداء . إذ لا بد لمن يريد أن يمثل وفقاً لبريشت من أن يمر بستانسلافسكي . يريد بريشت من الممثل أن يجد فعلاً خارجياً يمكنه من إظهار السلوك الداخلي , كي يشعر بالشخصية التي يؤديها , و من ثم يبتعد عنها . و يؤكد ستانسلافسكي على أن هيئة المرء بهيئة فعله .

 

ينتقد بريشت منهج ستانسلافسكي : إن التقمص نوع من اللعب الطريف و المزعج , و من أجل ذلك قدّم ستانسلافسكي اقتراحات كثيرة لدرجة أنه ابتدع نظاماً لإنتاج المزاج الإبداعي لكل مشهد . لكن , لا يمكن للممثل أن يتقمص دوره لفترة طويلة . و يبدأ الممثل بتقليد سمات الشخصية بعد أن يستنفذ كل وسائله , إلى أن يتحول إلى كائن يثير الشفقة . \1\

 

مناط بالممثل عند ستانسلافسكي أن يكرس نفسه كلها روحاً و جسداً للدور الذي يؤديه . يجب أن لا يترك بينه و بين الشخصية مقدار وخزة إبرة . إن الصدق المسرحي ( لو – الفعل الفيزيولوجي – الهدف الأعلى … ) قد مرّ بثلاث مراحل :

 

الأولى , هي معالجة الطبع معالجة مباشرة دون تحليل للأفعال ؛ حيث كان على المخرج أن يبين للممثل أهمية دوره في المسرحية , و أن يشرح له ما هو مطلوب , و ما لديه من أجل ذلك , و بعد ذلك يحفز الممثل على تذكر مختلف الذكريات و النماذج من الحياة . إن المخرج مرآة للممثل تعكس ما هو نموذجي في الشخصية , يبدأ ببروفة الطاولة كي يشرح أهمية الدور و ما أعطاه المؤلف من أجل خلق الدور دون القيام بتحليل مفصّل , و يتحول الممثل تبعاً لذلك على دمية . ثم يباشر في معالجة الطبع مباشرة دون الوصول على ذلك عن طريق تحليل الفعل , فقد كان يقسر طبيعة الممثل و يقطع عليه الوصول على تقمص الشخصية , كما أكد على أهمية التعبير الإيمائي باعتباره ركناً أساسياً في الفن الدرامي .

 

و الثانية , هي الانتقال من النص إلى ما وراء النص , ثم إلى الفعل . إن ستانسلافسكي يولي في كتاب إعداد الدور المسرحي اهتماماً خاصاً لانطباعات الممثل الأولى , و تحمسه لدى التعرف الأول على الدور . كما أشار إلى ضرورة التحليل من أجل استثارة العملية الإبداعية , و ربط عملية المعرفة بالولع الفني , فالمعرفة تعني الشعور . يتم في التحليل إعداد الظروف المقترحة للإحساس من خلالها غريزياً بصدق الانفعالات , فيبدأ الفنان بتحليل المسرحية ثم تحليل نفسه ثم البحث عن حوافز إبداعية . ينفذ بعد هذه الخطوات إلى الجوهر , و يستطيع تقويم الوقائع , و تبريرها .

 

و الثالثة , التي تعتبر المرحلة الأنضج , هي الانتقال من الفعل الفيزيولوجي البسيط إلى النص , و ما وراء النص , ثم على الفعل السيكوفيزيولوجي . يبدأ المخرج بسرد قصة المسرحية , و انطلاقاً من مضمون أول مشهد صغير يجري أداء المسرحية بكلمات الممثل الخاصة . ثم يأتي تعميق الظروف المقترحة عن طريق سرد تفصيلي أكثر دقة ؛ يقوم به الممثل بتوجيه من المخرج . و يلحق بذلك التقسيم إلى أجزاء فيزيولوجية كبيرة و صغيرة , و خلق فعل منطقي مترابط يثبت بالممارسة إلى أن يصل إلى درجة الصدق , و هكذا يكون الممثل قد طُعّم تدريجياً بالإحساس الواقعي الفيزيولوجي لحياة المسرحية . بعد ذلك تقرأ المسرحية و تتم مقارنة وحدة الممثل بوحدة المؤلف , فكلما ازداد إحساس الممثل بأسلوب المؤلف ازدادت الحاجة إلى كلمات المؤلف الموجودة في النص المسرحي . و بعد حفظ النص و تثبيته يتولد خط الأفعال الفيزيولوجية , و لا يؤخذ كل من الميزانسين , و الديكور إلا بعد أن يتكيف الممثل مع ما قد يحيط به في المكان الذي تجري فيه البروفات .

 

فبعد أن كان ستانسلافسكي طبيعياً , صار يعتمد في منهجه على المعايشة و إثارة الذاكرة الانفعالية و التطابق بين الشخصية و الواقع الحياتي للممثل . فالمهم عنده كان دائماً خلق الحس الارتجالي عند الممثلين , و الذي يعتبره الوضع الفني الحقيقي . تسهم الأفعال الفيزيولوجية في خلق الحس الارتجالي , و يصير الإبداع الطبيعي حسب قواعد الطبيعة ذاتها , و يصير الفعل المسرحي , و خيال الممثل , و الحس الارتجالي أفعالاً مشروطة و مترابطة فيما بينها .

 

إن الممثل في أثناء معايشته للشخصية , و تقمصها لا يفقد الفكرة الرئيسية , و يبقى طوال الوقت مسيطراً على ذاته , و تسعده حالة الإبداع . و يتواصل مع زميله على الخشبة , و لا ينسى وجود المتفرج . كما يرى أن السيطرة على الذات , و إيصال ما وراء النص و الهدف الأعلى للدور و المسرحية تعني القدرة على موازنة القدرات الإبداعية الداخلية مع إمكانيات التعبير الخارجية , و توزيعها بشكل صائب . و تعني استخداماً ذكياً لمواد الدور المسرحي المجمعة ؛ فالمطلوب ليس إظهار المشاعر فحسب بل التناول الواعي للفن و انسجام المشاعر و الأفكار .

 

لا ينبغي لظروف إبداع الممثل و الشكل المعماري للمسرح و ظروفه السمعية و الشكل الشعري أن تكون مبرراً لتكاثر الخاصيات المسرحية و الشرطية و القضاء على الخاصية الحياتية على الخشبة , فستانسلافسكي لم يكن يعترف بخاصيات شرطية يفرضها المسرح , لكنه يعترف بوجود شرطية حتمية على الخشبة .

 

عن الانفعال هو عملية عكس عقلي لشدة الحاجة و لاحتمالات إشباعها في اللحظة الراهنة , و يكون مقياس شدة الانفعال مرتبطاً عند الممثل بالتقييم العقلي للوسط , و لكل ما يحدث على خشبة المسرح ؛ فالدافع يحدد القيمة الاجتماعية للانفعال , و يستدعي حضوره . إن صورة الواقع تكتمل عن طريق التضامن في الصياغة العقلية و الانفعالية , فالانفعال يسرّع في عملية التعلم , لأن الانفعالات تدخل في مجال النشاط العقلي . يقول ستانسلافسكي : إن الفن الحقيقي هو الذي يستثير انفعال المتفرج , و يحرك ذهنه … و العكس صحيح , فلا يصح أن نعزل الانفعال عن مجموعة العلاقات الاجتماعية , و لا يجوز مقارنة آلية الانفعالات الفنية بآلية الانفعالات الحياتية .

 

أما بريشت , فيقول في مهنة التمثيل : أن على الممثل أن يعرف كيف يروّح عن نفسه في الموازنة بين الإجهاد العالي و الخمول التام . و أن يستغني عن كل ما هو مسرحي في حياته الخاصة . و ألا يكون قابلاً للخدش بسرعة و ألا يكون فظاً . و أن يراقب الحياة , و يدرس المجتمع , لأن المجتمع هو الذي يكلف الممثل بالعمل . و أن يقاوم إغوائين : الأول , هو الانعزال عن الآخرين . و الثاني , الارتماء في أحضانهم . إن الإحساس الاجتماعي هو حتماً ضروري للممثل ؛ إلا أنه لا يعوض عن المعرفة بالأوضاع الاجتماعية , حيث أن الدراسة الجديدة ضرورية لكل شخصية , و لكل موقف , لكل معنى .

 

يجب على الممثل أن يكافح مايلي : عزل نفسه عن المجموعات لكي يقف وحيداً . و الاقتراب و عدم النظر إلى الشخص الذي يتحدث إليه . و عدم التعمق في آراء مؤلف المسرحية . و إخضاع التجارب و المراقبات الذاتية للآراء المحتملة لمؤلف المسرحية .

 

لقد انتقد بريشت مبدأ التعليم المهني للممثل , و أشار إلى أن إعداد الممثل يتم من خلال تراكم الخبرة التي يكتسبها مع الزمن , و سمّى هذا بالعمل التراكمي , لكنه اقترح تمارين مسرحية للتدريس في المعاهد . إنه يطالب الممثل بالقيام بنوع من القراءة الدراماتورجية للدور حتى يفهم الصيرورة التاريخية التي تتحكم بأفعال الشخصية و صفاتها ؛ أي أنه جعل من الممثل شريكاً أساسياً في تحديد منحى العمل المسرحي .

 

عن أداء الممثل في المسرح الملحمي يقوم على استخدام تعبير عمل الممثل بدلاً من لعب الممثل , و اعتباره وسيطاً بين العالم المتخيل و الواقع . إذ يجب على الممثل أن يتوقف عند بعض النقاط في تحضيره للعمل المسرحي : أولها , هو رفض المحاكاة , فقد انتقد بريشت ذوبان الممثل الكامل في الشخصية , لأن ذلك يؤدي إلى التعاطف الكامل من قبل المتفرج مع هذه الشخصية . و ثانيها , هو التأكيد على أن العلاقة بين الممثل و الشخصية ليست علاقة تشابه و تقمص , و إنما علاقة تغريب ؛ أي ابتعاد مقصود , بحيث يقوم الممثل بعرض الشخصية على الجمهور بدلاً من أن يجسدها . لقد استفاد بريشت من أسلوب أداء الممثل في المسرح الصيني القائم على الأسلبة و الشرطية .

 

كان إعداد الدور يترافق بنقاش دراماتورجي للموقف بحيث يُظهر الأداء هذا المستوى من المعالجة الفكرية التي تسبقه , و بالتالي يؤدي الممثل الانفعالات , فيحاكي و يعلق بشكل متناوب . أي أنه يوحي أكثر مما يصور . فهدف بريشت هو الحيلولة دون أن يتحول ما يحدث على المنصة إلى ألغاز و طلاسم , و الحيلولة دون أن ينفعل الممثل كالسكران , و الحيلولة دون انفعال المتفرجين و انقيادهم في عوالم الشخصيات . يدعو بريشت إلى استخدام كل الوسائل الفنية لتحطيم الوهم الذي قد ينشأ كي لا تتحكم العواطف بالممثلين و المشاهدين .

 

يشجع بريشت الممثل على إلقاء أدواره باللكنة المحلية الخاصة به , فالمشاعر و الأفكار غالباً ما تفقد أصالتها في التعبير عندما تحشر في لغة المسرح المتقنة . و يجب على الممثل بعد ذلك أن ينطق بوضوح و مرونة و لين , و عليه أن يتخذ موقفاً عقلياً و عاطفياً من الشخصية , و من المشهد . و عند بريشت تختلف طبيعة الارتجال , فالمهم هو كيف تجري الأحداث , و ما هي طبيعة العلاقة بين الناس . إنه يعمل على تقوية هذه – الكيف – إن نبرة الارتجال عند الممثل هدفها توضيح طبيعة التحولات , و إبراز الأفكار بطريقة أمثل .

 

إن مسرح بريشت يختلف إلى حد بعيد عن مسرح التشخيص التقليدي , لأنه مشبع بالفاعلية الفكرية , و بالإرادة النضالية , و بالحماسة , و الموقف المتحزب إزاء الواقع . و مع هذا فإن بريشت يتفق مع ستانسلافسكي في أن الكشف عن الموضوع يحتاج إلى بناء أفعال صحيحة – gestus – , و هذه الكلمة قريبة من مفهوم الفعل الفيزيولوجي , و تعني العلاقة الحياتية الاجتماعية القائمة بين الناس , و المعبر عنها بالإيماءة , و اللغة , و الحركة , و الأسلوب . فيفرّق بريشت بين الفعل و التصرف , لأن التصرف يكمن في كيفية أداء الإنسان للفعل .

 

لم يتجاهل بريشت تعاليم ستانسلافسكي , و ما يدل على ذلك تقسيمه لعمل الممثل في الدور المسرحي إلى ثلاث مراحل : الأولى , هي التعرف على النص و الشخصية . و الثانية , هي المعايشة ( المعاناة ) , و التي يعتبرها مرحلة البحث عن حقيقة الدور من وجهة نظر ذاتية بحتة . و الثالثة , هي النظر إلى الشخصية من خارجها , أي من موقف اجتماعي , و يسمي هذه المرحلة بمسؤولية الفنان أمام المجتمع .

 

لكنه يقول : أن يتحول الممثل بشكل كلي إلى الشخصية التي يؤديها فذلك غير مسموح به حتى لبرهة من الزمن . و بذلك يختلف بريشت عن ستانسلافسكي , لكنه رغم اتفاقه مع ستانسلافسكي بخصوص الهدف الأعلى ؛ إلا أنه لم يكن متفقاً معه بخصوص أدوات الإيصال , فالهدف الأعلى عليه أن يسعى إلى ترك إرهاص التغيير الاجتماعي عند المتلقين , و لا هدف أعلى غير هذا . /2/

 

إننا نريد من المسرح _ حسب بريشت _ لا أن يعرفنا بطبيعة الناس فقط بل و كيف نستطيع تطويرهم , و لهذا يجب على الممثل أن يصور الناس بكل خصائصهم الفردية . لكن , إضافة إلى ذلك عليه أن يعطي تقييماً لهؤلاء الناس من و جهة نظر اجتماعية , و عاطفية , و عقلية . و بالتالي عليه أن ينظم حواراً بين المشاعر و الأفكار عند تقديم الصورة الفنية للعمل , حواراً لمشاعره الخاصة مع مشاعر الشخصية , حواراً لأفكاره و مبادئه مع أفكار و مبادىء الشخصية . قد يطلب منه أن يمثل الإنسان الساخط بشكل حزين , و الإنسان البخيل باحتقار . و نستنتج مما سبق ضرورة التبرير الذاتي للشخصية , و حتمية إبراز العلاقة مع هذه الشخصية , و تأكيد هدف التغريب على وحدة البداية العقلية و العاطفية للفن .

 

تصبح – الأنا – في الظروف المقترحة عند ستانسلافسكي – هو – في الظروف المقترحة عند بريشت . إن المسرح الملحمي جزء من المسرح الأرسطي , لأن المشاهد فيه مليئة بالأفعال الدرامية , و تعرض أمامنا حكاية , هذا بالإضافة إلى التعليقات على ما يجري , و حضور السرد الروائي , حيث يتم الإخبار عن حدث ما , ثم تقوم الجوقة بالتعليق على أفعال الشخصيات . إن المسرح الملحمي لا يرفض التجسيد إطلاقاً , لكن حركة الفعل فيه تنتقل إلى صيغة الماضي , فلا يطابق الممثل بين ذاته , و بين الشخصية . و لا يوجد إيهام تام في هذا المسرح , و يتم فيه الابتعاد عن المعايشة .

 

كتب بريشت نصوصه الدرامية على طريقة الديكوباج ( تقطيع سينمائي ) , و انطلق من موضوع الأمثولة بغية استخراج العبرة دون التوجه بشكل تعليمي – و ذلك بعد أن تجاوز المرحلة التعليمية – لكنه لم يستطع . إن الحكاية عند بريشت تخضع أثناء الكتابة أو أثناء العرض إلى عملية بحث , و تصبح مهمة المسرح مع اجتماع عناصر العرض توضيح هذه الحكاية عبر عناصر التغريب . يرد بريشت على الذين قالوا بأن هناك تناقض بين الدرامي و الملحمي , بان المخطط لا يكشف عن تناقض بل يشير إلى إعادة ترتيب الأولويات , إذ يمكن أثناء القص الروائي استخدام أدوات التأثير العاطفي أحياناً , و استخدام التأثير العقلاني في أحيان أخرى .

 

المهم عند بريشت بالنسبة للحكاية هو مغزاها الاجتماعي , و الطريقة الأساسية التي يقدم المخرج بواسطتها القصة إلى الجمهور هي الخطة الحركية ( ترتيب الأشخاص , و تحديد موقع بعضهم من البعض الآخر , و تبادل الواقع , و الدخول و الخروج ) . أما التغريب فهو وسيلة لتحرير المتفرج من أسر التصورات و الآراء المضللة , و تنحية لهذه الظواهر التي تحيط بالإنسان , و هو النظر إلى الموضوع من مسافة كافية , و بما أن التناقض هو طبيعة كل ظاهرة فإن التغريب يساعد في الكشف عن ذلك . ففي مسرحية ” شفيك في الحرب العاالمية الثانية ” تعرض البطلة في وجهين : الأول , كما هي ذاتها . و الثاني , كأنها ابن عمها . و من خلال ازدواجية الشخصية تكشف الفكرة في أن المجتمع الرأسمالي , نادراً ما يساعد الناس . أما في مسرحية ” السيد بونتيلا و تابعه ماتي ” يعرض بونتيلا بحالته العادية , أي حالة السكر الدائم , و لحظات الصحو النادرة . يكون طيباً حين يصحو , و مصائر الخدم متعلقة بإرادته , فهو سيدهم , و بالتالي نصل إلى مقولة المسرحية في أن هذا هو الواقع و تلك قوانينه . إن تحليل الظاهرة بواسطة التغريب يسمح في فهم الواقع و تفسيره .

 

يقوم بريشت بتغريب الشيء دون تحطيم مزاياه الجوهرية , و لا يفرض عليه أي صفة من خارجه . إنه يكشف عن جوهر العلاقات الاجتماعية في الواقع , و يكشف عن جدلية الحياة . يعرف التغريب بأنه تقنية عدم الاندماج , و يتحقق من خلال التقنيات التي تكسر الإيهام , و تكشف عن آلية البناء الدرامي, مما يجعل المتفرج يركز انتباهه على كيفية صنع الإيهام , بدلاً من الاستغراق فيه . إن أهم وسائل التغريب هي : البرولوغ , حيث يتم إيقاف التصاعد الدرامي في المشهد بغية البحث عن حل يفقد التشويق . ففي مسرحية ” رجل برجل ” ( ص 53 ) تتقدم الأرملة ليوكاديا لتلقي قصيدة معترضة تتضمن مقولة العمل في البرهان على تحول غالي غاي إلى جندي , و في مسرحية ” دائرة الطباشير القوقازية ” يتوجه القاضي أزدك للجمهور و يطلب رأيه . هذا بالإضافة إلى الإرشادات الإخراجية في إعلانها كنص صريح وواضح و موظف درامياً من خلال تقديم لافتات أو صوت خارجي مسجل . و أيضاً هناك الأمثولة التي تعرض من خلال البرولوغ مثلاً . حيث يمكن الوصول إلى الواقع من خلال رمزية الأمثولة , بعد إعدادها حسب المتفرج الذي نتوجه إليه , ففي دائرة الطباشير استخدم بريشت الأمثولة ليبين البعد الجدلي في الموضوع الذي يطرحه , و كذلك مسرحية ” جان دارك ” حيث تظهر دناءة المجتمع الرأسمالي المتمثلة في شخصية ماولر .

 

ينتمي الغناء في المسرحيات البرشتية إلى التغريب حيث نجد في مسرحية ” أوبرا القروش الثلاث ” حوارات محكية , و أغاني شعبية . و أيضا وجود الراوي أو الجوقة , الذي يكسر التسلسل الدرامي كما في مسرحية ” حياة غاليليه ” ( ص 84-85 ) . يضاف إلى التغريب أيضاً المعارضة الشعرية التي نجدها واضحة في مسرحية ” جان دارك ” , حيث نرى ماولر أثناء قيامه بجولته في المسالخ يتكلم فيها عن تجربته , فنلاحظ هذه الفنية اللغوية الشعرية التي تذكر بأسلوب شيللر ؛ و هنا يظهر الإيقاع الشعري الشيللري في مكان و حدث لا ينطويان على أية جلال أو سمو , و إنما على مؤامرات اقتصادية خسيسة . ( ص 40-41 ) .

 

يبقى لدينا الغستوس , الذي تطرقنا إليه سابقاً , و استعرضنا بعض الأمثلة عنه من المسرحيات . و هنا نشير إلى أن الغستوس عند بريشت يساعد على إظهار الطابع الشعبي للناس , و إظهار الوضع الاجتماعي , كما في مسرحية ” الأم شجاعة ” التاجرة الحذرة و الحريصة على مالها و الأم العطوف في الوقت نفسه , و شخصية كاترين عندما تمسّد بإيحاءات حاقدة مريلة أمها و سروال الرجل الذي يحاول إقناع الأم بالقيام بإدارة الممتلكات معها , و بدون كاترين . و على وجه المقاربة نرجع إلى ستانسلافسكي , الذي سعى إلى توظيف الغستوس في تطويره لتقنيات جسدية مستمدة من الإيماء و الارتجال للوصول إلى مصداقية الأداء .

ينوه بريشت إلى أن ستانسلافسكي قد استخدم التغريب دون أن يدري , ففي مسرحية القلب الحار لاستروفسكي يكشف النص عن قبح الواقع البرجوازي , فاستخدم ستانسلافسكي الأسلوب الشرطي , و اقترب العرض بذلك من المسرح الشعبي و الهزلي , فهجاء الواقع عن طريق الغروتسك هو حل إخراجي ناجح . و هذه المعالجة قريبة من بريشت , لأن إظهار ما وراء النص بهذه الطريقة الغروتسكية هو أحد الأشكال القريبة من أسلوب بريشت التغريبي . و ننتهي إلى أن الغروتسك عند ستانسلافسكي هو إبراز ما هو عام في الشخصية , و في الحادثة . أما عند بريشت فهو إبراز ما هو خاص و متميز , و هذا التباين ناتج عن أن ستانسلافسكي يعمل من أجل إعادة إنتاج الفعل الداخلي , أما بريشت فيحدثنا عن الفعل الداخلي , و يعرضه أمامنا .

 

أما ما يخص عناصر العرض الأخرى , فقد أعاد بريشت اكتشاف خشبة المسرح المرنة التي كانت قائمة في عهد أرسطو , و جعلها جزءاً لا يتجزأ من المسرح الملحمي , ففي عرض مسرحية ” دائرة الطباشير القوقازية ” تتحرك الخشبة اينما تذهب جروشيا , حتى تنتهي إلى أزدك . هناك العديد من المنصات على خشبة المسرح , ربما تكون جبالاً , أو أكواخاً للفلاحين , أو جوانب لهوة سحيقة . و تشير هذه الهوة إلى المنظر الذي تجد فيه جروشيا نفسها محاصرة , و هي في الواقع ليست في خطر حقيقي , لأنها تبعد خطوات قليلة عن أرضية خشبة المسرح , لكن الهوة سحيقة , و حقيقية و ظاهرة للجميع .

 

إن الفضاءات المسرحية عند بريشت مفتوحة عموماً على أفق معين تاريخي , أو ديني , أو أخلاقي . أما عند ستانسلافسكي فهي مغلقة ضمن المكان الدرامي على الخشبة . و يصر بريشت في موضوع الميزانسين على الحركة الدائمة في الفضاء كما ذكرنا سابقاً , في حين لا يأخذ الميزانسين عند ستانسلافسكي شكله المحدد إلا بعد تكيف الممثل مع الشخصية بصورة كاملة .

 

إن ستانسلافسكي يؤمن بوجود الجدار الرابع , في أن بريشت قد هدمه فوراً , أما الموسيقا , فهي عند بريشت مستقلة بالنسبة للنص استقلالاً جدلياً يساهم أحياناً في التغريب , قد تكون مرحة جداً أثناء حدث حزين . تبدو نشازاً , و توقظ العقل . أما عند ستانسلافسكي فلا تستخدم إلا في الحالات الضرورية , أو التي لا تسيء إلى سيرورة العمل .

 

يرفض بريشت الإضاءة كوسيلة تعبيرية , و يفضل الإضاءة الحيادية لإبراز الممثل و العناصر الدرامية الأخرى , فتكون كاشفة بيضاء تكسر جو السحر . أما ستانسلافسكي فيصر على أن تكون أجهزة الإضاءة مخفية لا ترى , و يفضل استخدامها في حدود الحاجات الدرامية , و الإمكانية القصوى لإظهار تعابير الممثلين . /3/

 

نصل إلى موضوع المتفرج , و بالتالي المتعة المتحققة لديه , فنرى بأن المسرح هو فن المتفرج . ففي المسرح القائم على الإيهام تكون آلية استقبال المتلقي حسب شخصية معينة أو موقف محدد , و ذلك بسبب التحولات التي طرأت على وضع الكتابة , و وضع المسرح . فحتى هذا التمثل هو جزئي , ولا يوجد تمثل كامل . إن التمثل يغيّب الانتقاد و المحاكمة الشخصية , و يكون في حالة غياب الوعي , فالمتفرج في المسرح الملحمي يعي و ينتقد ما يرى أمامه , و يتم الإنكار من خلال معرفة ما يمس الشخصية , و لا يمس المتفرج كما في الكوميديا , حيث يتم الإنكار من خلال سخريتنا و ضحكنا على الشخصية و انتقادها , و نكون أذكى و أوعى منها . أما ستانسلافسكي فقد وجد على الوجه المناقض أن الطريقة الأكثر تأثيراً و فاعلية في إدراك المتفرج هي الغوص في مشاعر و أفكار الشخصية المجسدة , لقد سعى إلى تكامل الانطباع المتكون من خلال العرض المسرحي . فإلى جانب أداء الممثل , و خط الفعل المتصل يكون التمثل عند المتلقي و دخوله في الإيهام التام .

 

إن أسلوب المسرح الملحمي يدفع المتفرجين إلى التدخل في الأحداث الجارية على الخشبة , و إلى اتخاذ موقف إزاء ما يجري , و هنا تكمن الإثارة و المتعة . إن الواقع عند بريشت هو الواقع المصور بصدق , الذي يستطيع أن يحظى بقبول المتفرجين . فقد ولدت مسرحيات بريشت في عملية البحث عن الوسائل الكفيلة بتحفيز فاعلية المتفرج , و التساؤل حول إمكانية التحدث إلى المشاهدين عن أمور الحياة دون إخفاء موقفنا منها , و هذا مقتبس من المسارح الشرقية , و مسارح العصور الوسطى . إن رهان بريشت قائم على قدرة المسرح على تغيير الأذواق السائدة .

 

يرفض بريشت المشاركة العاطفية العمياء من قبل المشاهد , فالعواطف تحفز العقل , و يشذب العقل العواطف . إن بريشت يفضل العقل أحياناً على العواطف , لكنه لا يفضل العواطف على العقل , فالمسرح الملحمي لا يرفض الانفعالات , بل يستقرئها , و لا يكتفي بما تحققه . إن المسرح التقليدي هو المسؤول الأول عن عملية الفصل بين المشاعر و العقل , و هو الذي ألغى عملياً دور العقل . يصر بريشت في المحصلة على استخدام كل التقنيات التي صممت لتمنع مُشاهد المسرحية من الاندماج في حلم وهمي رائع .

 

 

 

تتحدد المتعة استناداً إلى كيفية التلقي على المستوى الانفعالي و الفكري و الحسي , فكان ستانسلافسكي يعتمد على نسيان المتفرج نفسه في المسرح , و ذلك تبعاً لسوية المتفرج و قدرته على أن يعيش حالة مغايرة , و آنية , و مطبخية . على عكس بريشت , الذي أشاد بالتفكير و المحاكمة التي تجعل المتفرج فعالاً , بالإضافة إلى توعيته عن طريق كسر الإيهام داخل العمل المسرحي , و جعل المطروح غريباً عنه . لقد بدأ بريشت بعد أن شاهد ما يحدث في مباريات كرة القدم و حلبات المصارعة الأمريكية بالدعة إلى ممارسة المتفرج حريته الكاملة في المسرح , فكانت المتعة حسية فقط في الأعمال المسرحية الأولى التي كتبها , لكنه تراجع و طالب المتفرج بأخذ موقف مما يعرض عليه , و أن يفكر و يعي , فصارت المتعة أرقى و ذات تأثير أكثر فعالية . إنه لم يتخل عن المتعة الأولى , لكنه طورها و هذبها كي تحقق ما يرنو إليه . /4/

 

و بهذا الشكل نكون قد بذلنا جهدنا في المقارنة بين هذين المبدعين دون أن نبرر و نؤيد أحدهما على حساب الآخر . لكل مبدع حقه في إبداء آرائه في الفن , و إننا لا ننفي كل الظروف التاريخية و السياسية و الاجتماعية , التي آلت به على استنتاج هذه الآراء .

 

 

 

 

 

 

- تمت -

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش

 

  1. نظرية الدراما الحديثة : من ص 129 إلى ص 135

ستانيسلافسكي و بريشت : من ص 15 إلى ص 25

الحياة المسرحية – العدد – 51 : ص 43

مبادىء التمثيل و الإخراج : من ص 45 إلى ص 72

مسرح ميرخولد و بريخت : من ص 11 إلى ص 20

محاضرات غير منشورة – سنة رابعة – أ . ميسون علي .

للتوسع فيما يخص هذين المبدعين راجع كل ما يخصهما من

المعجم المسرحي من فهرس الأعلام .

2- الحياة المسرحية – العدد – 51 : ص ( 40-41-42 ) .

مسرح التغيير : ص ( 148-149 ) .

ستانيسلافسكي و بريشت : من ص 25 إلى ص 40 , و من ص 103 إلى ص 121 .

إعداد الممثل : من ص 152 إلى ص 170 .

الحياة المسرحية – العددين – ( 4-5 ) : ص ( 175-176-177 ) .

واقعية ستانيسلافسكي في النظرية و التطبيق : من ص 147 إلى ص 177 .

 

  1. المأساة الحديثة : من ص 275 إلى ص 290 .

    برتولت بريشت : من ص 54 إلى ص 72 .

    المعجم المسرحي : من ص 456 إلى ص 461 .

    ستانيسلافسكي و بريشت : من ص 161 إلى ص 174 .

    الحياة المسرحية – العدد – 40 : ص ( 84-85 ) .

    الفضاء المسرحي : ص ( 133-134 ) .

    محاضرات غير منشورة – سنة رابعة – أ . ميسون علي .

    الحياة المسرحية – العدد – 51 : ص 42 .

    ملحق جريدة الثورة الثقافي – العدد – 280 , بتاريخ 16/9/2001 مقالة بعنوان : المسرح الملحمي عند بريشت . بقلم : خالد طالب .

    راجع للتوسع مقدمات المسرحيات التالية :

    رجل برجل , بالإضافة إلى ص ( 53-54 ) .

    السيد بونتيلا و تابعه ماتي .

    حياة غاليليه , بالإضافة إلى ص ( 84-85 ) .

    جان دارك , بالإضافة إلى ص ( 40-41 ) .

    شفيك في الحرب العالمية الثانية .

  2. الفضاء المسرحي : ص 226 .

    ستانيسلافسكي و بريشت : من ص 180 إلى ص 185 .

    محاضرات غير منشورة – سنة رابعة – أ . ميسون علي .

    دراسة نقدية بعنوان : المتعة المسرحية , بقلم : أ. ميسون علي , موزعة على طلاب السنة الرابعة لطلاب قسم الدراسات المسرحية .

    بيبليوغرافيا

المصادر :

  1. بريشت , برتولد – جان دارك قديسة المسالخ – ترجمة : نبيل حفار – مراجعة : سعد الله ونوس – دار الفارابي – بيروت – 1981 .
  2. بريشت , برتولد – شفيك في الحرب العالمية الثانية – تعريب : نبيل حفار – دار الفارابي – بيروت – 1975 .
  3. بريشت , برتولد – حياة غاليليه – تعريب : بكر الشرقاوي – دار الفارابي – بيروت – ط2 – 1979 .
  4. برخت , برتولد – السيد بونتيلا و تابعه ماتي – ترجمة و تقديم : عبد الغفار مكاوي – سلسلة مسرحيات عالمية – 21- مصر – د. ت .
  5. بريشت , برتولد – رجل برجل – تعريب : نبيل حفار – دار الفارابي – بيروت – 1979 .
  6. ستانسلافسكي , قسطنطين – إعداد الممثل – ترجمة: محمد زكي العشماوي , محمود مرسي أحمد – مراجعة: دريني خشبة – دار نهضة مصر – القاهرة – 1973 .

المراجع :

  1. إلياس , ماري \ قصاب حسن , حنان – المعجم المسرحي – لبنان ناشرون – بيروت – 1997 .
  2. بليزايتون , كاترين – مسرح ميرخولد و بريخت – ترجمة : فايز قزق – مراجعة و تقديم : نديم معلا – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 1997 .
  3. جوخدار , محمد سعيد – مبادىء التمثيل و الإخراج – دار الفكر – د.م – د. ت .
  4. زوندي , بيتر – نظرية الدراما الحديثة – ترجمة : أحمد حيدر – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 1977 .
  5. سوشيه , جاك دي – برتولت بريشت – ترجمة : صياح الجهيم – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 1993 .
  6. سورينا , تمارا – ستانيسلافسكي و بريخت – ترجمة: ضيف الله مراد – مراجعة : سلام اليماني – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 1994 .
  7. شاكر , شريف – واقعية ستانيسلافسكي في النظرية و التطبيق – منشورات اتحاد الكتاب العرب – دمشق – 1981 .
  8. ميردوند , جيمس – الفضاء المسرحي – ترجمة : محمد السيد \ الحسين علي يحيى \ حسين لبدري – مراجعة : محمد عناني – ط2- أكاديمية الفنون – مصر – 1996 .
  9. مجموعة كتاب – مسرح التغيير ( في منهج برتولت بريشت الفني ) – اختيار و إشراف : قيس الزبيدي – مطبعة الحجاز – دمشق – د . ت .
  10. ويليامز , ريموند – المأساة الحديثة – ترجمة: سميرة بريك – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 1985 .

الدوريات و الصحف و المحاضرات :

  1. ملحق جريدة الثورة الثقافي – دمشق – العدد – 280 , بتاريخ 16/9/2001 مقالة بعنوان : المسرح الملحمي عند بريشت . بقلم : خالد طالب .
  2. محاضرات غير منشورة – قسم الدراسات المسرحية – السنة الرابعة – مقرر: تاريخ العرض المسرحي – أ. ميسون علي .
  3. دراسة نقدية بعنوان : المتعة المسرحية – بقلم : أ. ميسون علي – موزعة على طلاب السنة الرابعة – قسم الدراسات المسرحية .
  4. الحياة المسرحية – العدد 51- وزارة الثقافة – دمشق- 2002- مقالة بعنوان : مقارنة بين بريشت و ستانيسلافسكي و مي لان فانغ – بقلم : هوانغ تسو لين – ترجمة : فؤاد حسن .
  5. الحياة المسرحية – العدد 40 – وزارة الثقافة – دمشق – 1994 – مقالة بعنوان : رمزية الغستوس عند بريشت – بقلم : روبرت ل .هيلر – ترجمة: عطارد عزيز حيدر .
  6. الحياة المسرحية – العدد 4/5 – وزارة الثقافة و الإرشاد القومي – دمشق – 1978 – مقالة بعنوان : نصوص حول مهنة الممثل – بقلم : برتولت بريشت – ترجمة : قيس الزبيدي .

 


 

22
مارس
12

بين الأوذيسة والإنيادة

بين الأوذيسة و الإنيادة

  ” غنّ ربة الشعر الرجل الذي هام يجوب الآفاق بعد أن دمر طروادة المقدسة “

بهذه الجملة تبدأ ملحمة الأوذيسة، و منها يتجسد الحدث الملحمي، و هو عودة أوذيس إلى وطنه. تدور أحداث الأوذيسة حول السلم، فأوذيس لا يبحث عن الحرب، و يتجنبها، و يحاول بذكائه إيجاد مخرج من كل مأزق.

أما ملحمة الإنيادة فتتحدث عن عظمة روما، و تتبنى الفضائل الرومانية، و التبشير بالآمال المعقودة على أبناء الجيل الأغسطي. تدور أحداثها حول الحرب، و إنشاء دولة جديدة في إيطاليا. و هي تنبؤ بالمستقبل في ظل أغسطس.

تعتبر الإنيادة المدخل بين العصور الوثنية و المسيحية، و فيها تدوين لأحداث أتت تتمة للإلياذة مثل الأوذيسة. إنها ملحمة قومية، دينية بعض الشيء لأنها تقوم على أساس وجود قوى غيبية خارج إطار البشر؛ أما الأوذيسة فهي ملحمة بطولية تعليمية توضح صفات الملك البطل في عدله، و حكمته.

لقد كان هدف هوميروس من الإوذيسة التغني بأمجاد الأبطال، لأنه أقل مكانة من أبطاله الملوك، و الظروف الاجتماعية، السياسية، و مبدأ الالتزام بالتراث اقتضوا منه أن يوجه جلّ اهتمامه للأمراء و الملوك. كان ينشد أشعاره في بلاط أحفاد هؤلاء الأبطال، و يصور أشخاصه بأعلى مما هم في الواقع.

إن هوميروس أول من ذكر الفضائل، فقد حول أوذيس من ماكر إلى حاكم عادل، و لم يعط صفات تامة للشخصيات، بل يجمع بين الخير و الشر، فتعامله مع التراث كان لأهداف معاصرة، و قصائده تعكس حال العصر الذي يعيش فيه لا العصر الذي يكتب عنه. كان يأخذ من حوادث التاريخ ما يلتئم بعضه مع بعض في وحدة عضوية، و أشعاره تسجيل لحقائق واقعية و أشخاص حقيقيين، و تشبيهاته تكمل الحدث و توحي بأن العالم البطولي ليس كل شيء عنده، و عن طريقها يقارن بين العالمين ثم يبرز العالم البطولي بشكل أبقى و أنقى.

إنه أول شاعر يصور الحياة الإنسانية كوحدة متكاملة يعظم فيها الحياة البشرية كحياة لذاتها؛ و خاصة عندما قابل أوذيس أخيل في عالم الموتى، بالرغم من وجود التوتر بين سلوك الأبطال القساة و نظرة الشاعر الإنسانية. إن أسلوبه الملحمي يتميز بالحيادية، و لا يحتوي ترميز. نلاحظ درامية الكتابة الشعرية الملحمية في مسخ أوذيس و تنكر أثينا و إهماله لكثير من الأمور الصغيرة خلال السرد.

أما فرجيليوس، فمكانته تشابه مكانة هوميروس، كان هدفه أن يكتب ملحمة رومانية بحق، يضع فيها أغسطس في إطار تاريخي و أسطوري ضخم، لأنه كان من شعراء البلاط، لكنه لم يكتب أشعاراً تمجد أغسطس و تعارض وعيه الثقافي بل قدم قدراً كافياً من المقاومة و الصمود. و اهتمامه كان منصباً على البحث عن أصول روما و أغسطس و كيف نمت روما بفعل الإرادة القوية. و استطاع أن يربط تاريخ طروادة بالتاريخ الروماني فقد اتبع عدة وسائل مثل النظام الزمني المزدوج مما أتاح الفرصة لتصوير الأحداث الجزئية على أنها أمور كلية و مسائل كونية بل هيىء ذلك الفرصة أمام فرجيليوس لكي يصف الماضي السحيق على انه بذور المستقبل. إنه يكثر من الأحلام و النبوءات و يلجأ لحيلة وصف درع إينياس ليحكي حوادث التاريخ الروماني و قصد بديدو أن يذكرنا بكليوبترا، و بالمواجهة بين إينياس و تورنوس نتذكر مواجهة أغسطس و انطونيوس في أكتيوم.

 

 

 

و بالرغم من أنه قصد تأكيد الموضوع الرئيسي، لكن الإنيادة في مجملها لا ترتبط ارتباطاً عضوياً بالحبكة الفنية للملحمة، كما في حديث أنخيسيس عن الاستعراض الذي تنبأ فيه عن تاريخ روما في عالم الموتى عندما زاره إينياس، لكنه استطاع أن يزرع هموم الفرد و يصور قدره على نحو رومانسي كما هو الحال عند ديدو و نيسوس و أفاندر.

نلاحظ أن الإنيادة تحتوي على ترميز إجمالي، و ما يمكن أن يكتشف من هفوات و فجوات صغيرة هو أمر طبيعي في مؤَلف كبير مهما كان صاحبه. حتى أن ملحمتا هوميروس ( الأوذيسة و الإلياذة ) لا تخلوان من مثل هذه الهفوات. و قد وضع هوراس فرجيل في مستوى هوميروس، و نلاحظ أن بداية الإنيادة تشبه بداية الأوذيسة، لكن فرجيل يتحدانا بأن نضع أيدينا على الفوارق بين هذين البطلين و أهمها أن إينياس لا يبحث عن طريق العودة إلى وطنه القديم، إنما يسعى إلى أن يضع قدمه على طريق جديد غير مطروق من قبل نحو المستقبل المجهول.

إن أبطال هوميروس أفراد نموذجيون، يتميزون بحدة الانفعال بين الحب و الكره، بين الغضب و الحنان. و يتميزون بمشاعر الحب و الصداقة، كصداقة أوذيس لأخيل و حبه لبينيلوب زوجه الوفية.

أحاط هوميروس أبطاله بعالم جدير بهم، فكل أدواتهم من الذهب و حولهم خدم من الجنسين، و يظهرون الفصاحة و الحكمة و الكرم للضيوف و حسن المعاشرة. أما حبهم للتمتع بالحياة من نساء و طعام و تسلية فهو مساو لحبهم للنزال و الحروب. إن النموذج الهومري للبطولة يسلط الضوء على القوة الجسدية و لا يقلل من شأن القيمة العقلية و الروحية اللتان تضيفان على الجسد شيئاً من النبل و الجاذبية.

أما البطولة عند هوميروس، فهي هدف نبيل يجب السعي إليه، و الصورة الهومرية للبطولة مستقاة من الموروث الملحمي، لذلك كان عليه أن يراعيه في رسمه لصورة البشر المعاصرين له، حيث أن المجتمع الهومري يتطلب ملكاً حكيماً رزيناً، فصار التركيز منصباً على البطل الفرد ( أوذيس )، ذلك الشخص السلبي الماكر الذي حوله هوميروس إلى نموذج للبطل العادل و الحكيم الضروري لعصره. فأوذيس لا يبحث عن الحرب لكنه يضطر إلى ذلك حماية لوطنه و زوجه. أوذيس الأب اللطيف، الرقيق القلب، الذي يُعمل فكره قبل عضلاته، و ذكاؤه الذي يظهر في الحرب يظهر في السلم أيضاً.

أما فرجيليوس فقد وضع في البداية هدفاً واضحاً نصب عينيه مما أفقد ملحمته دفء العضوية و طلاوة التلقائية. أصبح إينياس وعاء ممتلئاً من الفضائل الرومانية، فأخرجه فرجيليوس من نطاق البشرية، و شتان بينه و بين أوذيس. يكون إينياس على نقيض أوذيس، إذ يمثل مجتمعاً بأسره، و فيه تكمن بذرة أمة جديدة، و يتحمل مسؤولية تفوق ما تحمله أوذيس. إن إينياس الممثل المثالي للشعب الروماني، و الفاقد لخصوصيته الفردية، نراه يسير وفق خطة القدر التي كان في البداية ينفذها طاعة لوالده، و رويداً رويداً وصل إلى مرحلة الوعي بالقدر.

لا يطمح فرجيل إلى رسم أوذيس آخر، لذلك يجعل من إينياس خاضعاً في متطلباته الفردية لمتطلبات و طموحات الجماعة، لكنه يتخذ من هوميروس دليلاً في بعض الأحيان فنرى صورة بطله إينياس و هو يلعب دوراً يشبه دور أوذيس، كزيارته لعالم الموتى. و إذا كان البطل الهومري لا يستطيع أن يفلت من قدره، إلا أنه يستطيع أن يتخذ قراراً، و يصبح سيداً لهذا القرار. أما إينياس الفرجيلي فإن قدره الإلهي أن يصبح جدّاً و مؤسساً للسلالة الرومانية، و هذا سبب وجوده.

من الملاحظ أن هوميروس مع حرصه على مراعاة المألوف الملحمي نجح في أن يطلعنا على أبطاله كأشخاص أحياء يعملون لا كنماذج من الماضي، و شخصياته بطولية و خيالية إلا أنها بأفعالها و حياتها اليومية تبدو قابلة للتصديق، و تتمتع بالغرائز الأساسية و الأحاسيس الإنسانية، و تتمتع بقدرة هائلة على تحمل الأهوال و قراراتها لا تراجع فيها، فهو يركز اهتمامه على الإنسان.

نوسيكا أميرة نادرة و جديرة بإنقاذ مثل هذا البطل، و فيها حياء كبير توضَّح في إدخالها لأوذيس سراً إلى القصر و هي ماهرة في المداواة و بينيلوب التي عانت طويلاً تتمتع بالدهاء التي ظهر عندما صارت تنسج في الصباح و تنقض ما نسجت في الليل، هذا بالإضافة إلى حذرها و شجاعتها في رفضها لأن تكون ضحية فتكسب عطفنا لأنها زوجة ملك و بطل فلا يجدر بها ذلك. و مانيلا الذي لم يكن قائداً للحرب رغم أن سبب حرب طروادة هو زوجه هيلانة، لأنه غير قادر على فعل أغاممنون بتضحيته بإفيجينيا و خوفه من الدفاع عن هيلانة بحق. و الذين أتوا لخطبة بينيلوب ليسوا من عالم هوميروس البطولي بل هم كالنباتات الطفيلية، و تليماخ المتردد ، كما أن هوميروس قد حافظ على الصورة التقليدية للساحرتين كاليبسو و كيركي.

أما ديدو في الإنيادة، فهي على علم بهذه الأقدار الرومانية لكنها تتجاهلها و تتناساها بفعل قوة الحب لإينياس و رغم أنها كانت شخصية ثانوية لكن شبحها ظل يرافق لإينياس و كأنها تمثل أن قرطاجة كانت ضحية روما و قد كانت كريمة مع الطرواديين و نشيطة كثيرة الإنجازات، أما تورنوس فقد تجاهل تلك الأقدار و دفع حياته ثمناً لتجاهله هذا. و هو يتناقض مثل ديدو مع فكرة وجود رسالة سماوية أمام إينياس، و هو يمثل قوة فردية غير مسؤولة و نشاطاً بربرياً ضد الفضائل العامة، فهو عنيف ووحشي أما إينياس فكان صبوراً واسع الأفق ضابطاً للنفس شديد الورع.

نلاحظ ذكر السيكلوبيين في الملحمتين ووجود المنشد و لا بد من الإشارة إلى أن ديدو ليست معوّقة للمسيرة مثل كاليبسو لكنها تلعب دور النقيض الشارح لشخصية إينياس و مصيره.

يأخذ هوميروس مادته من حياة البسطاء بحرفهم اليدوية و أعمالهم الزراعية، و لا ينسى متاعب الخدم رغم أنه يتغنى بالأمراء و للخدم عنده مكانة محدودة بولائهم لسيدهم مثل أوريكليا الوفية لسيدها أوذيس.

الشخصيات و الآلهة عنصران متلازمان و متعاونان، و كل عنصر يكشف عن الخصائص الجوهرية للعنصر الآخر. فأثينا تتدخل بكثرة و بشكل ساخر في كثير من المواقف و هي تحب أوذيس و تعطيه من صفاتها لكي يصبح عادلاً. إن الآلهة عند هوميروس تخضع لبعض النزوات و تتسلى أيضاً، و البشر يسعون إلى الآلهة للحصول على خلود فعلهم لا خلود حياتهم. و نرى زيوس قد أصبح عادلاً و كلي المعرفة نتيجة تطوره . و في الأوذيسة يكاد المرء لا يرى فروقاً بين البشر و الآلهة، فالآلهة ليست عالمة بكل شيء و هوميروس يترجم تجربة إنسانية لا إلهية فالأوذيسة ليست ملحمة دينية.

أما في الإنيادة، فنجد جوبيتر يعلو مرتبة قوة يونو التي ترفض و تحارب هذه الأقطار و تدور الإنيادة على تنبؤات الآلهة بالمستقبل، و امتلاكها قدرات تفوق مستوى البشر، و إرادة الآلهة مسيطرة على إينياس، و الآلهة عند فرجيليوس لا يقلون خبثاً عن آلهة هوميروس، و إن كل ما في الملحمة من شر و شقاء منشؤه الآلهة أنفسهم، فهي بالنسبة لفرجيليوس أدوات لشعره و سبب للظروف و الحوادث السيئة.

لقد كتب هوميروس و فرجيليوس ملحمتيهما استنادا إلى المأثورات الشفهية، فالشاعر لا يستطيع أن يزعم أنه وحده صاحب ملحمته، و تدل الدراسات على أن هوميروس اعتمد على عدة مصادر لكتابة ملحمته ، فهو يمثل الشعر الملحمي الأصيل و القائم على تقنية الشعر الشفوي. أما فرجيل فقد اعتمد على الأدب المكتوب. إن الأوذيسة ملحمة إنشادية تلقى على الجمهور، أما الإنيادة فهي ملحمة من صنع الخيال أو غير واقعية و تخاطب الذهن أكثر مما تخاطب الوجدان. و هي تخاطب جمهوراً قارئاً.

يتميز هوميروس بتكرار العبارات الملحمية المألوفة التي تخلق انطباعاً بالأصالة و الواقعية، و تتميز الأوذيسة بأنها تحوي عنصر الحكايات الشعبية، و هوميروس يجعل أشخاص الملحمة يتحدثون بلغة لم يكن الناس العاديون يتكلمون بها في حياتهم اليومية،و هو ينفذ إلى أعماق الرجال و النساء و يقدمهم لنا دون تعليق أو نقد من جانبه، و إذا أراد أن يقول لنا شيئاً عنه يجعلهم يتقدمون و يقولونه. و هو يحاكي عن طريق القصص، حيث يقص على لسان آخر كما يفعل فرجيليوس، لكن مسار الرواية في الإنيادة أبطأ بكثير من الأوذيسة و قد نظمت الإنيادة بطريقة الشعر البطولي.

لكن الذي يهم في الملحمة هو الشعر و ليس الشاعر. لكن هذه اللاشخصانية لا تعني أن الشاعر لا يعبر عن عواطفه إزاء البطل، و هذا الجانب المتخيل هو جزء من الصنعة الفنية التي يلجأ إليها الشاعر لاستكمال عناصر الملحمة و الشاعر يصور لنا بالرمز و الوصف لاستثارة سامعيه أو مشاهديه، فهوميروس في ملحمته لم يكن حاضراً و لم يحلل في سرده و كان ينقل السرد إلى الشخصية لتصبح هي الراوي ، أما فرجيليوس فلم يكن حاضراً أيضاً و لم يحلل لكنه يقوم بشكل أكبر من هوميروس بالسرد و قليلاً ما كان يعطي الشخصية مهمة الروي على لسانها.

 

المراجع:

  • فرجيليوس- الإنيادة- تر: عنبرة سلام الخالدي- دار العلم للملايين
  • هوميروس- الأوذيسة- تر: عنبرة سلام الخالدي- دار العلم للملايين
  • هاوزر، أرنولد- الفن و المجتمع عبر التاريخ – ج1- تر: فؤاد زكريا- المؤسسة العربية للدراسات و النشر
22
مارس
12

مسرح أبو خليل القباني

مسرح أبو خليل القباني

التمثيل جلاء البصائر، ومرآة الغابر، ظاهره ترجمة وسير، وباطنه مواعظ وعبر، فيه من الحكم البالغة والآيات الدامعة ما يطلق اللسان ويشجع الجبان ويصفي الأذهان ويرغب في اكتساب الفضيلة ويفتح للبليد باب الحيلة، ويرفع لواء الهمم ويحركها إلى مسابقة الأمم ويبعث على الحزم والكرم . يلطف الطباع ويشنف الأسماع وهو أقرب وسيلة لتهذيب الأخلاق ومعرفة طرق السياسة، وذريعة لاجتناء ثمرة الآداب والكياسة هذا إذا تدرج فيه من ذكر الأحوال إلى ضرب الأمثال ومن بيان المنهاج إلى الاستنتاج ليرتدع الغر من غيه وينزجر ويجد العبرة في غيره فيعتبر…

  • أحمد أبو خليل القباني 1833-1902

بدأ المسرح العربي في شكله المستورد من أوربا مع عرض مسرحية “البخيل” لمارون النقاش في منزله ببيروت(حيث كانت المنطقة تفتقر للمعمار المسرحي) فقد كانت انطلاقته امتداداً لأفكار عصر النهضة العربية، حملتها البرجوازية المدينية الناشئة على أكتاف مثقفيها، ممن احتكوا بالغرب وأتقنوا لغاته، أو بالأستانة العثمانية المهيمنة، هذا إلى جانب امتلاك هؤلاء المثقفين معرفة واسعة بتراث ولغة وطنهم ووعياً كافياً بضرورات المرحلة التي يمر بها على مستوى الثقافة التنويرية(1) ومنهم أحمد آق بيق أو أبو خليل القباني الذي تلا مارون النقاش لكن في مدينة دمشق وكانت مبادراته فردية تشابه مارون النقاش ويعقوب صنوع في مصر وغيرهم حيت كانت مبادرات متناثرة متباعدة لظروف متعددة منها ظروف الهيمنة العثمانية وسياسة التتريك المعادية لأي توجه عروبي إلى جانب الرجعية الدينية المناهضة للتنوير وما حدث مع أبي خليل القباني في دمشق خير دليل على ذلك(2) بالإضافة للظروف المادية التي تتمثل في غياب دور العرض، وظروف عملية تتضح في غياب الفنيين والممثلين لكن رغم هذا كله ظهر أبو خليل القباني الذي كانت له الريادة الثانية في المسرح العربي عام 1867 أو قبل ذلك بقليل (ويذكر أن مراد السباعي أشار إلى أن والده حدثه عن السيد سليمان صافي كيف أنه كان يملك حديقة واسعة مليئة بالأزهار. وفي داخل هذه الحديقة كان يقدم مسرحيات حوارية مؤلفة من شخصيتين أو ثلاثة أشخاص. وباعتبار أنه كان يلبس الصبيان لباس البنات ليقوموا بأدوار ثانوية، هاجمه الشعب الحمصي بشدة واضطر إلى التوقف عن العمل بعام 1866 لكن هذه الحقيقة لا تنفي الريادة عن أبي خليل القباني ولا تشكل نقطة البدء، ذلك لأن ما تم في منزل سليمان صافي كان تمهيداً لريادة القباني في دمشق) (3).

لقد كان القباني شاعراً وأديباً وموسيقياً، فقد تحدث محمد كرد علي عنه في أيام 1925 فقال: (أحمد أبو خليل القباني من المبرزين في الموسيقى المشهود لهم بالإجادة فأنشأ داراً للتمثيل وبدأ يضع روايات تمثيلية وطنية من تأليفه ونظمه وتلحينه) (4)

(ولد أحمد آق بيق عام 1833 في أسرة تركية هاجرت من تركيا واستقرت في دمشق. وآق بيق هي الكنية الأصلية لأبي خليل القباني، ولأنه اشتغل في القبان فلقد غلب عليه لقب القباني هو وأقرباؤه.

كان منذ صغره يكتب الأزجال ويقوم بتلحين الموشحات والأغاني كما كان يتابع دروس الدين وحلقات الصوفية حتى نال لقب (الشيخ) وتعلم فوق هذا كله رقص السماح وقد اكتسب من الشهرة في فن الموسيقى والغناء ما جعل أساتذة هذه الفنون لا يكفون عن ذكره ويشيدون بمقدرته وبراعته ولم يكن القباني ذا حنجرة قوية لكن موهبته كعازف وملحن كانت كبيرة لدرجة سمحت له باستقبال الممثلين المطربين لتعليمهم الغناء.

كان معجباً بخيال الظل وبمحركه علي حبيب، ثم أخذ يفكر بمشروع خطير فجمع رفاقه وقال لهم: نحن نشاهد الخيالات المصنوعة من الجلد والتي يحركها ويقوم بجميع أدوارها شخص واحد وهذه الأعمال متعبة جداً وإن دلت فإنما تدل على براعة وإرادة قوية صلبة، فإذا كتب أحد ناقصة لخمسة أشخاص أو أكثر ثم أخذنا نتحاور في كل ما من شأنه أن يعود بالفائدة على المجتمع ويحطم الأدمغة المتحجرة ، أليس ذلك أفضل من الخيالات التي يزرع فيها الحياة رجل واحد؟) (1)

لكن أبا خليل القباني لم يتأثر فقط بتجربة خيال الظل بل إنه تأثر أثناء ذلك بالفرق المسرحية فقد حضر ” رواية تمثيلية في مدرسة العازرية قام بها فريق من تلامذة المدرسة باللغة الفرنسية (الإفرنسية) ” (2) ( وفي عهد ولاية الوالي صبحي باشا كان القباني على علاقة بالمدارس التبشيرية في بيروت التي هيأت له الفرصة لمشاهدة عروض مارون النقاش كما يحتمل أن أبا خليل القباني قد شاهد عرض الاسكندر المقدوني لابراهيم الأحدب التي عرضتها الفرقة اللبنانية في دمشق عام 1868 ويحتمل كذلك أنه على اطلاع بالدراما التركية بسبب أصله التركي ، تلك الدراما التي كان لها الكثير من الروابط مع مؤلفات موليير وراسين) (3)

يمكن تقسيم عمل أبي خليل القباني المسرحي في دمشق إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى:

(كانت أقرب إلى الهواية فبعدما اختمرت تأثيراته بفن المسرح أقبل عليه وكتب مسرحية ناكر الجميل التي ألفها متأثراً بحادثة معينة وقعت بين صديقين واقتبس موضوعاتها من حكايات ألف ليلة وليلة وكان شكلها حوارياً بسيطاً يتضمن المادة الشعرية إلى جانب الموسيقى واشترك في تمثيلها مع بعض الأصدقاء والمقربين واستعاض عن النساء بالفتيان ذوي الوجوه الصبيحة وعرضها في بيت جده) وذكر في كتاب موزاييك مسرحي أنه قدمها 1871 في خان يقع في سوق البذورية ويرجح أنه قدمها عام 1867. وقد نجحت التجربة نجاحاً كبيراً فقد لاقت من مشاهديها في تلك الحفلات استحساناً وإقبالاً) في زمن الوالي العثماني صبحي باشا 1871 ومدحت باشا 1878 ذي الأفكار الليبرالية كانا سنداً له فيرسلون الخدم قبل العرض بساعات للمساعدة ( ويبدو أنه قام بعد مسرحيته الأولى بعدة محاولات وتجارب في الكتابة والتمثيل ونجحت كلها فعقد العزم على الظهور بعد الخفاء وشجعه على ذلك أن الوالي صبحي باشا الذي ولي سورية بين 1870 و 1871 وشاهد إحدى هذه المسرحيات في حفلة خاصة أقيمت على شرفه فأعجب بها وشجع صاحبها على المضي في هذا السبيل والخروج بها إلى الجمهور) (4) فقدم مسرحيته الثانية “الملك وضاح ومصباح وقوت الأرواح” وبعد ذلك انتقل إلى العصرونية واتخذ من خان الكمرك مسرحاً له وكان نشاطه المسرحي منذ البداية يلاقي التشجيع من الوالي التركي (5) (وهذه المسرحيات سرعان ما قدمت في بيت أحد الأصدقاء، ثم عرضت على الجمهور في كازينو الطليان وظلت مسرحيات القباني تعرض في الخانات والبيوت وظل يستعين بالصبيان لأداء أدوار النساء. لقد دامت هذه المرحلة قرابة عشر سنوات من حياة أبي خليل القباني ) (6)

” استلهام التراث كان هاجس المسرح السوري منذ بواكير التأليف المسرحي وإذا كان خيال الظل يعتبر تراثاً مسرحياً فإن فصوله لم تعد إلى التراث وإنما كانت [...] مجرد نقد اجتماعي أو سياسي مبطن للحياة في آنيتها وعندما قدم مارون النقاش (1817-1855) مسرحيته (أبو الحسن المغفل) [...] كان إعداده لمسرحية موليير واعتماده على قصة من ألف ليلة وليلة وإدخال الغناء في العرض بمثابة إعلان عن أن المسرح العربي لا يمكن أن يبتعد عن الوعي الجمالي العربي وبالتالي عن التراث العربي. أبو خليل القباني 1833-1902 الدمشقي كان أكثر حرصاً على استلهام التراث ليس في موضوعات مسرحياته فحسب وإنما في إدخال فني غناء الموشحات ورقص السماح وهما من تراث حلب الفني. (7)

(والواقع أن أبا خليل القباني في مسرحياته هذه وما تلاها – الأمير محمود، عفيفة، أنيس الجليس، الملك وضاح، ناكر الجميل…- لم يعتمد النص الأدبي أساساً للمسرحيات التي كتبها بل التفت التفاتاً أكبر إلى عناصر الغناء والإنشاد والرقص وجعل هذا العناصر الفنية جميلة ومتكاملة ، وإلى جوار هذا اعتمد على القصص الشعبية التي كان قصاصو المقاهي يقصونها على روادهم ، كما اعتمد على السير الشعبية في بعض مسرحياته وجعل الإنشاد عنصراً هاماً من عناصر مسرحه واعتمد على التراث الشعبي وخاصةً ألف ليلة وليلة) (1)

المرحلة الثانية:

” جاءت عناية مدحت باشا بالممارسة المسرحية للقباني ورفدها بالدعم المادي والمعنوي كجزء من المشروع الإصلاحي مثلها مثل بقية المشاريع الإصلاحية الأخرى في الحكم والتعليم) (2)

( لقد ولي مدحت باشا بين 1878 و1879 وهي مرحلة الاحتراف عند أبي خليل القباني ولفت نظره كثرة المقاهي التي تمثل فيها حكايات (قره كوز) فانتقد وجهاء دمشق وعلماءها على هذا، وسألهم: ألا يوجد في دمشق من يستطيع إقامة مسرح تمثل فيه الروايات الأدبية؟ فأخبروه عن القباني . وحضر القباني أمر بالمضي في هذه المهمة.

وفي الوقت نفسه كان اسكندر فرح مولعاً بالمسرح ومطلعاً عليه وعلى فن التمثيل بشكل خاص وتم اجتماعه مع أبي خليل القباني واتفقا على إنشاء مسرح مشترك بينهما. لقد تحققت أحلام القباني فاستأجر في جنينة الأفندي في باب توما مكاناً واسعاً وشكل مع اسكندر فرح فرقة مسرحية، وقام بشراء الملابس المسرحية وقدم مسرحية (عائدة) التي ترجمها عن الإيطالية سليم النقاش وأعدها عن الأوبرا لتصلح للمسرح الدرامي. بهذا الشكل تحول القباني إلى محترف وهو أول مسرحي عربي يحترف المسرح ويجعله وسيلة عيش وارتزاق، وتحول القباني إلى محترف رسمي يتولى إخراج المسرحيات التي تقدمها فرقته سواء كانت من تأليفه أم من تأليف غيره. ونجحت “عائدة” ودفعه ذلك إلى تطوير عمله المسرحي الاحترافي فاستعان بفتاتين من لبنان (لبيبة ومريم) لتقديم مسرحية “الشاه محمود” واستعان بالفتيان لتقديم بقية الأدوار النسائية وحضر الوالي المسرحية وأعجب بها.

باع القباني ما يملكه من أرض كما باع القبان الذي يملكه وصرف مبالغ كبيرة على إنشاء المسرح بشكل فني وبدأ بالتمثيل في البناء الذي استأجره في خان الكمرك. إن هذا لا يدل على حب للمسرح وحسب بل يدل على روح جريئة. وإذا كانت مغامرة القباني هذه قد نجحت على الصعيد الفني فقد حشرت على الصعيد المالي لأن 80% من متنفذي دمشق وأتباعهم يدخلون المسرح دون أن يدفعوا عند الدخول. قد دام التمثيل سنة وأحد عشر شهراً على أحسن ما يرام فنياً وأسوأ ما يكون مادياً”(3)

ثم عرض القباني مسرحية “أبو الحسن المغفل” التي كتبها مارون النقاش وهنا كانت الرجعية في موقفٍ معادٍ لها وتصادف ذلك مع انتقال مدحت باشا من دمشق إلى الحجاز فبقي القباني وحيداً لا حامي له فانقضت الرجعية عليه يرأسها سعيد الغبرا.

” سعيد بن عثمان بن عبد الغني الدمشقي الشافعي الشهير بالغبرا [...] كان العلماء الذين هم صدقوا بما عاهدوا الله عليه لا تأخذه في الله لومة لائم للتدريس والوعظ في الجامع الأموي مدة طويلة يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويكد على تعليم العامة أمر دينهم الضروري لهم وقمع البدع غير المرضية المخالفة للشرع ، وقد شد الرحيل مراراً لعاصمة الدولة الإسلامية لرفع وإبطال الكثير عنها التي ظهرت بدمشق على الأخص كوميدية التمثيل للروايات فلما وصل الخبر إلى السلطان عبد الحميد أصدر أمره بإبطالها ولغوها…” (4)

” لقد صرخ الشيخ سعيد الغبرا مستغيثاً : (أدركنا يا أمير المؤمنين ، فإن الفسق والفجور قد تفشيا في الشام فتهتكت الأعراض وماتت الفضيلة ووئد الشرف واختلطت النساء بالرجال) وكان يدرك جيداً أنه إن لم يرمِ القباني بالبدعة والهرطقة وإن لم يعزف على وتر الفضيلة فإن أحداً لن يسمعه. لكن الغبرا ومن ورائه الرجعية الدينية ساءه أن يرى الأفكار الجديدة وهي تشق طريقها إلى الناس فتزيح تدريجياً ظلام الجهل عن عيونهم، لذلك راح يسعى إلى الإجهاز على تجربة القباني وكان له ما أراد. إذ صدرت إرادة شاهانية بمنع التمثيل في سورية” (1)

(أوقف مسرح القباني بعد هذه الخطبة ولم يعد القباني يستطيع العيش في دمشق خاصةً بعدما صار الصبيان يلحقون به في الشوارع ويسخرون منه منشدين:

أبو خليل النشواتي يا مزيف البنات

ارجع لكارك أحسن لك ارجع لكارك نشواتي

أبو خليل مين قلك عالكوميضا مين دلك

ارجع لكارك أحسن لك ارجع لكارك قباني

أبو خليل القباني يا مرقص الصبيان (2)

” جذبت مصر الكثير من الرواد من المفكرين والفنانين والتجار لأجواء الحرية النسبية وتوافر فرص العمل فهاجروا إليها وكان للجالية الشامية شأن كبير في الحياة الصحفية والفكرية وفي حقول الترجمة والثقافة والفن والعلوم . من هنا كانت مصر مجال الاستقطاب لسليم النقاش عام 1876 ومن ثم للقباني بعد مهاجمة مسرحه في دمشق من قبل شيوخ القديم والرؤية المحافظة الهرمة” (3)

لكن القباني قبل أن يغادر دمشق إلى مصر ذهب إلى حمص كما يذكر فرحان بلبل في كتابه ” المسرح السوري في مئة عام ” فقد ( أقام فيها مدة عامين والتقى فيها بكبار الموسيقيين وتعلم منهم وعلمهم واكتسب خبرة موسيقية هي حصيلة ما في حمص وحلب وحماة من معار موسيقية وخاصةً أشعار وألحان الشيخ أمين الجندي التي سينقلها معه إلى مصر والتقى أيضاً بمن يعمل في مسرحه. ولعل أكبر أثر تركه في حمص هو التقاؤه بالشيخ العالم المسرحي الموسيقي عبد الهادي الوفائي. لكن القباني لم يكن قادراً على البقاء في حمص وسرعان ما استيقظت في نفسه روح المغامرة الجريئة ، فسافر إلى مصر عام 1884 لتبدأ في حياته مرحلة جديدة كان لها أكبر الأثر في ريادة المسرح العربي كله. (4)

يقول سعد الله ونوس في مقدمة مسرحية ” سهر مع أبي خليل القباني” :

(لأن القيمة الأساسية لتلك التجربة في نظري على الأقل لا تكمن في ريادتها فقط ، وإنما في طبيعة العرض المسرحي كجدث اجتماعي فعال. فالجدة والارتجال والاتصال الحي بالمتفرجين ، كل ذلك كان كان يحوّل العرض إلى ظاهرة اجتماعية تخلق مناخاً جديداً في سهرات الناس وتولد لديهم إحساساً خاصاً بجماعتهم)

واعتبر سعد الله ونوس أن قيام المسرح هو في جوهره جزء من تلك النهضة التي أثرت وتأثرت بالأوضاع آنذاك. والسؤال الذي يطرحه ونوس في مقال آخر : لماذا وقفت الرجعية ضد تجربة أبي خليل القباني بهذه الشراسة؟

إن تحليل النصوص يشعرنا أنها محيرة ولا تتصادم إلا في الحدود الدنيا مع القيم والأفكار التي كانت سائدة في مجتمع محافظ وتقليدي . فمثلاً:

أشرقت شمس التهاني وبدا نجم السعود

وانجلى صبح الأماني وبه هناء الوجود

دور:

يا مليكاً عز قدرا وسما نهياً وأمرا

قد حباك الله نصرا خفقت منه البنود

دور:

شدت أركان المعالي وازدهرت فيك الليالي

وأضا بدر الكمال من سنا عدل ووجود (5)

” سلطة الحكام المطلقة تشمل كل ما هو زمني وروحي معاً : منها ينبثق الخير والحق والعدل وبالتوافق معها أو الرضوخ لمشيئتها يتحقق توازن الفرد وسعادة المجتمع ولهذا فإن أية محاولة ترمي إلى مس شرعية هذه السلطة غير مقبولة ولا ممكنة أيضاً. إن السلطان بعد أن تنجلي أمامه الحقائق يلجأ دائماً كي يعوض من خسر وينصف من اغتصب حقه [...] وهذا المثول ضرورة لا احتمال – ونلاحظ هذا لا في نهاية المسرحيات فقط بل في المسرحيات أيضاً ، وخاصةً (أبو الحسن المغفل) أو (هارون الرشيد مع الأمير غانم بن أيوب وقوت القلوب) ، (هارون الرشيد مع أنس الجليس) وغيرها إذ يتحكم الملك بالخير ويحل العدل وتتصافى القلوب- لأن البنية الاجتماعية هي أيضاً بنية ثابتة تحكمها قيم أخلاقية قديمة وعلاقات طبقية مستقرة ولذا فلا غرابة أن يختم القباني كل عمل من أعماله بأغنية تمجيد ودعاء للسلطان” (1). هذا هو رأي سعد الله ونوس. أما شاكر مصطفى فيعلل الاضطهاد الذي تعرض له مسرح القباني ، والقباني بشخصه بقوله:

” الواقع أن فن التمثيل المسرح كان أرستقراطيا ، ولم يكن يزدهر إلا في ظل تلك الطبقات العليا التي تستطيع تمويله وعلى هذا الشكل نشأ مسرح القباني بتشجيع الولاة والطبقة الحاكمة وبالأموال التي كانت تؤخذ منهم فكان هذا المسرح متصلاً مباشرةً بالحكام وعطفهم وتسليتهم ومتى تخلوا عنه عضته لا الفاقة فحسب بل الرجعية الدينية أيضاً وصورته بدعة وضلالة [...] ولم تكن الشخصيات التي يقدمها مسرح القباني سوى شخصيات الأمراء والملوك ولا كانت القيم والمفاهيم التي يعبر عنها سوى قيم المجتمع الإقطاعي الوسيط الذي كان لا يزال يعيش في ظل السلطان العثماني [...] وهكذا لم يكن بين القباني وبين المجتمع الجديد الذي كان يتكون في سورية إلا أوهى الصلات. فإذا أهملته الطبقة البرجوازية الناشئة النامية فلأنها لم تجد فيه ما يمثلها [...] ومات مسرح القباني في حياته لأن الطبقة التي أنشأ لها مسرحه كانت تضمحل” (2)

إلا أن الذي قدمه شاكر مصطفى يزيد المسألة تعقيداً ، (فإذا كانت النصوص التي قدمها القباني لا تعبر إلا عن قيم ومفاهيم مجتمع إقطاعي رجعي يترنح أمام ضربات برجوازية متنورة تتكون ، فلماذا إذن قاد ممثلو المجتمع الأول الرجعي بتركيبه الإقطاعي الديني ذلك الهجوم العنيف على تجربة القباني؟ إن الذي حمل المضبطة إلى الأستانة ليس أحد ممثلي البرجوازية المتنورة وإنما هو الشيخ سعيد الغبرا الذي جمع تواقيع معظم أعيان دمشق آنذاك) (3)

يقول علي عقلة عرسان في كتابه (وقفات مع المسرح العربي): ( تتجلى نفس القباني وروحه في صيغ أخلاقيات الشخوص المسرحية وإشباع حوارها بأخلاقيات الناس في عصره وإخضاعها لمعاييرهم الاجتماعية ، كما تبرز دعوته إلى الفضيلة مع تصريح بسوء طبع الناس وشيوع الغدر فيهم ، فنص “ناكر الجميل” مثلاً يرمي إلى إدانة الخبث والحقد والطمع ويدعو إلى الاعتراف بالجميل والرد على الصنيع الحسن بمثله ويظهر نماذج من السلوك السليم في مقابلة نماذج من السلوك الشرير والحوار موشّى بالسجع إلى درجة المبالغة في التكلف ، ويتضمن شعراً كثيراً كان يختار بعناية وله فيما يبدو تأثير كبير على المستمعين، كما يحمل الحوار الحكمة والعبارات المتناقلة في هذا الصدد بين الناس) (4)

(أما في مسرحية “هارون الرشيد مع الأمير غانم بن أيوب وقوت القلوب” فقد قصد المؤلف إلى تحريك النفوس بالعزف على وتر القيمة والفضيلة والخلق فالرشيد يهتز دائماً عند طلب الرحمة وعند اتهامه بشكل غير مباشر بالظلم وعندما يرى عملاً يركز القيمة الأخلاقية ويستند إليها. لقد كانت معظم أعمال القباني تنصب على تقدير القيمة وجعل العاقبة والمثوبة لمن يصبر ويحسن التصرف، ولمن لا يفرط بأخلاقه وسلوكه وقيمه حتى في أشد أوقات المحن والشدة والضيق) (5)

” قوت: خبّر رشيد الرأي يا باهي الشيم بأنني قد ذقت في السجن العدم

وأن حبيبي غانم باهي السنا من قبل موتي طاهراً ذاق العدم

واأسفاه وأنت خبّره فقد بلغ الكرب منتهاه . ومن استوثق بالزمان أهانه ومن استعظم عليه أهانه، ولكل نجمةٍ أفول، ولكل زهرةٍ أفول، ولكل زهرةٍ ذبول. فاصبر أيها الحبيب فإن قدومي عليك قريب، وإني سائرةٌ عليك ووافدةٌ عليك. فقد حفظتَ يا حبيبي حق من لا يحفظ حقك وصنتَ عرض من لم يصنْ عرضك ، وأحسنتَ لمن أساء إليك فرحمة الله عليك [...]

ملك: لقد أذنت لك في الوقت الذي تريديه وسأبلّغ كلاً منكما بعد حضوره ما يشتهيه وقد عفوت عنك وعنه بلا خلاف وذلك نظراً لثباتكما على الصيانة والعفاف. (1)

( إن العبرة الأخلاقية أو الهدف العام لا يخرج فما درج القباني على إيراده في نصوصه من تأكيد على القيم وعلى عاقبة الصبر والصلاح والتمسك بالعفة والبراءة مهما بلغ الظلم فالفرج والنهاية الطيبة من نصيب المظلوم ، والعدل لا بد من أن يأخذ مجراه ، وانتصار الفيلة محتوم. وهنا تتجلى روح العصر وثقافة القباني الدينية والقيم الأخلاقية في معايير وأحكام وخلاصات ونهايات يؤول إليها الفعل ويعتبر بها الإنسان ، وهو يسوق العظمة والدعوة إلى الاعتبار صراحة في كلام طويل على لسان شخصياته) (2)

(فإذا لم تحمل نصوص القباني ما يشكل خطراً يهدد أركان المجتمع الإقطاعي وما يحمله، فما الذي جعل أعيان دمشق يشنون حملتهم الشرسة؟

لقد عزا البعض غضب الرجعية إلى أسباب أخلاقية ، إذ أهاج المشايخ ما تضمنته روايات القباني من مشاهد غرامية وحوارات عن الحب وطيب الوصال- لكن هذا التفسير لا يبدو مقنعاً، فمقاهي الشام في تلك الفترة كانت تنتشر فيها وبكثرة خيمة “الكركوز” وفي هذه الخيمة كانت تقدم فصول فيها الكثير من البذاءة والألفاظ المكشوفة أو المواقف الماجنة- فلماذا لم ينتفض المشايخ إذن ضد “الكركوز” ولم يطالبوا بإحراق المتهم؟

هذا الموقف المتعارض يبرز لنا أن الدوافع الأخلاقية لم تكن إلا قناعاً تخفي وراءه الرجعية الأسباب الأعمق.

لقد اعتبرت الرجعية أن المسرح بدعة- هكذا يقول سعد الله ونوس- ولهذا توجبت المبادرة إلى إبطاله ولكي نفهم هذه النقطة علينا أن نعرف متى كان رجال الدين يشهرون سلاح “البدعة” في العهد العثماني وخاصة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

من المعروف أن نظام الحكم العثماني كان “اوتوقراطياً” وكانت بنية النظام الاجتماعي فيه بنية إقطاعية متخلفة ترتكز على تحالف وثيق بين كبارالإقطاعيين ورجال الدين وكان الصراع الاجتماعي قد بدأ يزوبع في أرجاء الدولة المريضة وكان عليهم-أي رجال الدين- أن يسندوا الطبقة التي يرتكزون عليها وحين أجبرت الضرورة التاريخية الدولة العثمانية على الاختيار بين أن تنهار أو تتجاوز نظامها الإقطاعي المتفسخ بعدة إصلاحات حديثة وشبه برجوازية شكل رجال الدين معارضة شرسة قاومت كل تحديث ورفعت راية “البدعة”.

يخبرنا الشيخ الشطي أن البدع كثرت في دمشق- وهذا تعبير مموه ، يعني من حيث الموضوعية التاريخية أن البرجوازية أخذ يشتد عودها، وأنها استطاعت أن تفرض على المجتمع ولو جزئياً قيماً جديدة ، فما هي العوامل التي جعلت الرجعية ترمي تجربة القباني المسرحية بتهمة البدعة خاصة أن النصوص التي قدمها لم تتضمن من الناحية السياسية الاجتماعية ما يمس الايديولوجيا المحافظة والمتزمتة التي كانت تتبناها الرجعية ولا بد من التوقف- ليس عند النصوص- بل عند الظاهرة المسرحية بحد ذاتها.

لا بد من الوقوف عند البعد الاجتماعي للتجربة ، هذا البعد الذي تكونه مجموعة العلاقات الحية والتأثيرات المتبادلة بين المسرح والجمهور في مكان وزمان لهما شرطهما التاريخي المحدد. إن التماس والتفاعل بين العرض والجمهور يشكل شرط المسرح الجوهري ويحدد بالتالي فعاليته.

من هذا المنظور تبرز لنا عوامل الخطر التي أحسها رجال الدين في تجربة القباني فهذه العوامل تكمن في الظاهرة المسرحية لا في الأفكار التي يلقيها المشخصون على الخشبة ومن بين هذه العوامل التي أقلقت الرجعية وأهاجت غضبها يمكن أن نميز ثلاثة عوامل:

العامل الأول:

هو أن ظهور المسرح كان جزءاً من حركة التنور أو النهضة التي رافقت صعود البرجوازية في المجتمع. وكان ظهوره يلبي واحدة من الحاجات الثقافية التي رافقت هذه الصاعدة ، فالمجتمع البرجوازي الذي يتكون ويناضل لذلك التكوين ، كان يحتاج إلى أسلوب خاص للتعبير الفكري والأدبي وفي الإنتاج الاقتصادي وفي العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والظاهرة المسرحية التي انبثقت من حركة النهضة ، كانت في الوقت نفسه شكلاً ثقافياً جيداً يعكس هذه النهضة. يقول محمد كرد علي:

” لم يفاجأ الجمهور الدمشقي بهذا العمل الفني الجريء بقدر ما أعجب ودهش بهذه البدعة المحلية يقدمها له مسلم”(1)

لقد تنامت الرغبة إذاً في توكيد الذات واللحاق بركب المدنية وبدأت أفكار اليقظة القومية تنتشر.

إذا كان المسرح فن هؤلاء الذين شرعوا النهضة، وكان ينتمي إلى تيارهم، ويشكل معلماً من معالم هذا “الجديد” الذي يبشرون به ، ولا يهم هنا أن المسرحيات لم تكن تقول أفكارهم أو تعكس طموحاتهم السياسية والاجتماعية ، إذ يكفي أن المسرح قد وُلد ، وأنه يبتكر أشكالاً تعبيرية جديدة إضافةً إلى أنه يقدم روايات باللغة العربية.

العامل الثاني:

هو أن الظاهرة المسرحية قد ارتبطت بالطابع الاجتماعي . لا ريب أن تلك العروض التي كانت تحفل بالجدّة والارتحال والتجاوب والنشاط تنطوي على أكثر مما تقوله النصوص فقد كان المتفرجون يذوقون متعة جمالية جماعية ويستمرئون ولوعه على نحو غامض شعوراً بالمساواة بينهم.

العامل الثالث:

يرتبط بالعامل الثاني، وهو عامل يتعلق بأخطر عناصر الظاهرة المسرحية ، وهو التشخيص. فمن المعروف أن النظم الإقطاعية الدينية تعتمد دائماً على تأكيد وتكريس الحدود الصارمة بين الطبقات، وهي توظف شتى الوسائل لبلوغ هذا الغرض. والكنيسة اكتشفت قبل رجال الدين الإسلامي هذا الخطر، فحاربت فرق الكوميديا ديلارتي في إيطاليا، وحاربت بضراوة المحاولات الشعبية لتقديم مسرحيات الأسرار الدينية ، والسبب يكمن في أن التشخيص ولا سيما في جو العروض الشعبية ينزع عن السادة هالة القدسية وفي جو عروض القباني حيث العفوية والارتجال يلعبان دوراً مهماً في حيوية العرض ، فكان تشخيص الملوك والأمراء يقلص حجومهم ويقلل من مهابتهم (تقليد هارون الرشيد مثلاً).

هذه العوامل الثلاثة دفعت الرجعية الدينية إلى اتهام تجربة القباني بالبدعة.

ولأن الدكتور شاكر مصطفى أهمل الظاهرة واهتم بالنصوص فقط ، لم يستطع أن يتبين الوجه التقدمي لهذه العروض وارتباط مسرح القباني الوثيق بالطبقة التي كانت تتكون)(2)

نقطة لا بد من إثارتها، ألا وهي أن معظم المسرحيين يتهمون القباني بأنه لم يدخل الموسيقى والغناء إلا لجذب المستمعين وإطرابهم بما لا علاقة له بالعمل المسرحي الدرامي ، ولا شك أن في ذلك شيء من الصحة. فما أدخل القباني وجميع رجال المسرح في القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين الموسيقى إلى المسرح إلا لتقريبه من أذواق المتفرجين في عصره. لكننا نغالي في ذلك كثيراً ونتهم القباني بأنه لم يدرك العلاقة الوثيقة بين المسرح والموسيقى ومع اعترافنا بأن علاقة الموسيقى بالدراما عند القباني ساذجة وبسيطة وليست كعلاقتها الآن ، إلا أن النظر إلى المادة المسرحية دون المادة الغنائية سيجعل نصوص القباني أقل كمالاً.

(إن مسرحيات القباني ذات الطابع الإنشائي وطقوس الزركشة البيانية والمحسنات البديعية وإيقاع السجع ورتمه لم تنطلق للتحرر من قيود وقوالب هذا الشكل القديم لتعبّر بحرّية عن الرؤية الجديدة وأقصى ما عبرت عنه كان مضمون هذه القيود نفسها)(1)

وقد أخذ القباني التنسيق الخارجي لمسرحياته من أصول البناء المسرحي الأجنبي. فهو يقسم مسرحياته إلى فصول، تتطور قصة المسرحية من فصل إلى آخر. إلا أن حكاياته ساذجة نقلها من مصادرها دون أن يغير في تفاصيلها ودون أن يضيف إليها فكرة جديدة أو هدفاً مغايراً لما كانت عليه في المصادر الأصلية لكنه كان ينتقي من المسرحيات ما يحمل في طياته هدفاً أخلاقياً اجتماعياً.

إن عبقرية أبي خليل القباني الحقيقية- كما أشاد الدكتور شاكر مصطفى- إنما كانت في ابتكاره المسرحية الغنائية (الاوبريت) العربية مع أن النقاش كان له فضل السبق في هذا، ولقد جمع لأول مرة بين الغناء الموروث والأدب العربي والتمثيل في وحدة متكاملة يلتقي فيها الرقص مع النشيد الفردي والجماعي مع التراث القصصي والمغزى الخلقي .. إنه أول من صعد برقص السماح التقليدي وبألف ليلة وليلة وبالشعر العربي إلى المسرح ، ليعطيه الحياة.

“كان لا بد للمسرح السوري بعد أن تلقى ضربةً أليمةً برحيل مؤسسه أبي خليل القباني من أن يمر بفترة نكوصٍ واضطرابٍ وضعفٍ ، حيث عادت من جديد عروض خيال الظل والأجواق المحترفة في المسارح والملاهي والمقاهي والمتنزهات وكانت تقدم مشاهد تمثيلية قصيرة خلال أمسيات المنوعات التي تضم العروض الموسيقية والغنائية والراقصة” (2)

لقد سافر القباني إلى مصر عام 1884 لتبدأ في حياته مرحلةٌ جديدةٌ لها عظيم التأثير في المسرح العربي. صحب القباني معه فرقةً مسرحيةً ضخمةً مستعدةً لتقديم العروض المسرحية بما يقتضي ذلك من الديكورات والألبسة وسافر معه اسكندر فرح.

لقد مثل القباني في الإسكندرية 35 حفلاً قدم فيها مسرحيات:

أنس الجليس – نفح الزي – عفة المحبين أو ولادة – عنترة العبسي – ناكر الجميل – الأمير محمود – الشيخ وضاح… وجميعها من تأليفه.

وقدم أيضاً مسرحية “الخل الوفي” التي ترجمها محمد المغربي عن ألفريد دي موسيه ، و”عائدة” التي ترجمها النقاش عن الإيطالية.

كان القباني يتابع في بعض المسرحيات فصولاً مضحكةً كفصل الصيدلية وفصول أخرى من التمثيل الإيمائي (البانتومايم) ومن طرائف ما فعل في الاسكندرية في قهوة الدانوب أنه قدم مسرحية “عنترة العبسي” لبغني عبده الحمولي في ختامها. ثم دعاه الخديوي إلى القاهرة وأكرم وفادته.

وقد ظل أبو خليل القباني ينتقل بين دمشق ومصر (ليأخذ من الأولى الممثلين وغيره) وذلك بين 1884-1900 حتى عاد نهائياً إلى دمشق ولم يقدم فيها إلا حفلات موسيقية. ونستطيع أن نقول إن الولادة الثانية للمسرح ارتبطت بالمتغيرات السياسية في المنطقة فقد كان المسرح الرديف الثقافي لحركات النضال الوطني من أجل الحرية والاستقلال وعندما نتحدث عن الحركة المسرحية في هذه الفترة لا يمكن أن نغفل واحداً من روادها الأوائل وهو الشاعر عمر أبي ريشة فقد ساهم في إغناء هذه الحركة تأليفاً وتمثيلاً وإخراجاً. (3)

وأخيراً فما أحوجنا لتجربة نظيرة لتجربة القباني ليس لكونها الممهد والمنطلق بل لأنها حملت بعداً اجتماعياً يعنى بالمتلقي إذا استطاعت رغم كونها في طور البداية من التواصل معه واستيعابه والأهم من ذلك كله أن الناس أحبوا المسرح وبالتالي تشكل لدينا قاعدة شعبية مستعدة لتقبل هذا الفن… هذا مع الإشادة بكل التجارب التي قامت قبل عمر أبي ريشة وبعد فلكل مهتم فضله في إغناء الحركة المسرحية في سورية والوطن العربي… علنا نرقى في فننا إلى مدارج الغرب، فكفانا اقتباساً وتقليداً وسرقة إلى الآن. لنا تراثنا ولنا خصوصيتنا التي تتضمن الجوهر الدرامي. فلماذا لا نخلق مسرحاً عربياً بكل خلياته وأعضائه…!


22
مارس
12

الحركة الرمزية في المسرح



الحركة الرمزية

موريس ميترلنك … مسرحية العميان


إن الرمز قديم قدم اللغة ذاتها , فهو الوسيلة لحفظ التجارب الحسية البسيطة حيث تكتسب صفة الدوام التي لا يمكن للخبرة الإنسانية أن تنمو دونها . ترتبط الرموز بشحنات شعورية تكون أحياناً جماعية متوارثة , و أحياناً أخرى فردية مستقلة . كان الرمز حاضراً في الفن منذ القدم , حيث تنوعت استخداماته و تعددت دلالاته . إلى أن أتت الحركة الرمزية فوظفت الرمز توظيفاً فنياً فعالاً , و أعطته أبعاداً فكرية يسمو بها عن المتعارف عليه إبان أواخر القرن التاسع عشر. بدأت الحركة الرمزية بالشعر , و من ثم امتدت إلى القصة و الرواية و المسرح . و كان من روادها على صعيد المسرح الكاتب البلجيكي موريس ميترلنك الذي نظّر للمسرح الرمزي نصاً و عرضاً , و كتب عدة مسرحيات منها مسرحية العميان التي جسد فيها الرمز كوسيلة لطرح فلسفته .

ظهرت نظرية الفن للفن متأثرة بنظرية إيمانويل كانط المسماة بالمثالية الذاتية التي تقول بان الحقيقة هي نتاج النفس البشرية , و أن الشيء ما هو إلا فكرتنا عنه أ و الاسم الذي نعطيه له . و بالتالي لم يعد الشعر محاكاة للطبيعة , إنما محاكاة لعملية الخلق نفسها , فصارت القصيدة عالماً متكاملاً لا يحاكي شيئاً خارجه .

نشأت المدرسة البارناسية على إثر ذلك في فرنسا , فمجّدت الفن للفن بعد أن طفرت فيه الذاتية الرومانسية . اعتبرت هذه المدرسة أن الفن هو صنو العلم , و طالبت بالامتناع عن التأثر بالانفعالات , و أكدت على أن الفن هو جمال الصنعة , ليس إصلاحيا و لا يهدف إلى منفعة . إنه ترف فكري سبيله المتعة الكامنة في جمال الشكل الفني .

ظل أصحاب هذه المدرسة يثيرون الجدل في أفكارهم و أساليب عملهم الفني إلى أن ظهرت تسمية الرمزية بشكل رسمي في عام 1886 حين نشروا بياناً يثبتون فيه اختيارهم تسمية أنفسهم بالرمزيين .

قامت الحركة الرمزية بعد ذلك على مجموعة من المبادىء المشتركة بين روادها ؛ على الرغم من التباين في التعامل مع هذه المبادىء من قبل الرواد أنفسهم . فأول هذه المبادىء هو رفض محاكاة الطبيعة و الاعتقاد بأن جمال العالم المحسوس هو انعكاس للجمال العلوي النوراني ؛ فالعالم المحسوس هو غابة من الرموز , كل شيء فيه له معنى رمزي يربطه بعالم الروح . و ثاني هذه المبادىء هو رفض العقل و الإيمان بأن ملكة الخيال هي الملكة الوحيدة التي تمكّن الإنسان من إدراك الحقيقة في استنباط المعاني الرمزية الكامنة في الظواهر الحسية . و ثالثها هو التأكيد على أهمية وحدة العمل الفني و استقلاله . و رابعها هو المحاولة المستمرة لاستكشاف مشاعر و حالات نفسية جديدة كمادة للشعر عن طريق التصوف و التعمق في العلوم الروحانية و العلوم الغيبية . و خامسها هو الإيمان بضرورة الاعتماد على الإيحاء بدلاً من الإشارة المباشرة . وسادسها هو استغلال الموسيقى الكامنة في الكلمات و محاولة تقريب الشعر من الموسيقى . و سابعها هو استخدام لغة تعتمد على المفارقة و التقابل و التضاد و الصور و الاستعارات الغريبة و تداعي الأصوات و المعاني (1 ).

تمتاز الرمزية بمعادلتها بين الشعر و الموسيقى , لأن الموسيقى تمتلك الخاصية الإيحائية التي يتطلع إليها الرمزيون و لا ترتبط بتحديد المعنى الذي تستطيعه الكلمة, و الذي ينبغي على الرمزيين التخلص منه . سعى الرمزيون إلى رفض الالتزام بالتقاليد الجامدة فيما يتصل بنظم الشعر بغية تأمين المرونة الكافية ؛فمنهم من ظل مترددا, و منهم من تمرد على التقاليد بحذر, و منهم من ثار على كل ما يتصل بنظم الشعر , و كتب نثرا .

تفرعت الكتابات الشعرية الرمزية إلى كتابات تصور عالماً يضم المشاعر و الحالات التي يعايشها الشاعر. و إلى كتابات تصور عالماً مثالياً بالمعنى الأفلاطوني يتوق إليه الإنسان. (2 )

إن الشاعر الرمزي مزوّد بقوى تجعله يرى ما وراء الأشياء في عالم الواقع حيث يلج إلى الجوهر المختبئ في العالم المثالي. و يضع أمام قارئه سلسلة من الرموز غير المشروحة التي تكوّن عناصر العالم المنشود الذي يعتقد الشاعر بوجوده فيما وراء الواقع . إنه ضد إعطاء المعلومات و الخطابية والعاطفية الزائفة و الوصف الموضوعي. يجعل من الشعر وسيلة الوصول إلى العالم المثالي , و من هنا تغدو القصيدة حافزا للقارئ الراغب في الانطلاق إلى الفردوس الموعود .(3)

 

بود لــــــــــــــــــــــــــــير

 

سبق بودلير الحركة الرمزية بعدة سنوات , وكان مبشراً بها حيث قدّم تصورات عن الشعر الرمزي في قصائده و دراسته النقدية . تأثر بودلير بأدجار آلان بو الذي أكد على ذاتية الفن و على كراهية النزعة التعليمية و عدم الثقة بالإلهام و عبادة الجمال الغريب و الحزين.

استخدم بودلير المقارنات بين الفنون ؛ لكن دون خلطها بل بإعارة كل منها للآخر . نجد ذلك في تشخيص الصور بالمصطلحات الموسيقية . يوحّد بودلير بين الذات و الموضوع , و ينتقل في قصائده بشكل سريع من التفاؤل إلى التشاؤم و بالعكس , ويستخدم في أكثر الأحيان رمزاً خارجياً يتجاوب مع مشاعره الداخلية التي يرغب في التعبير عنها.

لا يهدف بودلير في شعره إلى سرد قصة أو شرح فكرة , بل إلى خلق عاطفة أو إثارة انطباع معين عند القارئ , فهو يجمع تراكمات من الرموز الخارجية التي تكرر التيمة الداخلية للقصيدة بصفة مستمرة . و يصّر على تكرار بعض المقاطع للتأكيد على دلالاتها , و يخلق صوراً تتصل بالحواس المختلفة ؛ مما يعكس حالات انفعالية متنوعة . أما على الصعيد الفني , فلم يكن بودلير مجدداً كغيره من الرمزيين. أكّد بودلير في ديوانه أزهار الشر على الطبيعة الملائكية و الرسالة المقدسة للفن و للفنان , يقول في قصيدة انسجام المساء:

جرس الكنيسة يدق و لوح خشبي مدخن

يفح مع صوت أنين الساعة , يتردد

بينما في مجموعة من أوراق اللعب البالية

نبوءة كئيبة لعرافة شوهاء

الولد حارس القلب الجميل و فتاة البستوني

يتحدثان في برود عن حبهما الذي مات منذ زمن بعيد.

نجد في السطر الأخير الغرض من كل هذه الصور بأساليبها المختلفة , هو أن تجعل القارئ يشعر بيد الموت الباردة التي هوت على الحب بين الولد و البنت في أوراق اللعب؛هو ما قد يمثّل العلاقة بين بودلير و سيدته المحبوبة (جين دوفال) . (4)

 

ملارمــــــــــــــــــــــــيه

 

تأثر ملارميه بفلسفة شوبنهور و شلنج و هيغل و أفلاطون . رفض الواقع القائم , و رأى أن سر الكون خاو ؛ فلا يستطيع الشاعر سوى الحديث عن هذا العدم, و أعتقد أن مهمة الشاعر تنحصرفي عزل نفسه عن العالم المحيط , حيث تتدفق صور العالم اللانهائي ( المثالي ) الذي يبحث الشاعر عنه في هذا الفراغ المفترض ( العدم ) .

إن شعر ملارميه هو ذلك الشعر الصافي و الغامض , إنه ليس شخصياً و لا غنائيا و يجب أن يختفي الشاعر كمتحدث في قصائده . إن الهدف الأساسي للشعر هو أن يخلق الجوهر الخالص الذي لا تشوبه شائبة من أصداء الحقيقة المحددة الملموسة التي تحيط بنا .

يهدف ملارميه في شعره إلى الإيحاء و ليس الوصف , لأن المتعة التي تحدثها القصيدة تكمن في الكشف التدريجي عن الشيء المقصود. تعكس الكلمات بعضها بعضا ضمن المعنى العام للقصيدة و هكذا يغيب عن الكلمة معناها الثابت-المستقل بذاته_ و التقليدي و يرتبط بما قبلها من كلمات و بما بعدها. و يتغير معنى الكلمات من خلال استخدامها في معناها الاشتقاقي مع دلالات غير عادية في الحديث العادي . كان ملارميه متأثرا بالتراكيب اللغوية الإنكليزية و اعتمد التأثير السكوني للصورة الشعرية في القصيدة.

رغب ملارميه بالتجريب الشعري و استاء من اللغة العادية للتواصل فبحث عن كلمات كالأشياء , و حلم بلغة شعرية جديدة . كل هذا دفعه إلى القيام ببعض التعديلات الطفيفة على الشكل الفني للقصيدة , حيث و ضع علامات ترقيم لم يكن متعارف عليها لدى النقاد , و ترك مساحات بيضاء تتخلل الأبيات و أضاف لحظات صمت , و كتب بعض الكلمات بأحرف كبيرة و ترك بعضها متناثرة دون تنسيق .

قال ملارميه في قصيدة بعنوان ( سوناتا رمزية عن نفسه) يعتبر فيها الحجرة الفارغة صورة رمزية لعقل الشاعر نفسه و هي طريقة لخلق الفراغ داخل نفسه: ليس هناك من شيء في جنبات الحجرة الخالية

لجمع رماد هذه الأحلام

ليس هناك حتى من قوقعة بحرية

رمز انبثاق شيء من لا شيء

هذا الشيء الفارغ التافه الذي يسمع فيه صوت البحر

قد أزاله صاحب الحجرة الذي قرر آسفا أن ينهي حياته كشاعر ( 5)

 

رامبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــو

 

يطالب رامبو الشاعر بأن يكون عرّافاً مناطاً به دفع الإنسانية في مسيرتها نحو التقدم . اعتاد على الهلوسات الصرفة , و بحث عن هذيان منهجي . راعى التدفق العنيف للمد الذهني الذي هو مزيج من الانطباعات و الأحاسيس و الأفكار . كان من أصحاب نظرية الحس المتزامن التي تقول بأنه بعد تعميق الأدراك الحسي و معايشة أية حالة مزاجية بأوسع أشكالها يصبح من الممكن تمثيل حس معين من حس آخر عن طريق التداعي .

اكتسب رامبو حساسية مفرطة جعلته يرى الأشياء الخفية , فهو الذي قال :” في فجر مسلح بالصبر المتحرق سوف ندخل المدن البهية” , لقد تعامل مع الحقيقة على اعتبارها المادة الخام التي يخلق منها عالما جديدا فهو الذي قال” سأكون أنا هو الشخص الذي سيخلق الله نفسه” . قام رامبو في شعره بتفتيت الواقع ثم إعادة بلورته من جديد , لاغياً الزمان و المكان, جامعاً أكثر العناصر تباعدا و أكثرها تناقضا ؛ وأن كان ذلك لا يمثل وحدة في الشكل, فإنه يمثل وحدة في الرؤية .

سمح رامبو للشعر أن يتدفق من ذاته دون الاهتمام بالوزن و القافية و بالتالي لا توجد حالات شعرية مستقرة و ثابتة على صعيد الشكل الفني . اخترع رامبو لغة شعرية فيه المحسوس و المجرد مظهران لحقيقة واحدة. لقد ثار على التقاليد الثابتة للشعر و كتب قصائده نثرا ففي ديوان أشراقات نجد قصائد نثرية فيها صور غير متوقعة تتراكم واحدة فوق الأخرى و تتقلب القصائد من قصائد ذات طابع تفاؤلي إلى قصائد ذات طابع تشاؤمي (6)

يقول في قصيدة لوحة بحرية:

عربات الفضة و النحاس\ سفائن الفولاذ و الفضة\ تضرب الزبد \تقتلع جذور العليق تيارات الأرض البور \ الآخاديد الهائلة التي يخلفها انحسار البحر \ تدور و تجري نحو الشرق\ نحو أعمدة الغابة \ نحو دعائم مكسر الميناء \حيث يصدم نتوءها زوابع من نور (الإشراقات- ص 84-85).

يعلن رامبو في عام 1875 خيبة البحث الشعري بالصمت , وهو أعنف تمرد مارسه رامبو . لأنه أوكل إلى الشعر مهمة تفوق طاقته.

امتدت الرمزية من بودلير و ملارميه و رامبو الى كلودل و فاليري في فرنسا و ستيفان جورج و ريلكه في ألمانيا و بلوخ وافانوف في روسيا و ييتس و اليوت في انجلترا (7)

وكان أول ظهور للرواية الرمزية هو مع روائيين مثل هرمان هسه و آرنست جونجر الذين يروون قصصا حقيقية ذات معنى رمزي تصور المدى القائم بين الحقيقة العامة و الحقيقة الجوهرية بين الوجود و الماهية بين العالم المعاش و عالم الفكر المثالي (8) .

امتدت الرمزية إلى فن المسرح , و كان ملارميه من أهم دعاة المسرح الرمزي نفسه الذي وضع نصوصا تنظيرية للمسرح الرمزي . فقد تصور لغة جديدة تتحرر من قواعد تركيب الجمل المعروفة , و تمتزج فيها الصورة بالحركة امتزاجاً يعبر تعبيراً رمزياً عن الحياة الداخلية في إطار مسرح شعري . إن هذه اللغة ستخاطب الخيال و ستكون مهمتها تجسيد الأحلام و الخيالات , بل و الصمت أيضا تجسيداً شعورياً , و ستتمكن من خلق جو الغموض . هاجم ملارميه الحركة على خشبة المسرح , و أصر على أن تتم في حدود الضرورة القصوى فعندما تمتزج هذه الحركة مع اللغة الشعرية , نكون قد حققنا ما يمكن أن نسميه بمسرح الشعر الصامت (9 ).

تأثر ملارميه بنظرية فاجنر المسماة الدراما الموسيقية وهي تنظير لفن تستطيع فيه الكلمة أن تزيد من قدرتها عن طريق الصوت لتخلق بياناً عاطفياً أكمل حيث تنقسم النغمة إلى نصفين ؛ نصف تمثله الكلمة و آخر تمثله الأغنية . تقوم هذه الدراما على الأسطورة و الحلم و الصوفية ( 10) .

يقودنا تنظير ملارميه إلى التمييز بين تيارين مسرحيين تأثرا بالحركة الرمزية , الأول يستخدم الرمز , حيث يحافظ على المستوى الواقعي مع إعطائه بعداً رمزياً يشكل معنى أعمق و أكثر دواماً للحدث الخارجي ( كما فعل أبسن في مزاوجته بين الواقعية و الرمزية , وتعامل مع المظهر الواقعي ذي الإيحاء الرمزي في مسرحياته ” البطة البرية” و ” عندما نبعث نحن الموتى” . و أيضاً كما فعل ستدنبرغ في مسرحياته الأخيرة ” الحلم” و ” سوناتا الشبح”.(11 )

 

أما الثاني , فهو تيار مسرحي رمزي خالص , يعكس الاعتقاد بأن العالم المحسوس ما هو إلا ستار يحجب الغيب و يجب اختراقه, و يقترب العمل الدرامي فيه من القصيدة الشعرية . يجسد هذا التيار بحث الحركة الرمزية لكن على صعيد المسرح , فأهمية الرمزية تكمن في كونها حركة تجريبية بحتة و ضعت عند ظهورها لبنة تحولات جذرية في الفن المسرحي على صعيد الكتابة , و من ثم على صعيد العرض المسرحي . فنصوص المسرح الرمزي لا تحتوي على حبكة بالمعنى التقليدي للكلمة , و أنما تقوم على عرض مشاعر و أحاسيس تجسد معان صوفية . تعطي بذلك الأولوية للكلمة التي تشغل أيضا الحيز الأساسي في العرض المسرحي , مما يلغي دور الخشبة كمكان للفعل ليجعل منها فضاء للشعر(12 ).

مثالنا عن هذا التيار هو الكاتب البلجيكي موريس ميترلنك الذي ولد في مدينة جينت عام 1862, درس القانون , انتقل إلى باريس , أطلع على الشعر الفرنسي و تأثر بمبادئ الحركة الرمزية . كتب مسرحيات رمزية من فصل واحد مثل ” الدخيلة” “العميان” 1890و ” الأميرات السبع”1891و” خلف جدران البيت”1894. ثم كتب مسرحيات تحوي أكثر من فصل مثل” مونافا”1902 و”العصفور الأزرق” 1908و كتب بعد الحرب العالمية الأولى مسرحية “السر العظيم”1921و “”تمر المصيبة”1925.

نال متيرلنك جائزة نوبل في الأدب عام 1911. ضعفت قواه الإبداعية بعد عام 1920 فيما أشار بعض النقاد إلى أنه شاعر ممل و فيلسوف مضجر يكرر نفس الأفكار حول الحياة و الموت.

مالَ ميترلنك إلى التصوف , و كثيراً ما ارتاد في شبابه حلقات التنويم المغناطيسي و تحضير الأرواح , و آمن بالفلسفة القدرية. تطلع إلى مسرح ينفذ خلال العالم المادي ليصور أسرار الروح , و نبذ المكونات المادية للحياة في الدراما , و آمن إيماناً مطلقاً بتلازم الحياة و الموت . فبعد أن استوحى التصور الفاغنري عن الأوبرا , و استعان بأعمال اسخيلوس كنماذج درامية ساكنة لا تتضمن حدثاً بل حالة نفسية , و استمد الكثير من مسرح الدمى و من ديكور مسرح العصور الوسطى ؛ ألّف مسرحياته على شكل توزيع موسيقي مبني على صور ثابتة تتعاقب مع فترات صمت فيها أداء إيمائي , ووسّع الدراما الرمزية لتلتقي مع كل التجليات المسرحية للحلم و الخيال.

نادى ميترلنك بعد ذلك في مقالة بعنوان ” تراجيديا كل يوم ” من كتاب ” كنز البسطاء ” 1896 بضرورة إيجاد نوع جديد من الدراما تعتمد على تصوير المشاعر و الرؤى الداخلية التي لا تتبلور إلا في لحظات الصمت , و انعدام الحركة الخارجية ؛ فلدى الإنسان مجالات أكثر خصوبة و عمقاً من مجال العقل أو الوعي . و أعلن عن مهمة الشاعر في كشف الخصائص الخفية و اللامرئية في الحياة أي عظمتها و بؤسها اللذين لا علاقة لهما بالواقعية . فإذا ما بقينا عند المستوى الواقعي سنظل جاهلين لهذا العالم الأبدي , و بالتالي المعنى الحقيقي الموجود في القدر. (13)

تُسمى دراما موريس ميترلنك بالدراما السكونية أو دراما الجمود , و يُسمى مسرحه بالمسرح السكوني أ و مسرح الصمت , الذي يتلخص في إفساح المجال مسرحياً لما لا يمكن التعبير عنه بالكلام من خلال استخدام الصمت استخداما دلالياً ؛ بحيث لا يكون المعنى في الحوار الظاهري و إنما في باطن النص . إن التراجيدي عنده هو غياب السعادة فهي كالمرض ؛ و يكمن زوال التراجيدي في التغلب على هذا المرض .

لا تتضمن المكونات الدرامية لمسرح الصمت مكاناً وزمناً وحكاية بالمعنى التقليدي . لكنها تتضمن صراعاً ليس مع القدر ( الموت ) بل مع طبع الإنسان و روحه ,و بالتالي يسيطر الحدث الداخلي و يغيب الحدث الخارجي , فتصبح الشخصيات غير فاعلة بل منفعلة , يغيب التواصل فيما بينها , و يبدو عليها الملل و عدم القدرة على التعبير ؛ فتلجأ للصمت كفعلٍ درامي . ( 14 )

دعا موريس ميترلنك على الابتعاد عن كل ما يحدد الفضاء المسرحي كمكان جغرافي و تاريخي ؛ لذلك غالباً ما تكون المنصة فارغة , حيث تلعب الإضاءة دوراً هاماً في العرض . و رفضَ كل ما يشوش عملية التواصل الشعري التي تتم عبر الكلام . و دعا إلى استبدال الممثل بكائن آلي تبدو عليه مظاهر الحياة دون أن يكون حياً . و فرض على الممثل قيوداً تحدد أداءه . و أصرّ على أن يكون صوت الممثلين أقرب إلى الإلقاء الترتيلي .

 

 

مسرحية العميان:

أول ما يواجهنا في المسرحية هو المكان الذي سيتم عليه تصوير حالة العميان . هوعبارة عن غابة قديمة ذات مظهر دهري , وفي هذه الغابة بعض أشجار الصفصاف الحزين و أشجار جنائزية وزنيبقات طويلة هزيلة . هذا المكان هو مكان الحدث وله ما يقارب الثلاث دلالات , الأولى هي التعامل مع المتلقي كأعمى , فالكاتب يتعامل معه كأعمى , فيصف له المكان مع ربطه بشيء شعوري حيث يضيف حالات نفسية للجماد كما يتعامل العميان مع محيطهم حين يجمعون الإدراكات و الأحاسيس جمعاً يعوض عن الرؤية . مما يجعل المتلقي يشعر بالمكان دون الداعي لرؤيته . هذا بالإضافة إلى إعطاء المكان إيحاء بالموت من خلال إعطاء هذه الحالات النفسية الكئيبة للأشجار و الزنيبقات , وإضافة التأثير الزماني على المكان مما يوحي بتاريخ مديد ليس له بداية ولا نهاية لهذه القطعة من الأرض . أما الدلالة الثانية فهي عدم إعطاء هذا المكان أي معالم جغرافية أو تاريخية محددة بحيث يكتسب شمولية تتسع لأي مكان على سطح هذه الأرض . والدلالة الثالثة , والأهم هي إعطاء هذا المكان بعداً واقعياً حيث تصبح هذه الغابة بغموضها وظلامها وكآبتها شبيهة بهذا الواقع الذي نعايشه.

نقرأ بعد ذلك صفات الكاهن الميت بين العميان الإثني عشر , ما يعطينا إشارة إلى السيد المسيح مصلوباً وحوله حوارييه الإثني عشر . لكن الإيحاء هنا يتسع حتى يشمل الدين في علاقته مع الإنسانية المتمثلة بالرجال والنساء.إن الكاهن رمز للدين , لكنه ميت . النساء والرجال كلهم عميان يجلسون بجانبه في صمت.

يبدأ العميان الكلام بعد لحظات من الصمت , ويظهرون في كلامهم ما يشعرون به من تململ وضجر من طول انتظار الكاهن الذي تركهم لغرض ما ولم يعد حتى الآن . و يبدأ الحديث عن الكاهن من قبل العميان: إن الكاهن قد أتعبه السير الطويل , وقد فقد قدرته على العيش . يبدو حزيناً واهن القوى وحيداً قلقاً , حتى أن بصره صار شحيحاً. و ما هذه الصفات إلا صفات شخص أتعبه الواقع .

يشير العميان إلى أنه لم يعد يصغي إليهم , و أن عددهم صار كبيراً, فقد كان بوسعه إن يبقيهم في الملجأ لكنه أغراهم بأنه سيأخذهم كي يروا ويعرفوا الحياة فحط بهم هنا في الغابة الموحشة . ويذكر العميان أن الكاهن قد رأى الشمس (الحقيقة ) , لكنه لم يستطع أن يرهم إياها , و لم يكن قادراً على مساعدتهم لتحمل هذا الواقع كي يبصروا الحياة الأخرى , ويعرفوا الحقيقة . قال بأنه ذاهب لجلب الماء والخبز , وهذه إشارة إلى المسيح الذي حول الماء نبيذاً وكان رمزاً للدم والجسد . كان يخاف أن يأتي واحداً بدلاً عنه , وما هذا الخوف إلا بغية الاستمرار في نهج الدين كي لا تغوي البشر ملذات الحياة الفانية .

كان يعِد العمياء الشابة بأنها ستبصر ذات يوم لكنها إلى الآن لم تبصر . شعر بدنو اجله , و كان راغباً في الرؤية لكنه لم يقل ماذا رأى ,لكننا ندرك أن الكاهن قد رأى الموت و لم يستطع أن يشرح لهم هذه الرؤية .

لم يكن العميان راغبين بالحضور إلى هنا , لأن الملجأ – وهو رمز للكنيسة – كان يحميهم من هذه الغابة – وهي رمز للواقع – , لقد ذكر الأكمة الأول والثاني والثالث ذلك أكثر من مرة :

أكمه2 :نحن على كل حال لا نرغب في مغادر الملجأ .

أكمه3 : لا جدوى من اقتيادنا إلى مثل هذا المكان البعيد ( ص22 )

اكمه1: ليس من شيء جدير بالمشاهده خارج الملجأ ( ص23 )

أكمه1: أفضل عدم الخروج .

أكمه2 : لم نكن راغبين في الخروج ( ص26 )

لابد أن ينتظروا في صمت لكنهم ليسوا في الكنيسة .إنهم خرجوا من الأمن إلى اللا أمن , وهم الآن ينتظرون من يعيدهم إلى الملجأ . يعانون من جهلهم للغابة ومعظم أماكنها . إنهم وجدوا هنا بمحض الصدفة. إن الملجأ برغم جهلهم له كمرئي لكنهم يعرفونه حق المعرفة من الداخل , إنه ملاذهم من هذه الغابة.

يشعرون أن شيئاً ما سيحدث لهم في هذا المكان لكنهم لا يبصرونه . ورغبتهم في العودة إلى الملجأ تزداد مع مرور الوقت. هم بعيدون عن الدار الآخرة وفي ظنهم أن العودة إلى الملجأ ستخفف عنهم . يتعثرون حين يتحركون ويطرحون أسئلة تنم عن خوفهم من مصيرهم , فمثلاً يقول أحدهم أن الجميع وصل إلى هنا عميان , حيث لا فرق هنا بين أعمى وأكمه. إنهم يحلمون بالدار الآخرة ويربطون البصر بالحلم.

العمياء الأكبر: أحلم أحياناً أني أبصر .

الأعمى الأكبر : أنا لا أبصر إلا حين أحلم .

إن كل هذه الشخصيات حالها واحد, يستشعرون قدوم مصير لا يدركون كنهه لكنه أقرب إلى الموت . إن الشابة تضع زهرة الموت وهي تعرف ما تعنيه هذه الزهرة , لكنها تضعها في شعرها إشارة إلى انتظارها له في صمت , لكن قلقاً ما يطوف في الأرجاء يعلن عن مجيئه . إنهم يتبادلون الحديث حول الذاكرة والإدراك مما يصور لنا حالتهم بشكل أعمق .

الأعمى الأكبر سناً: أنا رأيت الشمس حين كنت صغيراً .

العمياء الأكبر سناً: وأنا أيضاً . ( ص27)

هذا بالإضافة إلى العمياء الشابة , التي تمتلك ذكريات أكثر من البقية , إنها رأت الجبال و الشمس و عائلتها عندما كانت صغيرة , وما هذه الذكريات إلا ماضٍ جميل تتغنى به العمياء الشابة في هذه الوحدة القاتلة .إن الماضي الجميل يرتبط بسني الطفولة حيث يغيب الوعي الكامل لهذا الواقع المر . يقابلها من جهة أخرى الأكمه الأول الذي لم يعد يشعر أن لديه ذكريات , إنه وعى الواقع دون أن يراه , فأصبح أقل نضجاً مقارنة مع من رأى هذا الواقع . و لهذا تغيب عنه الذكريات .

يقول الأعمى الأكبر سناً: ما تراه العين لا تستطيعه الأيدي( ص34) .

يأتي الكلب, و هو دلالة من العصور الوسطى , يدلهم إلى مكان الكاهن الميت فيفجعون , وينتابهم الفزع والخوف من المصير الذي سيحل بهم . و يبدأ بعضهم باقتراح حلول , لكن البعض الآخر ينقضها حتى ينتهي بهم الحال إلى اليأس من أي مساعدة تعيدهم إلى الملجأ .

الأكمه الأول : أظن أن الراهبات سيخرجن من الملجأ .

العمياء الأكبر: إنهن لا يخرجن ليلاً .

العمياء الشابة : إنهن لا يخرجن أبدا .

الأكمه الثاني : أظن أن حراس المنارة الكبرى سيلمحوننا .

الأعمى الأكبر سناً: إنهم لا ينزلون من برجهم . ( ص50 )

يشعرون أنهم عراة لوحدهم في هذا العالم فيلجئون إلى الصمت في انتظار مخلص يريحهم من هذا المصير المؤلم . إنهم يعرفون أن الموت هو مرحلة للوصول إلى العالم الآخر , لكنه مخيف وغامض لذلك فهم بحاجة إلى مخلص جديد غير الدين يرى بدلاً عنهم. يمهد الأعمى الأكبر لقدوم الطفل الذي صحا من نومه . و تنتبه العمياء الأكبر سناً .

العمياء الأكبر سناً: الطفل يبكي

العمياء الشابة: إنه يرى إنه يرى . لاريب في أنه قد أبصر شيئاً غريباً. (ص53 )

العمياء الشابة: من أنت

العمياء الأكبر سناً: ارأف بحالنا .

(يبكي الطفل بتفجع كبير ) ( ص55 ) .

يعرف الطفل بقدوم الموت , و يشير إليه في بكائه و صراخه ببراءة و عفوية و شفافية . إنه رمز للشاعر الذي يرى الحقيقة قبل الجميع و ينبه إلى قدومها بعيني طفل لم تشوهما الحياة الدنيا . إن الشاعر المرّمز بالطفل سيقودنا إلى العالم الآخر عبر الموت .

 

يتضح لنا مما سبق أن هذه الشخصيات هي شخصيات مبهمة , هشة , فاقدة للحيوية , صامتة أبداً لولا العمى الذي يدفعها للكلام . أنها تعيش حالة عجز وجودي , و لا تصارع القدر بل تصمت أمامه بثبات . و لا يؤخذ من يتكلم بعين الاعتبار , فليس لهم أية معالم محددة .

نستنتج بعد جمع رموز و إشارات هذه المسرحية أن الحقيقة هي ضوء الشمس الباهر , و أن العمى هو الجهل و عدم القدرة على معرفة هذا العالم الذي هم فيه . إن الحقيقة موجودة في العالم الآخر , أما هذا العالم فهو عالم الجهل . إن البصر هو رؤية الحقيقة , و الانتظار بجانب الميت هو انتظار للموت . إن الجبال و الثلوج و الفيضان هم إشارة إلى تهديد الطبيعة بالخطر المستمر الذي يضاف إلى خطر الموت . إن الحلم هو السبيل إلى الحقيقة , و ما العميان إلا رمزاً للإنسانية التي تتخبط في الظلام بعد أن خبت شعلة الدين , فيعيش الإنسان في النهاية تحت رحمة مصير الموت ( القدر) .

يتضح لنا أن الحدث الخارجي يغيب في المسرحية , إذا استثنينا خروج العميان من الملجأ , و صراخ الطفل . إن الأهم هنا هو تصوير حالة معينة من خلال تكرار الحدث الداخلي . أما الحوار فليس دلالياً و لا إبلاغي , إنه أقرب ما يكون إلى الشكل الكورسي , حيث يزول ارتباطه درامياً بالعميان . نلاحظ حواراً نثرياً مفككاً , ووقفات طويلة , و جملاً تقترب من الغنائية في تردد و تكرار .

 

هوامش البحث

  1. البرناسية – من ص 9 إلى ص 25

    التيارات المسرحية المعاصرة – من ص 13 إلى ص 23

2- الرمزية – من ص 39 إلى ص 49

3- الرمزية – من ص 12 إلى ص 21

4- تاريخ النقد الأدبي – من ص 389 إلى ص 414

الرمزية – من ص 51 إلى ص 63

5- تاريخ النقد الأدبي – من ص 419 إلى ص 431

الرمزية – من ص 94 إلى ص 109

  1. تاريخ النقد الأدبي – ص 405

الرمزية – من ص 78 إلى ص 92

الإشراقات – من ص 3 إلى ص 11

الدراما الحديثة بين النظرية و التطبيق – ص 209

  1. تاريخ النقد الأدبي – ص 385
  2. تاريخ الرواية الحديثة – ص 408
  3. التيارات المسرحية المعاصرة – ص 23-24
  4. الدراما الحديثة بين النظرية و التطبيق – من ص 214 إلى ص 216
  5. الدراما الحديثة بين النظرية و التطبيق – ص 236
  6. المعجم المسرحي ص 229

www.bartleby.com

 

الدراما الحديثة بين النظرية و التطبيق – من ص 244 إلى ص 238

التيارات المسرحية المعاصرة – ص

المعجم المسرحي – ص 230

  1. الحياة المسرحية – عدد 44 – من ص 98 إلى ص 107
  2. المعجم المسرحي – ص 229-230

الدراما الحديثة بين النظرية و التطبيق – ص 237

  1. نظرية الدراما الحديثة ص 63-64-65

الدراما الحديثة بين النظرية و التطبيق – من ص 238 إلى ص 241

المعجم المسرحي – ص 440-441

التيارات المسرحية المعاصرة – من ص 24 إلى ص 27

 

 

 

 

 

 

بيبلوغرافيا البحث

المصادر :

  • سلسلة المسرح العالمي – العميان – تأليف :موريس ميترلنك –

المراجع :

  • إلياس , ماري \ قصاب حسن , حنان – المعجم المسرحي –– الطبعة الأولى – مكيبة لبنان ناشرون – بيروت– 1997.
  • ألبيرس . ر . م – تاريخ الرواية الحديثة – تر : جورج سالم – الطبعة الثانية – منشورات عويدات – بيروت – 1982 .
  • تشادويك , تشارلز – الرمزية – تر: نسيم ابراهيم يوسف – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة – 1992 .
  • حاوي , إيليا – البرناسية ( أو مذهب الفن للفن في الشعر الغربي و العربي ) – الطبعة الثانية – دار الثقافة – بيروت – 1983 .
  • رامبو – الإشراقات – تقديم و شرح : سوزان برنار – تر: قيس خضور – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 2002 .
  • زوندي , بيتر – نظرية الدراما الحديثة – تر: د. أحمد حيدر – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 1977 .
  • ستيان . ج . ل – الدراما الحديثة بين النظرية و التطبيق – تر: محمد جمول – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 1995 .
  • صليحة , نهاد – التيارات المسرحية المعاصرة – مركز الشارقة للإبداع الفكري – الشارقة – د. ت .
  • ويليك , رينيه – تاريخ النقد الأدبي الحديث – الجزء الرابع , القسم الثاني – تر : مجاهد عبد المنعم مجاهد – المجلس الأعلى للثقافة – مصر – 2001 .

الدوريات :

  • الحياة المسرحية – العدد 44 – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 1997 – مقالة : ميترلنك مسرحه و إبداعه – تأليف : أ . أنيكست – تر: هاشم حمادي .

 





تابع

Get every new post delivered to your Inbox.