22
مارس
12

مسرحية فاوست لـ: غوته

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

( دراما المغامرة الإنسانية)

 

 

 

 

 

 

 

دمشق في 1\ 5\ 2003

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة(1)

 

كانت المشكلة الأولى في ألمانيا خلال منتصف القرن الثامن عشر هي غياب الثقافة الأدبية القومية ، و آفاق تكوين هذه الثقافة ، وكان هناك إجماع في الرأي على أن هناك شيئاً خطيراً مفتقداً في الحياة الثقافية الألمانية ، وأن ثمة رغبة عامة شديدة في خلق أدب ألماني قومي ترتكز على طموحات سياسية واجتماعية عامة . كانت كلمة ” ألماني” تعني أدباً في لغة الطبقة الوسطى في مقابل الثقافة الفرانكوفونية لطبقة النبلاء الألمانية المسيطرة ،وكانت “القومية” تعني الأعمال التي تؤكد على الوحدة الثقافية لكل المتحدثين بالألمانية رغم انقسام الأمة إلى دويلات مستقلة متعددة, والى جانب الاتفاق على أوسع نطاق على الحاجة إلى القيام بشيء ما. وجد على قدم المساواة اقتناع عام بأن خلق أدب قومي إنما هو أمر ممكن ، والمسألة ببساطة هي تحديد مقاييس ملائمة وتحقيقها, لكن الإجماع هنا أخفق للاختلاف الشديد على ما كان ينبغي عمله.

في بداية الثلاثينات من القرن الثامن عشر منذ دفاع جوتشد عن تقليد الدراما الكلاسيكية الفرنسية الجديدة , إلى ليسنغ الذي وافق على أن يكون المسرح هو مجال الأدب الجديد وعارض احتذاء النماذج الكلاسيكية الفرنسية الجديدة واقترح البديل باحتذاء شكسبير , إلى ديدرو الذي شرّب أعماله بروح إنكليزية , إلى هردر الذي وضع قواعد لإنشاء أدب قومي ألماني جعل من تمثل النمط الأجنبي أمراً غير ضروري فأشار إلى شعر العهد القديم والى هوميروس وبندار لا كنماذج تٌحاكى ولكن كأمثلة لأعمال ظهرت للوجود بعد الابتعاد عن المحاكاة , ودعا هردر أبناء وطنه إلى أن يكون حديثهم من القلب مباشرة ،وذلك لبعث التعبير الذاتي المكثف حيث قال :

“احتفظ بهويتك دون خوف فكل ما تحتاج إليه، أو تحتاج إليه ثقافتك القومية سوف يتاح لك في قول عفوي معبّر يلهمك في حماسة متقدة” .

 

قدّم هردر أملاً في خلاص الثقافة الألمانية , أملاً مليئا ً باللهفة على مجيء عبقري أصيل ذي شخصية وإرادة قوية يقتحم قيود تراث بالٍ , وقد وجد هردر هذا المخلّص في شخص غوته.

اطلع غوته وبتشجيع من هردر على هوميروس وشكسبير والإنجيل وجمع الأغاني الشعبية من ريف الألزاس, وبدأ بنوع جديد تماماً من الشعر في خلق تقليد أدبي قومي , وكان الفن القوطي مثالا ًعلى الروح القومية الألمانية , وقدّم تقليداً للعصور القديمة , وأظهر لأول مرة منذ ترجمات لوثر للإنجيل القدرة على التعبير عن اللغة الألمانية العادية وتوسّع فيها وذلك بغير أن يلجأ إلى تزويقها ببراعة الصنعة الفنية أو الحيل البلاغية أو الزخارف المتباهية المكتسبة عن طريق التحصيل .

وفي عام 1773 نشر مسرحية”ذو القبضة الحديدية” مسرحية مضادة للنزعة الكلاسيكية الحديثة وتقدم نظرة شاملة للحياة الألمانية في الربع الأول من القرن السادس عشر , وتبعها برواية”آلام فرتر” ثم الكثير من القصائد والأعمال المسرحية , إلى أن أنهى مسرحية “فاوســــت” قبل أن يموت بعام واحد.

 


فاوســـت قبل غوته(2)

 

فاوست هو شخصية تاريخية ، ولد في أواخر القرن الخامس عشر وتوفي على الأرجح سنة 1543 ، وأول وثيقة ذكرته هي رسالة كتبها يوهن ترتهيم1507 يصفه بالسوء والتهجم على الكتاب المقدس .

حصل على البكالوريوس1509 واشتهر باستحضار أرواح الأبطال وغيرها من أعمال السحر ما جعله مطارد من قبل السلطات ، وخاصة الدينية.

لقد كان متشرداً مغامراً ، يرافقه دائماً كلب ربما كان جنياً , ويشار إلى أنه تعلم السحر في كراكوفيا في بولندة.

قال عنه لوثر : ))له أن يصنع ما يشاء لكنه في النهاية سيدفع الثمن غالياً فليس هو إلا شيطاناً متعجرفاً مغروراً طموحاً…)) (3)

حكيت عنه قصص كثيرة منها ما هو مبالغ بها ومنها ما كان من نسج الخيال إلى أن صدر الكتاب الشعبي 1587 لكثرة ما اشتهرت قصصه في ألمانيا , وخلال سنة طبُع الكتاب أربع مرات .

يورد الكتاب نشأة فاوست حتى عقده الميثاق مع الشيطان ومغامرات فاوست في صحبة الشيطان ولقاؤه الإمبراطور شارلكان وبعدد من النبلاء ونهاية فاوست .

على أثر هذه الشهرة للكتاب الشعبي قام “فدمن” بتحرير رواية أخرى لحياة فاوست 1599 انتهج في كتابتها الدقة في أنها تقوم على أساس الأصل الذي تركه فاوست لتابعه فجنر وتتابعت الأخبار والكتب الصادرة حول حياته إلى أن صدر مختصر لحياة فاوست بعنوان :

“المؤمن المسيحي”1725 ، اختزل إلى ما هو مقبول عقلاً واستبعد كل الخرافات عنه .

أول شاعر استغل سيرة فاوست ليصنع منها عملاً فنياً هو كريستوفر مارلو الذي كتب مسرحية “الدكتور فاوستوس” عام 1588 وطبعت 1604 ، والمسرحية تصور فاوست مغروراً طموحاً إلى الأمور المادية مما سيدفعه إلى احتراف السحر ، ويصور علاقته مع الشيطان حيث (( يريد أن يكون تحت إمرته روح – مفستوفيلس – تأتيه بالذهب حيث يريد ، وبأجمل النساء حين يشاء ويحشد له جمعاً مسلحاً لتنفيذ أوامره )) (4)

وكما قال تين TAINE عن شخصية فاوست عند مارلو:

((ذلك هو الإنسان الحي الفعال,الطبيعي,الشخصي,وليس ذلك الرمز الفلسفي الذي صنعه جيته (غوته), بل الإنسان الذي على الفطرة , الصادق,الإنسان الغضوب,المشبوب,المستعبد لاندفاعه, وألعوبة أخلاقية, حاضر كل آن, مملوء بالشهوات والمتناقضات وألوان الجنون,والذي برعدات وانفجارات,وصيحات الشهوة والقلق دار عن علم وإرادة على منحدر هاويتها وأشواكها))(5)

وبعد مسرحية مارلو توالت المسرحيات على فاوست بأعداد مذهلة حتى أنه ألفت (41) مسرحية عن فاوست قبل ظهور مسرحية غوته. وكانت الفرق المسرحية الإنكليزية في نهاية القرن السادس عشر وطوال القرن السابع عشر هي التي أدخلت إلى ألمانيا مسرحية فاوست لمارلو .

وتحت تأثيرها قام أصحاب المسرح الشعبي الألماني الجوال بوضع مسرحيات موضوعها فاوست. وهذه المسرحيات فيها بعض المشاهد والشخوص المستمدة من مارلو مباشرة ، وقد لخّص كونوفشر هذا الموضوع في أربع نقاط هي:

  1. مناجاة فاوست , وبها تبدأ المسرحية
  2. ظهور الملك…
  3. تبادل المشاهد المأساوية مع المشاهد الهزلية وإدخال المهرج شخصاً رئيسياً في المسرحية .
  4. الإعلان عن النهاية الأليمة لفاوست بواسطة دقات الساعة (6)

    ومن هذه المسرحيات مسرحية “الفطنة الشقية ” .

    باشر الكتاب في ألمانيا بتأليف أعمال فنية تدور حول فاوست معتمدين على مسرحية مارلو والمسرحيات الشعبية والكتاب الشعبي ، أمثال ليسنغ وملر وكلنجر.

    وجدير بالذكر أنه قٌدّم – أي فاوست- على مسرح العرائس حيث دخلت فيها شخصية المهرج بأهمية أكثر من أهمية شخصية فاوست نفسها وهكذا تحولت مأساة فاوست إلى كوميديا فاوست ولم يبق من مسرحية مارلو والكتاب الشعبي إلا الهيكل العظمي فقط ، وصارت هذه المسرحيات أداة للتسلية واضحاك الناس.

    نعود إلى ليسنغ الذي نادى بتقليد شكسبير ، حيث وجد في فاوست مسرحية تنطوي على طائفة من المشاهد التي يستطيع النبوغ الشكسبيري وحده أن يتخيلها. لقد تميزت مسرحية ليسنغ بأنها صوّرت فاوست بالصورة (( المثالية لهذه الشخصية المتعطشة إلى المعرفة والى العقل سوف تفرض نفسها بدلاً من الصورة القديمة للساحر المشبوه والمحكوم عليه))( 7)

    وقد استفاد غوته من مسرحية ليسنغ في أكثر من ناحية .فإنقاذ فاوست من الإدانة ، والحوار الاستهلالي بين الشياطين وزعيمهم ، ثم صوت السماء الذي ينبههم إلى أن انتصار الشيطان ما هو إلا وهم.

    إن نزعة التنوير في ألمانيا بتمجيدها للعقل والإنسانية بعامة أعقبتها حركة مضادة عنيفة هي حركة “العاصفة والاندفاع” ، ومن روادها ملرMALER ، الذي ألف مسرحية بعنوان “حياة فاوست ممسرحة”1778.

    وتوسعت قصة فاوست حتى شملت معظم مناطق أوروبا وتناولها الكثير من الأدباء والشعراء إلى أن كتبها غوته.

    في نفس الوقت الذي كان فيه غوته مشغولاً بإتمام فاوست الأول كان الرومنتيك الألمان مهتمين بشخصية فاوست ، وألف فيه اثنان من أبرز الرومنتيك الألمان ، وهما شامسوCHAMISSO وليناوLENAU .

    إن فاوست” ليناو” تعبير أليم عن جيل عاجز عن تحقيق أحلامه .كفر بالدين وبالتقاليد والأوضاع الراهنة في أوروبا ، لكنه لم يستطع أن يحل محل ذلك دوافع جديدة للحياة.

     

    فاوست… غوته

     

    إن أول لقاء لغوته مع شخصية فاوست كان عام 1753 حيث كان عمره أربع سنوات ، فجدته أهدته مسرحاً للعرائس ،ومن بين القطع التي احتواها هذا المسرح -اللعبة- قطعة عن “الدكتور فاوستوس” , وعندما قارب على سن الخامسة عشرة اشتعل قلبه حباً بفتاة تدعى غريتشن (مرجريت). وحين سافر إلى مدينة ليبتسك لدراسة القانون رأى حانة أورباخ , ويعود غوته بعد عام إلى فرانكفورت مريضاً سوداوي المزاج حتى أنه فكر في الانتحار .

    أخذ غوته يُعنى بالسحر وعلومه , وسافر إلى اشتراسبورج حيث تعرف على كاتدرائية اشتراسبورج ، هذه التحفة العظيمة من المعمار القوطي فاستشعر الروح الجرمانية الأصيلة وتسلطت على خياله الشعري شخصيتان جبارتان من القرن السادس عشر هما : جيتس فون برشنجن والدكتور فاوستوس المتطلع إلى الإنسان الأعلى , وهذا كان بين عامي 1770 – 1771 . حصل غوته على الليسانس في الحقوق 1771 من اشتراسبورج وذهب إلى فتسلار للتمرين ليكون محامياً وشرع هناك بكتابة مسرحية فاوست عام 1772.

    وفي عام 1774كتب ” شذرة فاوست ” التي ستتطور وتصبح مسرحية فاوست الأول لاحقاً . لقد توقف عن كتابة المسرحية 1775 ، ولم يواصل الكتابة حتى ذهب إلى إيطاليا 1788 حيث كتب مشهد مطبخ الساحرات ومشهد غابة وكهف . وبهذا تكون مسرحية فاوست الأول في صورتها الأولية قد شملت: مناجاة فاوست – استحضار روح الأرض – الحوار مع فجنر – الحديث بين التلميذ ومفيستوفيليس- حانة أورباخ- جملة مشاهد حول مرجريت وفاوست – مطبخ الساحرة- غابة وكهف .

    توقف غوته تماماً عام 1790 عن العمل على فاوست ، ولم يتابع عمله حتى 1797 بتحريض من شلر فأقبل وكتب القطع الثلاث الأولى (الاهداء- الاستهلال على المسرح – الافتتاح في السماء) ، وهكذا حتى عام 1808 ظهر فاوست الأول بعد أن أضاف مشهد السجن ومصرع فالنتين وليلة فالبورج…الخ .

    عام 1810 فكر غوته في عرض فاوست ، لكن اعتقاداً ساد بأن فاوست غوته لا تصلح للتمثيل ،إلى أن حلّ عام 1829 حين بلغ غوته الثمانين من عمره فعرضت المسرحية في مسارح فيمار ودرسدن وليبتسك .

    أما فاوست الثاني فلم تتحقق إلا بعد ربع قرن على الانتهاء من فاوست الأول ، وقبيل وفاته بعام واحد يقول غوته عن فاوست الثاني :”شخصية فاوست في أعلى درجاتها تأليف جديد مستخلص من الأساطير الشعبية القديمة الغليظة. تعرض إنسانا ضاق ذرعاً بالإطار الأرضي العام وتبين له أن اكتساب أعلى معرفة والاستمتاع بأجمل الخبرات هما أمران غير كافيين لإشباع أمانيه ولو لأقل درجة : انه روح أينما تلفت عاد شقياً يائساً . وهذا الشعور مماثل للإنسان الحديث حتى أن كثير من الرؤوس الجيدة شعرت بأنها مدفوعة الى معالجة هذه المسألة .والطريقة التي وفقاً لها تصرفات قد ظفرت بالتقدير ورجال ممتازون فكروا في هذا وفسروا النص الذي كتبته وهو التزاوج بين الشيطانية الرومانتيكية وبين النصاعة الكلاسيكية الأولى ممثلة في فاوست والثانية رمزها هيلانة ” .

    وهكذا نجد أن” فاوست” بجزئيه قد صحب غوته طوال حياته منذ ريعان شبابه حتى آخر سني عمره الطويل ، ولهذا نراه يقول في آخر رسالة كتبها بعد إصابته بالعلة التي مات بها : ((مضى أكثر من ستين عاماً على تصويري لموضوع فاوست بوضوح وأنا في مطلع الشباب )) (8)

     

    يقول غوته : (( إني راسخ الإقناع بأن روحنا شيء لا يقبل الفناء إطلاقاً )) (9) ، لذلك قد (( قبل فكرة عالم الروح وداعب آمال تقميص الأرواح… رسم البروج أحياناً لكشف الطالع)) (10).

    إن نظرة غوته إلى الطبيعة تنطلق من أن ((الإنسان مركز كل شيء ومن تجربته المباشرة إلى الطبيعة وانطلاقاً من هذا المركز تنتظم الظواهر في نظام منطقي سليم )) (11)

    وحسب ما يقوله اسبينوزا فنحن ((ننتمي إلى قوانين الطبيعة حتى إن تمردنا عليها)) (12)

    وهو يميل إلى الاتفاق مع كانط على أن ((حياتنا مثلها مثل الكون الذي ننتمي إليه تتألف على نحو ملغر (ملغز) من الحرية والضرورة )) (13) كان يشعر بقوة قضاء وقدر تعمل فيه صفات تفرض نموه وتقرره ، ولكنه يتعامل معها كشخص حر يخدم قضية تحركه وتحتويه.

    فهو- أي غوته- مدرك لما في الطبيعة من قدرة لذلك فهو يؤمن بأن حريته مهما وسعت لابد لها من أن تقيد بضرورات الطبيعة التي لم يكشف الستار عن
    كنهها كلها.

    ومع تقدم غوته في العمر ازداد يقيناً بصدق هذه الفكرة وازداد اقترابه

    من هيغل الذي كان مبدأ عمله الفكري(( يقوم على التوسط بين وجود الذات ووجود الآخر , أو بكلمات جوته(غوته) على وضع هيغل لنفسه في الوسط بين الذات والموضوع بينما أبرز شيلنج رحابة الطبيعة وفيشته الذاتية في ذروتها)) (14) ، أي أن يكون الإنسان بذاته وأن يكون لذاته ,بين ما هو داخلي وبين ما هو خارجي . العلاقة بين التجربة والفكرة توحد الفهم الصانع للأفكار والرؤية الحسية ، وهذا هو التساؤل حول إسهام ذاتنا وإسهام العالم الخارجي في وجودنا الروحي.

    ليست هذه إلا شذرات من ما يعتقده غوته ويؤمن به ولاحقاً سنتعرف على فكرغوته بشكل يصب في صلب العمل المسرحي والدراسة النقدية للعمل الفني .

    إن غوته (( تعلّم قصة فاوست في طفولته من كتيبات القصص الشعبية ومسارح الدمى ورأى صوراً لفاوست والشيطان على جدران حانة أورباخ في ليبتزج(ليبتسك) وتطفل هو نفسه في شبابه على السحر والخيمياء (الكيمياء ) وامتزج بحثه الدؤوب عن الفهم بتصوره لفاوست ، ودخلت قراءته لفوليتر وإلمامه بتهكمات هردر في تصويره لفستوفيليس(مفستوفيلس) ، وأعطت جريتشن التي أحبها في فرانكفورت ، وفردريكه بريون التي هجرها في زيزنهايم لمارجريت(غريتشن ) اسمها وصورتها )) (15)

     

     

    فاوســــــــــــــت الأول . . .

     

    الاستهلال المسرحي

     

    تأثر فيه غوته بنموذج مسرحية هندية اسمها” شاكونتالا” ليكاليداسا, فالشاعر الهندي قد وضع في مستهل مسرحيته حواراً بين مدير المسرح وبين إحدى الممثلات في المسرحية ، وقد قرأ غوته ترجمة المسرحية الى الألمانية فألهمه هذا الحوار التمهيدي في المسرحية الهندية هذا الاستهلال المسرحي الذي كتبه لفاوست.

    ويجري الحوار في هذا الاستهلال المسرحي بين الشاعر من جهة وبين مدير المسرح والشخص المرح من جهة أخرى. ويطلب هذان الأخيران إلى الشاعر أن يؤلف مسرحية ترضي ذوق الجمهور كي يزداد دخل المسرح من المال بينما الشاعر يشيح بوجهه عن هذا الاتجاه المادي(16) انه يصور حال الشاعر وصراعه مع أهداف الماديين العاملين في الفن وكيف يُستغل لأهداف مادية بحتة على عكس ما يرنو إليه مريدو الفن الحق .

     

    الافتتاح في السماء

     

    تبدأ المسرحية من السماء لأن(( الفكرة الرئيسية التي جعلها جيته(غوته) محوراً لتصوره لمأساة فاوست هي فكرة “الرهان” بين الله والشيطان )) (17).

    والشيطان هو الذي يقترح الرهان مع الله ذلك لأن مفستوفيليس وهو في حضرة الله يسخر من الإنسان , فهو – أي الإنسان – يدعي أنه إلهاً لكنه غريب الأطوار، وكان يمكنه أن يعيش على نحو أفضل لو لم يكن الله وهبه العقل ( أي مثل باقي الكائنات الحية ) ، وهو يستخدم العقل ليصير أكثر حيوانية من الدواب . فيوبخه الله لأنه لا هم له إلا التحقير والانتقاص من المخلوقات , ولا يرى في العالم إلا الشر يقول له :

    الله : هل تعرف فاوست ؟

    مفستوفيليس : الدكتور

    الله :خادمي !

    مفستوفيليس : حقاً انه يخدمكم على نحو غريب ! ليس أرضياً شراب هذا الأحمق ولا طعامه لقد دفعه التطلع إلى ما هو بعيد ووعيه بحماقته نصف وعي من السماء يتطلب أجمل النجوم ومن الأرض يريغ إلى أعلى الشهوات والقرب والبعد لا يرضيان صدره المضطرب اضطراباً عميقاً.

    فيجيب الله بأنه لئن كان فاوست يعبد الله عبادة مشوشة فإنه عما قريب سيقوده إلى نور الهداية . يرد مفستوفيليس بأن الله سيفقد فاوست , ويقترح عليه الرهان , ولا يمانع الله في أن يحاول مفستوفيليس هذه المحاولة طالما كان فاوست حياً , ويصرح بأن الإنسان يخطئ طالما هو يسعى .

     

    * * *

     

    إن الرب (( يصر على حتمية التطور البشري وارتقائه نحو الأسمى والأفضل في حين يشك مفستو (مفستوفيلس) بجدوى أية فعالية بشرية فالإنسان في رأيه كسول خمول يميل الى الملذات الحسية والشر)) (18)

    يقول عبد الرحمن بدوي بأن غوته تأثر بما ورد في سفر أيوب من العهد القديم من الكتاب المقدس حيث يوجد في هذا السفر رهان، حتى وان لم يذكر صراحة ومفاده أن إصابة الإنسان بالبلايا من الله تؤدي إلى الكفر به

    إن مفستوفيليس مقارنةً بالشيطان الذي ذكر في الكتاب المقدس يبدو أذكى جداً وأوسع حيلة ، وأبرع في القول والتبرير وتحليل الأمور من الشيطان في ” سفر أيوب ” .

    إن نهاية فاوست يشوبها الغموض . والرب لا يقول كلمة صريحة عن نهايته والجدال بين الرب ومفستوفيليس لا ينتهي إلى حل حاسم. والحل النهائي ((مصطنع مفروض من الخارج وليس نتيجة تطور فاوست)) (19) ، أي في أخر المسرحية وهذا يبقى معلقاً إلى أن نثبت هذا الكلام .

    إن الرب حين أذن لمفستوفيليس بالتصرف في فاوست (( إنما فعل ذلك هازئاً من مفستوفيليس واثقاً بأنه سيخسر الرهان في النهاية، وبأن فاوست سيظفر بالنجاة )) (20)

    إن تساؤلنا حول سبب وضع غوته الرهان بين الله تحديداً والشيطان في حضرة الملائكة في بداية المسرحية يحتاج إلى بعض التوسع في موضوع الخير والشر ،حيث أن (الصراع في أول صوره بين الخير والشر وهي أن الخير والشر قائمان في الحياة خارج كيان الإنسان وأن على الإنسان أن يختار أي الطريقين ، ثم ظهرت صورة الشيطان الممثل للشر وكأن هذا الشيطان حقيقة قائمة خارج كيان الإنسان ، والإنسان يصارع الشيطان كي ينتصر للخير وهذا التصور القديم لقيام الخير والشر خارج نفوسنا لم يعد في عصرنا الحديث ، لكن الصراع مازال قائماً حيث تتمثل تلك القوى المتصارعة في نفس الإنسان ذاته, فالشر الذي يحاول الإنسان محاربته ليس هو الشر المطلق ، والخير الذي يبغي تحقيقه ليس هو الخير المطلق فالحرب الذي يعيشها الإنسان مع نفسه لا يحدد طبيعتها إلا تكوينه النفسي الخاص ، والنتيجة يكون لها أثر مباشر على حياته . هذه القوى المتصارعة حسب فرويد هي قوى الشعور واللاشعور (21) ، فكيف لها أن تتصارع مادامت ليست خيّرة أو شريرة (قيم خارجية ), لذلك يمكننا استبدال الوصف بتقرير طبيعة هذين المستويين في النفس الإنسانية والمهم ، هو أن تتاح له لحظات من الحياة يستطيع فيها أن يشعر بانتصاره ، أي أن يرضى فيها عن وجوده وهو ما نسميه السعادة) (22)

    إن غوته يبدأ المسرحية من المطلق ، لكن من وجهة نظر المثيولوجيا المسيحية حيث أن الله هو الخير المطلق والشيطان هو الشر المطلق والإنسان فاوست منفصل عنهما أي يعتمد على ما كان في القديم كما ذكرنا سابقاً ، هذا بالرغم من خلو غوته ((من الإحساس بالخطيئة ، ولم يشعر بحاجة إلى اله يموت كفارة عنه وأنكر كل حديث عن الصليب.قال: ” لست عدواً للمسيحية ولا مضاداً لروح المسيحية ولكني قطعاً لا – مسيحي ، انك تقبل الإنجيل كما هو على أنه حقيقة إلهية . حسناً ، ما من صوت مسموع من السماء يمكن أن يقنعني بأن امرأة يمكن أن تحبل بطفل دون رجل ، وأن رجلاً ميتاً يقوم من قبره . وأنا أعدّ هذه كلها تجديفات على الله وعلى إعلانه ذاته في الطبيعة)) (23)

    كيف نقتنع بهذه المفارقة بين رأي غوته في الدين المسيحي وبين اعتماده في مسرحيته على هكذا رهان على شخصية تعيش صراعاً بين الخير والشر بمستواها الشخصي ؛ ورب سائل يقول: لماذا لم يبدأ المسرحية بالرهان بين الخير كقيمة والشر كقيمة دون الاعتماد على المثيولوجيا المسيحية؟

    الجواب هنا أن غوته ليس مفروضاً عليه أن يقدم ما يجول في فكره , وما يراه مقنعاً فقط فهناك اعتبارات أخرى يجب عليه احترامها لأنه لا يكتب لنفسه ، فهو ابتدأ المسرحية بالرهان بين الله والشيطان اعتماداً على الفكر المسيحي السائد في أوروبا , هذا أولاً .

    أما ثانياً ، فأن تصوير الله والشيطان كصورتين عامتين سوف تعكسان الرهان الإنساني الذي يعيشه فاوست حيث يتصارع بين قيمتين أخلاقيتين إن صح التعبير أو مستويين للقوى الشعورية واللاشعورية يصوران الرهان بصورة خاصة إنسانية . أي تتضح العلاقة بين العام والخاص بما أن فاوست هو النمط الأعلى لإنسان أوروبا – حسب غوته – . ثم أن غوته يطرح وجهة نظره على لسان فاوست حين يشرح لغريتشن عن إيمانه. إن غوته في طرحه لله والشيطان وحوارهما يضفي على مفستوفيليس بعض الصفات الإنسانية التي يبغي منها أن تظهر كشخصية (( حية متكاملة لها مقومات حياتها الخاصة المختلفة عن أية صورة أخرى للشيطان في التراث الديني أو الشعبي أو حتى الأدبي )) (24)

    إن مفستوفيلس غوته (( هو نقيض الإيمان والتفاؤل وتجسيد لروح السخرية ، فقليلون هم الذين أمكنهم أن يهربوا من نظرته التهكمية المريرة ، وهو واقعي يؤكد الحقيقة حاضر البديهة , ذكي, يستمتع إلى حد السعادة الشريرة بما يفعل)) (25) ، وبالنتيجة فإن غوته يعيد خلق الله والشيطان لكن حسب ما يريده هو, فهو يغير ويبدل في شخصيتي الله والشيطان حسب ما يريد وحسب ما يتطلب العمل الدرامي لكن دون أن يسيء إلى الأسطورة المسيحية .

     

     

    المناجاة الأولى لفاوست

     

     

    يأسى فاوست على أنه درس الفلسفة والقانون والطب واللاهوت لكنه لم يجد فيها ما يشبع فهمه إلى المعرفة ، لقد كان أبوه طبيباً وعلمه مهنة الطب كما علمه صنعة الكيمياء وحصل على أرفع الدرجات العلمية وخلال عشر سنوات من تدريسه في الجامعة قد ضلل فيها تلاميذه لأنه أوهمهم بأن ما يلقيه عليهم هو علم مفيد بينما لا يشفي هذا العلم غليله من المعرفة.

    وبما أن هذه العلوم ليست كافية فلينصرف إلى علوم أخرى علوم يحرمها الدين وتطاردها الدولة كالسحر. انه لايعذبه شك ولا وخز الضمير ولايخاف الجحيم ولا الشيطان فانه تجرد من كل بهجة لايستطيع أن يعلم الناس شيئاً يفلح في إصلاحهم ، وهو لم يكسب ثروة ولامكانة بين الناس فليس أمامه إلا السحر عسى يكشف له بعض الأسرار ابتغاء أن يعرف التركيب الباطن للعالم ويتأمل القوى النشيطة . يتطلع إلى السماء فيشاهد القمر وهو بدر مستشهداً على الليالي التي أمضاها بين الكتب. انه ينعى حاله متسائلاً: إلى متى يرقد في هذا السجن الذي لا ينفذ إليه النور إلا من خلال الزجاج الملون في النوافذ ويحيط به جبل من الكتب ، ومادامت هذه هي حاله فبأي حق يتساءل لماذا يضيق قلبه في صدره , فليكن كتاب نوستراداموس سبيله للخروج إلى الهواء الطلق ومنه سيستدل على ملكة النفس التي بواسطتها تخاطب الروح الروح.

    يقرأ ثم يصيح : هل أنا اله ! ذلك لأن عالم الأرواح قد انفتح أمامه وعليه الآن أن يغوص في روح الأرض , تستثيره المغامرة فيستحضر روح الأرض التي تسخر منه وتهزأ به حين يقول لها بأنه نظيرها حيث ترد عليه بأنه لا يشبهها ؛ فيزداد اكتئابه .

     

    * * *

     

    يقول غوته: ((قد طوفت في شتى ضروب العلم وانتهيت في فترة مبكرة من حياتي إلى تبين بطلانه ، ثم إنني جربت كل أساليب العيش في الحياة الواقعية ، وكنت دائماً أعود منها ضيق النفس غير راض عنها)) (26) وهذا ينعكس على فاوست ، فهو ينتمي إلى (( ثقافة ديناميكية داخل مجتمع راكد ، فأنه يتمزق (مثل مثقفي ألمانيا زمن غوته) بين الحياة الداخلية والحياة الخارجية )) (27) ، وهذا ما دعاه بالإضافة إلى يأسه من العلوم إلى استحضار روح الأرض ، فهي عند غوته – حسب تفسير عبد الرحمن بدوي – سوف تعطي (( فاوست صاحباً من الجن وهو مفستوفيلس يكون تحت إمرته وفي خدمته لتحقيق مآربه وتوفير الملذات له واقتياده خلال عالم الشهوات)) (28) ، كما أن ” كونوفشر” ينظر إلى أن مفستوفيلس هو مبعوث لروح الأرض . وإن كان الأمر هكذا فلماذا يبدأ الرهان بين الله والشيطان . اعتماداً على ذلك لا يتضح دور روح الأرض بل يتناقض مع ما تم الاتفاق عليه في بداية المسرحية ؛ لأنه يصور غوته على أنه حافظ على تصور كان قد تخطاه ، فهذا التفسير يصور روح الأرض كمبدأ قروسطي مسيحي يعاكس مفهوم غوته للطبيعة فتبدو روح الأرض منفصلة عن صيرورة الطبيعة ، وتظهر كمبدأ شيطاني – وهذا ضد ما يعتقده غوته – ، ولو قلنا بأنها تم التعامل معها كما ظهر في الافتتاح في السماء لما استطعنا أن نجعل فاوست يستهوي استحضارها ( لأنه كفر باللاهوت ). إن فاوست يعكس نظرة غوته للطبيعة فهذا يتضارب بين ما يعيشه فاوست وبين ما يعيشه مجتمعه ، وهذا هو المقصود ( لاحقاً يظهر في مشهد إيمان فاوست ) (( إن الفكرة المحورية في المفهوم الغوتوي عن الطبيعة هي استقلال الطبيعة عن الإنسان وعن آرائه الأخلاقية وغيرها)) (29) إن ما يعرضه غوته هنا (( هو المطابقة الصوفية المباشرة بين الإنسان والطبيعة بوصفها سعياً بطولياً وعميقاً بشكل مأساوي وراء المعرفة إلا أنه يتخطاها في الوقت نفسه )) (30) كما سيحدث في مشهد الغابة والكهف الذي سندرسه لاحقاً .

    والمهم هنا ، أن روح الأرض هي تجلي خالص للطبيعة ، ولمعرفة سرّها لابد من كثير من التغير فليس هناك من سبيل الآن إلى معرفة كنهها – أو سرها- فلذلك نجد فاوست لا يحاول مرة أخرى استحضارها ؛ حرصاً على أن لا يعاود أذيتها وأذيّة نفسه معها ، وهو خالي الوفاض من الطاقة القادرة على كشف عللها . كان هذا المشهد بداية لنعرف فلسفة فاوست وعلاقته مع الواقع وتعلقه بما هو غير متعارف عليه أي تعارضه مع الفكر السائد في مجتمعه ، لكن هذه العلاقة ستتضح لاحقاً في الجزء الثاني حين يبدأ بالمحاولة -أي محاولة السيطرة على الطبيعة - . إنه بعد أن تذهب روح الأرض قبل دخول فجنر نجد فاوست يتلهب شوقاً لاستحضارها لكنه في الوقت نفسه لا يحاول تكرار العملية لضعفه أمامها، وحين يمتلك أدواته جيداً بعد التدمير الذي سيقوم به في نفسه سيصبح قادراً على بناء علاقة منطقية معها ، ولكن بصورة أخرى ستتضح في المشاهد التالية في الجزء الثاني لفاوست . ونؤكد ما قلناه بما ورد في كتاب أسطورة فاوست “لأندريه دابيزيس” فروح الأرض هي (( هذه الطبيعة التي تموج بالحيوية والتي تنسج ثوب الألوهية النابض بالحياة . لماذا أبعد فاوست ؟ ولماذا لا يستطيع حتى النظر إلى الطبيعة بلا خوف ؟ ترى هل سبب عدم وضوح نظرته أنه ما زال مقيداً بالماضي؟ وهل إن بضع كلمات في ممارسة السحر يشكل له طريقاً سهلاً للغاية في حين أن العيش مع الطبيعة يفترض الالتزام والعمل ؟ )) (أسطورة فاوست – ص /95/ )

     

     

    الحوار بين فاوست و تلميذه فجنر

     

     

    فجنر يمثل الحذلقة في العلم والحرص على التعلم الآلي والاستظهار للكتب المدرسية والمتون ، يؤثر الكلمات المحفوظة والعبارات الفخمة والفصاحة اللغوية على الآراء الشخصية والفهم والابتكار .

    (( وهو على النقيض من فاوست : انه يؤمن إيماناً شديداً بالعلم المودع في صدور الكتب بينما فاوست ، قد ضاق به ذرعاً واستشرف إلى اللانهائي والعلم الحي وهو لايفهم شيئاً من تحليقات أستاذه فاوست)) (31) .

    انه لا يفهم ما يضطرب في نفس فاوست من وجدانات وتطلعات وآلام ، ثم يتم الحديث بينهما ويظهر أن فاوست يتهكم به ويوبخه على احتفاله برنين الألفاظ الطنانة لإقناع الناس ، ويقول له: “انك لن تضم أبداً القلب إلى القلب ، إذا لم تأت كلماتك من القلب ” ، لكن عبثاً ما يحاول فاوست أن يقنع به فجنر ويعاود ويقول له بأن الإقناع قادر على أن يحدث بالعقل والإحساس السليم دون الحاجة إلى الصنعة فلا داع للبحث عن ألفاظ . إن فجنر يبحث عن الينابيع الحقة في العصور السحيقة ويسخر فاوست مما بلغه الإنسان من العلم, فالناس الحاليين عقولهم هي عقول الماضي مجرد سلال للقاذورات ، ينصرف فجنر لأن غداً هو اليوم الأول من عيد الفصح ولا يريد أن يثقل على أستاذه.

    * * *

     

    إن فجنر (( هو النموذج الخالد للعالم المحصور في بطن الكتب ، المتحذلق المتشدق بالكلمات المحفوظة الجوفاء الممتلئ غروراً بما حصّله من علم ميت، الملفق في التفاصيل الجانبية والتفاهات … لكنه في الوقت نفسه تجاه فاوست شديد الإخلاص مملوء بالإعجاب بأستاذه ، وهذا هو ما يخفف من حدة تهكم فاوست عليه ويبعث في النفس إشفاقا عليه )) (32)

    إن غوته يقول في أمثال فجنر : (( انه من واجبنا ألا نخبر غيرنا بأكثر مما في قدرتهم تلقيه فالإنسان لا يفهم إلا ما يناسبه )) (33) .

    ولنتوسع في علاقة فاوست ومفستوفيليس, حيث أن مفستوفيليس يتركز برنامجه بصراحة في قوله: سيأكل التراب ويأكله متلذذاً هنا يبرز وجه مفستوفيليس الحقيقي في أنه (( وجه شعري – يقصد إعادة خلق واقع برؤية خاصة تتبع لشعرية غوته – حي وليس كمجرد تجسيد لمبدأ الشر… إن الأمر الأكثر أهمية بكثير هو تحديد ميدان فعاليته وقوته إن هدفه … هو كسب روح فاوست ؛ إلا أنه في عرضه الملموس لهذا الهدف يتجلى الخروج الإيديولوجي الجذري لغوته عن الأسطورة … تكون المبارزة باطنية بشكل كلي . إن مفستوفيليس لا يمتلك القوة إلا إلى الحد الذي يشكل فيه جانباً من تطور فاوست السيكولوجي – التاريخي الخاص … )) (34)

    إن مفستوفيليس لا يبقى مجرد جزء من ذاتية فاوست بل يصبح وجهاً ذا تقاسيم متميزة ومستقلة ، وهذا إنجاز عظيم من قبل غوته بحيث يخلق منه كياناً له خصوصيته بالرغم من أنه من ذات فاوست .

    لقد صُِفيّ مفستوفيليس من العنصر الشيطاني كشيء يقع خارج النطاق الإنساني , وهو يعلن (( أن طريق فاوست إلى الخلاص أو اللعنة لايعتمد إلا على فاوست نفسه وليس إطلاقا على الشيطان ، أو أية تأثيرات شيطانية )) (35).

    إن فاوست ومفستوفيليس ملحدان فهما ينكران أي عالم آخر ويرتكزان على العالم الأرضي ؛ أي يرفضان العوالم الماورائية .

     

     

     

     

     

    المناجاة الثانية لفاوست

     

    بعد أن سخِرت منه روح الأرض شعر بيأس قاتل فلم يعد يشعر أن هناك وسيلة أخرى يمكن له أن يتبعها ليحقق غاياته إلا الانتحار علّه يجد في الموت سلواه , فها هو ذا يناجي كأس السم:” فيك أجل حكمة بني الإنسان وصناعتهم أنت خلاصة العصارات الرقيقة الجالبة للنوم ,وخلاصة كل قوى الموت اللطيفة اكشفي لسيدك من فضلك! “

    استعد لوداع الحياة ,ويهم برفع القارورة إلى شفتيه وإذا به يسمع قرع النواقيس وإنشاد الجوقات إيذاناً بعيد الفصح , وهذا كان كفيلاً بإبعاد السم عن شفتيه, ويستغرب هذا التأثير القوي للإنشاد وللرنين لكن هذا ربطه مباشرةً بعالم كان راكداً في نفسه فصاح :

    “استمري في الرنين , أيتها الأناشيد السماوية العذبة !

    انبثقت عبرة , والأرض عادت فاستولت عليّ “

    الملائكة تعلن عن النصر الذي حققه على الموت والخطيئة بفضل قيامته .

     

    * * *

     

    يقول عبد الرحمن بدوي : (( عدول فاوست عن تجرع السم والانتحار لمجرد أنه سمع رنين نواقيس عيد الفصح وأناشيد قيامة المسيح – غير مقنع – والمبرر ضعيف لا يليق بمن في مرتبة فاوست علماً وذكاءً وتطلعاً إلى الآفاق العليا .. نعم, إن في هذا التبرير من السذاجة ما يضعف قوة الحبك المسرحي )) (36) .

    وهذا غير صحيح لأنه , أولاً… يبرر لنا إلى حد ما لماذا رفضته روح الأرض وكأني به يعرف سبباً من أسباب رفضها له . هنا يبدأ القارئ -إلى حد ما – بتفسير رفض الروح لفاوست . بمعنى أنك يا فاوست إن أردت روح الأرض أن تقبل بك فلأنك لم تدمر بشكل كامل كل ما يربطك بالأسطورة المسيحية , بالإضافة إلى شروط أخرى لمّا تعلم بها الآن ,قبل أن تباشر في الشرط الأول .

    ثانياً… كان هذا الموقف إيذاناً لفاوست بأن هناك أفكار حاول طيلة عمره أن يميتها لأنها لم تقنعه – نتيجة تطوره العقلاني – ولأنه يؤمن بالطبيعة وهي مراده. فها هي الآن تظهر بعد أن اقتنع بأنها غارت واختفت بتأثير أفكار هو أكثر اقتناعاً بل إيمانا بها – وهذا بالفعل ما جعله يتشجع لاستحضار روح الأرض – انه الآن سيبدأ من جديد بتدميرها لكن كيف؟ إن هذا الذي قال عنه “عبد الرحمن بدوي” بأنه غير مقنع درامياً ؛هو محور درامي لتفسير ما سبق , والتحضير لما سيأتي من تدمير لروح الإقطاع اللصيق بالدين وما يليه.

    نعود لفاوست ولتفكيره بالانتحار . إنه يشك بأن هذه المعرفة التي حصلها (( لم تضعه على صلة بالأشياء بيما (بينما) كان يرغب في أن يعرف بواسطة التجربة Erfahren وفي أن يعيش بنفسه سر الكائنات والحقيقة والطبيعة والسر الإلهي . إن الادعاء الساذج لفاغنر (فجنر ) يمثل تماماً مرحلة المعرفة التي تخطاها فاوست , ذلك لأن المعرفة في نظر فاوست إنما هي الانفتاح على الكائنات أي على كشف … الحياة والطبيعة وكشف الله الذي يصبو إليه كل اندفاعه )) (37), أول صدمة يتلقاها هي من روح الأرض لذلك يفكر بالابتعاد عن العالم الأرضي لأنه شعر ((بالانغلاق مرة والى الأبد في القبر الذي أصبحه عالمه الداخلي )) (38) , فان لم ينتحر فسيقتله انغلاقه لأنه متأكد من أنه دمر أفكار مجتمعه في نفسه – إن كانت دينية أو اجتماعية أو الاثنتين معا – وان بقي في غرفته فان (( قوى عقله إذ تحولت نحو الداخل تحولت ضده وانقلبت إلى سجن له, هو يتطلع متوتراً نحو إيجاد مخرج تفيض منه وفرة حياته الداخلية تعبّر عن نفسها من خلال العمل في العالم الخارجي )) (39) بما أنها -أي حياته الداخلية – تجد صعوبة في الانفتاح على الواقع المتخلف بالنسبة له فيلجأ إلى روح الأرض كي لا يبقى حبيس غرفته فتصدمه فإذاً لامانع من الانتحار فهو (( بدء حياة جديدة تتمثل فيها ظروف مختلفة وغير معروفة كلية , كأن إنسان في منتصف العمر قد ضاق بمهنته في الحياة فأراد أن يعتزلها إلى غيرها , وحل كهذا خطير فهو يعبّر عن عدم الرضا البالغ عن الأشياء كما هي , ولكنه كذلك يعبر عن أمل عظيم . الموت – عند فاوست – مغامرة كأي مغامرة أخرى )) (40) مثل مغامرة استحضار روح الأرض , لكنني لا أوافق على أن مغامرة الموت تعبر عن أمل عظيم لأنها أتت بعد صد روح الأرض له , فالموت لجوء اضطر فاوست إليه بعد خيبة أمله بالمغامرة العظيمة فعلاً ,ألا وهي روح الأرض . فبعد الأمل العظيم جاء الموت كحل بديل ليست له كل هذه العظمة . بالرغم من الغموض الذي يحوي المغامرتين .

    إن الحياة عند فاوست (( تتمثل في المحاولة الدائبة التي ليس لها قرار , الحياة عنده تجدد دائم أو إن شئنا الدقة تغير دائم , وهذا هو المستوى الفلسفي الذي بدأ منه فاوست , والذي انتهى إليه كذلك فالإنسان لايمكن أن يحقق لنفسه سعادة غير تلك السعادة الكامنة في حقيقته , ذلك التغير الدائم الذي يجعل الإنسان في سعي دائب ” ( 41)

    نعود ونذكّر بأهمية مشهد الأجراس الذي سيثبت فلسفة فاوست آنفاً, فأهمية (( مشهد الأجراس بالنسبة لتطور فاوست الشخص – وفاوست المسرحية – تكشف لنا عن أهمية المشروع الرومانسي القائم على التحرر الروحي والنفسي في سياق السيرورة التاريخية لعملية التحديث )) ( 42) هذه الأجراس مثل المشاهد والأحاسيس الطارئة, ولكنها متألقة تعيد الصلة بين فاوست وبين الحياة الدفينة لأيام طفولته . تنفتح بوابات فيضان الذكريات في عقله على مصراعيها فيغدو فاوست غارقاً في أعماق عالم طفولي أجبرته أعوام سن الرشد على نسيانه . لقد بادر فاوست على الانفتاح على البعد الضائع من كيانه ويتواصل معه مما يدفعه إلى قبول الحياة مع العالم الخارجي ليسترجع علاقته مع المجتمع الذي عاش فيه طفولته , وليس هذا إلا تصويراً لصعوبة الهدم بالنسبة للإنسان ككيان نفسي وإيديولوجي فهو يحتاج لوقت ليس بالقصير لذلك نجد فاوست يخرج من غرفته ليعيد التواصل مع أهل حارته ومرضاه لكن صوت المرتلين في عيد الفصح (( إن لم يرجع فاوست إلى الإيمان – وهذا صعب – فأنه على أي حال يرجعه لقبول الحياة )) (43).

     

     

     

     

    النزهة خارج المنزل

     

     

    ننتقل إلى الحياة الواقعية للناس , يوم عيد الفصح وهم يمرحون كلٌ على هواه . فاوست وفجنر وسط هذا الحشد ويأتيهما الجمهور ليلتف حول فاوست احتفاءً به , ويذكر له فلاح عجوز كيف أن أبا فاوست قد أنقذ العديد من المصابين بالوباء الذي أصابهم منذ زمن وكيف أن فاوست قد شارك أباه في هذا العمل الإنساني , عندها يبتعد فاوست عن الحشد هو وفجنر ويفضي فاوست بسر, وهو أن ما كان يقدمه إلى المرضى لم يكن دواء بل كان سماً – يعتبر أن الناس كانوا تجارب لفرضيات الأطباء العلاجية – , يقول : ” وهاأنذا أرى الناس يثنون على سفاحيهم الجسورين ! “

    وما يلبث فاوست أن يستبعد عن نفسه تلك الخواطر السوداء حتى لا ينغّص عليه متعة اللحظة وهو يستشرف ببصره إلى الشمس , وهي تغيب وتحفزه على تخيل نفسه وهو يسير , لا يوقفه لا الجبال ولا البحار , بل يتفتح أمامه البحر بخلجانه الدافئة . يقول :

    ” ما أجمل الحلم والشمس تنحدر للمغيب ! “

    فجنر لا يستهوي هذا الحلم ويؤثر عليه التنقل من كتاب إلى كتاب , فهو لا يشعر بغير هذا الدافع : القراءة وتصفح كتب الآخرين .

    لكن فاوست الذي تتصارعه نفسان يقول :” ألا ليت لي معطفاً سحرياً تحملني إلى الديار الأجنبية !” , ثم يدعو فجنر للعودة إلى المنزل لأن الظلام قد حلّ , لكن فاوست يشغله كلب أسود يشرد في القمح والتبن , ويسأل فجنر : كيف يبدو لك هذا الحيوان ؟ فيجيبه :

    أرى أنه كلب . ويقول فاوست أنه يخيل إليه أن الكلب يجر وراءه دوامة من النار , لكن فجنر لايرى شيئاً .

    لقد صار الكلب قريباً جداً من فاوست ويجيب فجنر أنه كلب وليس شبحاً من الأشباح , وهو ينبح ويحرك ذيله. ويأخذ فاوست بكلام فجنر ويقررانه لاأثرلأي روح , ثم يدخلان المدينة .

     

    * * *

     

    إن الأطباء الذين كانوا يمارسون الطب كمهنة قروسطية تقليدية كانوا يتلمسون العلاج اعتباطاً , وعلى الرغم من أن الناس كانوا يحبونهم فإن فاوست متأكد من أنه , وأباه (( كانوا يقتلون أكثر مما يشفون من الناس وبالتالي فإن الشعور بالذنب الذي كبته فيما مضى يعاوده من جديد . يتذكر فاوست الآن أن السبب الكامن وراء انسحابه من العمل مع الناس وانطلاقه على طريق البحث العلمي الانعزالي … هو التغلب على هذا الإرث الجهنمي المميت , هذا الإرث القائم على القتل )) (44)

    ويهمنا في هذا المشهد ما يخالج فاوست , ففي صدره تتنازع رغبتان (( إحداهما دنيوية تتشبث بالأرض , وتحس بآلام الناس وآمالهم , وتعمل على خلاصهم , والأخرى ملائكية تريد أن تخترق الأجواء وتحلق في السماء لتكتشف أسرار النعيم والشقاء , فأنّى له إذن بالقناعة والرضاء ؟ )) (45) .

     

     

    غرفة الدراسة

     

    يدخل الكلب مع فاوست غرفة مكتبه ويظل يعدو هناك , ويحاول فاوست أن يهدئه ولكن في غير جدوى. ويعود فاوست إلى مناجاة نفسه أمام الكلب ويفكر أن يترجم الإنجيل فيقرأ في الإنجيل الرابع ليوحنا :” في البدء كانت الكلمة ! ” فلا تعجبه كلمة “الكلمة ” فيحاول أن يستبدلها بأكثر من كلمة حتى ينتهي إلى كلمة “الفعل” .

    والكلب مازال يشغله عن الترجمة بنباحه فيطلب منه فاوست الخروج, لكن الكلب تضخم و يتحّور من كائن إلى آخر , وتسمع أصوات لأرواح في الدهليز ثم يُصبح الكائن على هيئة آدمية . ويسأله فاوست عن حقيقة أمره فيجيب مفستوفيلس: ” أنا الروح التي تنكر دائماً ؟ وهذا عن حق , لأن كل ما ينشأ يستحق الفناء , ومن هنا كان من الأفضل ألا ينشأ شيء وهكذا فان كل ما تسمونه “خطيئة ” ,دمار , وبالجملة : شر , هو العنصر الخاص بي ” .

    ويدرك فاوست أن الشيطان “مفستوفيلس” صارت مهمته تدمير الأشياء والأمور الصغيرة بعد أن عجز عن تدمير الكون في جملته . إنه يقابل قوة الخلق الحية بقبضة الشيطان الباردة . يطلب منه فاوست أن ينصرف لكن مفستوفيلس يؤجل المحاولة إلى فرصة أخرى ويقول له فاوست أن في وسعه العودة لزيارته كما يشاء . وبعد حديث قصير بينهما يعجب فاوست بحديثه فيطلب منه البقاء وبعد أن يعرض مفستوفيلس ألاعيبه السحرية على فاوست , يشعر فاوست بالنعاس فيخرج مفستوفيلس من غرفة فاوست , ويعده بالعودة .

    في المشهد الثاني يعود مفستوفيلس لزيارة فاوست كما وعد وهو في ثوب أحمر مطرز بالذهب ويرى فاوست يائساً , لأنه لا يحقق أمانيه والأيام تمر عليه بلا جدوى , فالوجود صار عبءً ثقيلاً والحياة كريهة لذا صار يرحب بالموت , وهنا يتهكم مفستوفيلس عليه بخبث لأنه حاول الانتحار وانصرف عنه لشيء تافه هو سماعه لأصوات النواقيس, فيعتذر فاوست بأن ما بقي فيه من تقوى صبيانية هو الذي صرفه عن ذلك , ويأخذ في صب اللعنات على حسن ظن العقل بنفسه , وعلى الأوهام التي تفرض نفسها على حواسنا والأرض والزوجة والخمر والأمل والصبر… الخ

    ثم يُسمع صوت أرواح تدعوه إلى حياة جديدة ومفستوفيلس خادماً له وتابعاً.

    يدرك فاوست ما في هذه الدعوة من خداع وتغرير ؛ فيطلب من مفستوفيليس أن يذكر شروطه بوضوح , فيجيبه مفستوفيلس أنه يتعهد بخدمة فاوست في هذه الدنيا , مقابل أن يخدمه فاوست في الآخرة . في البداية لا يحفل فاوست بجوابه لأنه لا يحفل بالآخرة , وينتهي بهما الحوار إلى تعهد فاوست بالالتزام بما يطلبه مفستوفيلس من شروط , ويطالبه هذا بتحرير هذا التعهد كتابة على قصاصة من الورق موقعّة بقطرة من دمه ,

    بعدها يدعوه مفستوفيلس إلى البدء على الفور لأن ” الزمان قصير والصناعة طويلة” .

    يجيء طالب علم جوال إلى فاوست ليأخذ العلم لكن فاوست يرفض لقائه فيتولى مفستوفيلس علاج الأمر , فيلبس ثوب فاوست ويأخذ مفستوفيلس في نصحه في دراسة المنطق ثم الميتافيزيقيا , وهكذا إلى أن ينصحه بكيفية معالجة شؤون النساء, ويفرح الطالب بهذه النصائح التي تلائم هواه ثم يدخل فاوست ويتفق مع مفستوفيلس على البدء بمشاهدة العالم الصغير , وبعد ذلك العالم الكبير .

     

    * * *

     

    ( إن مفستوفيلس يسخر من المنطق لأنه يستبعد التفكير الطبيعي , ومن الميتافيزيقيا لأنها تستبدل بالكائنات الطبيعية كائنات عقلية , ومن القانون لأنه بدلاً من القانون الطبيعي يفرض القانون الوضعي الاصطلاحي , ومن اللاهوت لأنه يعد التفكير الطبيعي كفراً وضلالاً , ومن الطب لأن فيه شعوذة , والشعوذة تحتاج لمجاملات وجرأة في الادعاء , و ما فيه من سهولة في الوصول إلى معاشرة النساء بحجة الكشف الطبي)(46).

    هذه مشاهد غرفة الدراسة حيث سندرس فيها موضوعة الشيطان مفستوفيلس مع فاوست وجملتي : “في البدء كان الفعل!” , و”تلبثي, فأنت رائعة الجمال” .

    أولاً … لا ننسى أن الطريق إلى الجنة مرصوف بالنوايا الشريرة …

    إن صلب الفكرة (( يدور حول الإنسان وتعطشه إلى المعرفة والحرية حتى لو تحالف في سبيل تحقيق هدفه مع الشيطان , ومدى تعارض ذلك مع حقائق الأديان بل علوم الطب والفلسفة أو مواءمته للشعوذة و السحر )) ( 47) .

    تتركز مهمة مفستوفيلس على (( تجسيد الوجه المظلم , ليس فقط للإبداع بل للألوهية والقداسة نفسها )) (48).

    إن الشيطاني في مفستوفيلس (( هو سخريته المرّة وألاعيبه العجيبة وتهكمه بكل شيء في الخلق , والشك في قيمة كل شيء وازدراؤه لمساعي الإنسان)) (49), إنه كان يتجسس على فاوست مباشرة أو عن طريق أعوانه فهو تحدى الرب على فاوست , وهذا يؤكد عدم حاجة مفستوفيلس لأن يخدع فاوست بالكلمات لأن فاوست نفسه كان على استعداد تام للارتماء في أحضان الشيطان بدليل ممارسته للسحر . إن الشيطان ((لا يتجسس على فاوست ولا يستغل ضعفه ليدخل عليه , ويعرض عليه المساعدة وإنما فاوست إذ يصيبه اليأس والملل من الحياة التي يعيشها والمعرفة التي لا تروي له غلة , ولا تحل له مشكلاته المادية أو الروحية يتجه إلى السحر )) (50) , (( فاوست لا يبيع روحه بغير شروط فهو لا يوافق على أن يُقذف به في الجحيم إلا أن أراه مفيستوفيليس (مفستوفيلس) لذة فيها من الإشباع الدائم له ما يحبب له معايشتها إلى الأبد ))(51) ؛ إذ لايمكن تطوير القوى البشرية (( إلا عبر ما أطلق عليه ماركس اسم” قوى العالم السفلي “(القوى الجهنمية)تلك الطاقات الظلامية المرعبة , التي قد تفلت بقواها الهائلة غير القابلة لأن تخضع لأية سيطرة إنسانية )) (52) ، ففاوست سيعتمد على مفستوفيلس في كل ما سيجري في الجزء الأول حيث سيكون فعالاً بشكل كلي , أما في نهاية الجزء الثاني سيحاول فاوست التخلص من قوى الشر لكنه لا يقدر… !

     

    كان فاوست (( تواقاً إلى استغلال منابع سائر أشكال الإبداع والخلق ,غير أنه الآن يجد نفسه وجهاً لوجه أمام قوة التدمير بدلاً من ذلك , تغوص المفارقات إلى ما هو أعمق من ذلك : لن يكون قادراً على خلق أي شيء ما لم يكن مستعداً للتخلي عن كل شيء للقبول بحقيقة أن كل ما تم خلقه حتى الآن – بل وكل ما من شأنه أن يخلق في المستقبل من قبله- لابد من أن يتعرض للتدمير في سبيل تمهيد الطريق المؤدي إلى المزيد من الخلق )) (53) , فالتعطش الشيطاني للتدمير مثله مثل إرادة الله وفعله الإبداعيين اللذين يكونان مدمرين …يكفي أن يتعاون فاوست مع هذه القوى المدمرة ويمارس نشاطه من خلالها حتى يتمكن من خلق أي شيء في العالم . لكن فاوست يستطيع (( تحطيم كل عالم آخر , وتركيز الحركة بشكل جذري على الصعيد الأرضي … إن المقاطع الشعرية الرائعة التي وضعها غوته على لسان الشيطان تبين جوهره , بكونه الجشع المكشوف إلى الذهب والرغبة الجنسية المكشوفة . إن السعي وراء هذين “الإلهين الأعليين ” يؤلف حكمة الشيطان أي الاكتمال الخالص والمطلق لما شخّصه مفيستوفيليس(مفستوفيلس) … انه أكثر روحانية من الشيطان , ويجب عليه أن يرفع المبادئ الشيطانية إلى مستوى عال روحياً , ويمجدها لكي يصل إلى ميدان مشترك للعمل مع فاوست لكي يتوصل وإن كان ذلك بصورة خارجية على الأغلب إلى مشاكل فاوست الباطنية , بهذه الطريقة وحدها يمكن للمبدأ المفيستوفلي أن يصبح قوة محركة في ذاتية فاوست (وغوته) نفسها)) (54) .

    نجد في نهاية المسرحية ” أنهما – فاوست ومفستوفيلس- يوافقان معاً على الرهان , إلا أن كلاً منهما يفهم معنى مختلفاً تماماً للكلمات نفسها )) (55) إلا أن فاوست في المسرحية بكاملها قد عّبر(( في مواقف عدة عن موجتي الإلحاد والرومنتيكية اللتين اشتركتا في تكوين شخصيته)) (56) .

     

    ” في الـبـــــــدء . . . كـــــــــان الفعل “

    ******************************************************************

    يقول عبد الرحمن بدوي :

    (( الكلمة لايمكن أن تكون هي الأولى لأنها تفترض المعنى , أو الفكرة مقدماً , إذ هي مجرد تعبير صوتي عن الفكر والمعنى , والفكر هو الآخر ليس بشيء بدون القوة , التي تحقق الفكر, والقوة لا تنكشف إلا بالفعل, لهذا فإن الأول في الوجود هو الفعل )) (57) .

    ويقول أيضاً : (( ما أبعد هذا عن مقصود يوحنا الإنجيلي ! إن هذا أراد بالكلمة : المسيح بوصفه مخلص العالم ونور العالم وحياته )) (58) .

    لكن الإنجيل يورد في نفس المكان بعد بضع آيات : (( /9/ كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتياً إلى العالم /10/ كان في العالم وكوّن العالم به ولم يعرفه العالم “(59) , فليس كلمة فقط بل فعل لكنه كان بداية كلاماً ثم صار فعلاً كما يرد في الآية :

    (( والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً…)) (60) , فالمسيح ليس كلمة , بل فعل أيضاً , لكن هذا الفعل بعيد عن مقصد غوته الذي يريده من هذه الجملة . قال غوته :

    (( نحن نجد الحقيقة في الفعل أكثر مما نجدها في الفكر وينبغي أن يكون الفكر أداة العمل لابديلاً عنه ))(61) , ويقول هيغل (( كينونة الإنسان الحقيقية , هي بالأحرى فعله))(62) .

    ويشرح جان بول سارتر كنه الفعل بما يلي : (( إن الفعل هو من حيث المبدأ ذو قصد … والتوافق بين النتيجة والقصد [ النية] كاف ها هنا كي نستطيع التحدث عن فعل لكن إذا كان لابد أن يكون الأمر هكذا فإننا نشاهد أن الفعل يتضمن بالضرورة كشرط له الإقرار بأمر منشود أي بنقص موضوعي أو سلبية … ” (63 ) والمقصود بنقص هو بقاء النتيجة مغيبة بشكل جزئي أي غير معروفة تماماً . إن سارتر هو الذي استبدل جملة ديكارت حيث قال : أنا أفعل إذا أنا موجود. انطلاقاً من أن الوجود لا يكون وجوداً

    إلا بفعله. يقول جورج لوكاش : ” إن نتيجة الفعل الإنساني هي دائماً مختلفة موضوعياً عما كان ينويه البشر في وجدانهم إن حركة المجتمع الإنساني وتطوره ينطلقان من عواطف الأفراد إلا أن نتائجهما تتخطى الأفراد وتجعل البشر الفاعلين خاضعين لعواقب أفعالهم الخاصة وهذا المفهوم يتخلل هيكل فاوست برمته” (64)

    وهو يوضح أن العاطفة جزء من الطبيعة وليست مرادف فالتحكم بالعاطفة يفترض جزئياً التحكم بالطبيعة ولكن هذا لا يعني قمعها بشكل زهدي متقشف .

    يقول مارشال بيرمان :

    الفعل الأول لخلق العالم يجعل فاوست يعلن عن “استعداده لاعادة تكريس حياته على أفعال دنيوية خلاّقة “(65) ومعنى نبوءة فاوست الجديدة التي تمكنه من تقليد الله الذي يتصوره .

    يقول أندره دابيزيس :

    ” يشرع في نقل الفصل الأول من رؤيا القديس يوحنا إلى لغته هو – أي فاوست –

    فإذا لم يكن في نظره تعريف الإله بأنه /الكلمة/ بل أنه /العمل/ فهذا ما ينم عن الرؤية الرومانسية ويصبح التفاوت خطراً حينما تقرأ أجيال المستقبل هنا عند غوته إنكار العقل والذكاء وذلك باسم /دينامية/ محضة عمياء…” (66) ومن قال بأن العمل أو الفعل هو بعيد ومعزول عن العقل . كيف يمكن للعمل أن يتم بعماء. إذا كان غوته في زمنه يقول ذلك فكيف سيكون رد أجيال المستقبل وهم سيأتون بعد غوته بكثير , بالتأكيد سيكون فهمهم أكثر وعياً لغوته الذي لايقصد بالعمل الدينامية العمياء لأن فاوست متطور ذهنياً إلى درجة تسمح لهم بالعمل انطلاقاً من العمل … وهذا ما حدث فعلاً ! لاأقصد بالعمل دون عقل الأفعال اللاواعية بقدر ما أقصد الأفعال التي تحتضن القصد الواعي ويغيب عنها تأكيد كينونة النتيجة وهذا مشروع إنساني.

    أخيراً . نحن نعلم أن معنى كلمة فعل هي عمل (67) والفعل هو العمل فحين يذكر فاوست: “في البدء كان الفعل” فهو بذلك يشمل الكلام والفكر والاعتقاد وكل شيء يثبت الوجود. لأنه ما من فعل إلا ويتضمن فكراً يقوده حتى الطفل الذي تبدأ علاقته مع الأشياء هي علاقة فعل يستند إلى فكر هو فكر الطفل, فكيف فاوست الذي قام بالفعل الذهني وحان الوقت للقيام بالفعل العملي التطبيقي المنتج حسياً والملموس.

    إن الفعل هو البادئ أبداً إن كان كلمة أو عملاً آخراً . فحتى غوته نفسه هو الذي قدم مسرحية مكتوبة كلاماً يقصد بها الفعل… لكن أن تصير الكلمة فعلاً أكثر فاعلية هذا هو الأهم …حين أقول في البدء كان الفعل فأنا أقصد كل شيء … وبالتالي فان غوته لم يقدم شيئاً جديداً لأنه فعلاً حوّل الكلمة إلى الفعل لأن كلمة الفعل تتضمن الكلمة فالكلمة جزء من الفعل والفعل هو المطلق والأكثر شمولاً . أما قصدية الفعل فهي واضحة طيلة العمل في المسرحية وغياب هذه النتيجة التي ينويها فاوست تؤكد على ما قاله سارتر في كتابه

    ” الوجود والعدم ” إن فاوست يرغب بأرض حرّة وشعب حر لكن هذا صعب المنال وصعب التحقيق والأهم هو العمل نحو تحقيق هذا الحلم وبمواصلة السعي ” الفعل ” .

    إن غوته يذكر على لسان فاوست ما يخطط له فاوست الذي يعتمد على معنىً من معاني الفعل ألا وهي الإنتاج والعمل التطبيقي الذي يعود بالفائدة على النوع الانساني يقصد فاوست الاعتماد على خلق قوة محركة ديناميكية تنتج. وبالتالي فان غوته حول جملة الانجيل لتلائم تطلعات فاوست لأن الانجيل أيضاً يؤكد على تحول الكلمة الى فعل في الآية :”والكلمة صار جسداً” فهذا شيء يتفق عليه الجميع . ان الفعل هو الأكثر شمولية فهو يضم الكلمة .

    ومهما كل الفعل يفتقد الفكر فهو يحوي فكراً يتناسب مع الفعل مثل مثال الطفل الذي ذكرناه . أما بدء خلق الكون باعتباره كان فعلاً فهو تسبقه فكرة عفوية تم تطويرها مع الزمن فتطور معها الفعل وتطور خلق الكون ان كان بتدميره أو اعادة خلقه .

    وهذا نراه في الفكر العفوي التي أتت لفاوست حين فكّر باخضاع قوانين الطبيعة قدر الامكان لخدمة تطويره الانساني الفعّال , حيث تطورت الفكرة فتطور الفعل في المباشرة في البناء واستغلال حتى أمواج البحر والطاقة التي تخزنها.

    ختاماً . أوضح أن هناك فعلاً ذهنياً يتخذ صفة الفكر وفعلاً يتخذ صفة الكلام وفعلاً عملياً يتخذ صفة الديناميكية . فالفعل هو البادئ لكنه يتخذ صوراً عدة ولاأستطرد اذا ذكرت أن ماركس اعتمد على مقولة في البدء كان الفعل في كتابه رأس المال حيث قال :

    ” في هذا الوضع الحرج يحاكم أصحابنا مالكو البضائع على غرار فاوست :/في البداية كان الفعل/ وهم قد فعلوا الفعل قبل أن يشرعوا في المحاكمة “(68)

    كان هذا في فصل عملية التبادل التي ينتهي بها الى صيغة النقد

    ( المعادل الخاص والمعادل العام ) حيث أنه لايستطيع كل من مالكي البضائع العمل الا عن طريق الفعل الارادي الواحد المشترك لهما فهو يستأثر ببضاعة الغبر متخلياً عن بضاعته هو في علاقة حقوقية عن طريق العقد ويتحول بعد ذلك كل هذا الفعل الى صيغة نهائية تتخذ شكل معادل عام فمنتجات العمل تتحول الى بضائع وهذه بالتالي تتحول الى قيمة يحققها النقد هي القيمة الاستعمالية (هي الحاجة لاعطاء تعبير خارجي من أجل التداول )

     

    ” تلبّثي , فأنت رائعة الجمال…”

     

    يقول فاوست لمفستوفيليس :

    اذا قلت لأي ة لحظة : ” تلبثي, فأنت رائعة الجمال…” ففي وسعك حينئذ أن تقيدني في الأصفاد وبودي حينئذ أن يدركني الموت “

    يؤكدها ” لأنه يريد أن يجرب الالهي في الأرض وأن يبحث عن المطلق في ” الهنا ” وعن الأبدي في الآن ولكنه ينفيها في الوقت نفسه لأنه يشعر تماماً بل يعلم ذلك ويعيه ويعبر عنه كثيراً .

    ان الالهي سيظل ممتنعاً على الأرض وأن المطلق الأبدي الكامل لن يتجلى بكليته لافي “الهنا” و”الآن” ولا في أي شيء جزئي لأن أقصى ما يمكن أن نلقاه منه – اذا واتانا الحظ أو ساعدتنا النعمة والصدفة – هو الانعكاس الباهت من فيض نوره الأسمى في شيء أو موقف أو حدثجزئي زائل (69) لعل هذه اللحظة التي لا يمكن قياسها بمقاييس زماننا الدنيوي الذي نشقى به أو يشقى بنا من المولد الى الممات لعلها تكون هي سر ذلك السر الذي يمكن أن يكون أحد المفاتيح الهامة للدخول الى عالم فاوست فهو يضع شرط الرهان بحيث أنه حين يتوقف عن الفعل تماماً فليكون من نصيبه ولذلك فهو يجاهد الى انكار وصوله الى هذه اللحظة حتى يبقى على ايمانه بالفعل الدائم المطوّر وهذا من هجرانه لغريتشن الى مقاومته “للهم” وبقائه على الفعل حتى بعد أن فقد بصره… ان هذه اللحظة ليست ” لحظة المتعة الحسية

    التي تنكّر لها فاوست حيث أنه من البداية يقر بعدم انخداعه بالمتع واللذات الحسية ” (70) بعد ذلك تبدأ مسيرة فاوست ومفستوفيليس في العالم الصغير… دنيا العاديين من الناس في حياتهم المدنية .

     

     

    حانة آورباخ

     

    نبدأ بذكر رسالة مفستوفيليس حيث أنها لاتتركز ” على لوم المرء لذاته جراء الحوادث العارضة في عملية الخلق الالهية فتستطيع أن تلقي عن كاهلك شعورك بالذنب وأن تتحرك بحرية . لن تعود مضطراً لأن تتردد ازاء السؤال الأخلاقي الذي يقول : هل يتوجب عليّ أن أفعل هذا؟ فعلى الطريق المفتوح لسيرورة التطور الذاتي يبقى السؤال الحيوي الحاسم الوحيد متركزاً على : كيف أفعل هذا؟ كبداية سيتولى مفيستو(مفستوفيليس) مهمة ارشاد فاوست الى كيفية العمل وفيما بعد,

    بعد أن يكون البطل قد عاش ونما فانه سيكون قد تعلم الطريقة وكيفية التصرف وحده. ما السبيل ؟ ” ( 71 )

    تؤدي هذه الرحلة الأولى الى ليتبسك حيث يعرض لنا جيته حياة الطلاب الجامعيين طلبة معربدونسكارى, مشهد صاخب فج سرعان ما يشمئز منه فاوست ويعتبر هذا المشهد يدل على ” قطع الفروع الميتة وتغذية البراعم الجائعة وهذه الفلسفة – كما يقول كنت – فلسفة تطهيرية فهي تطهر وتحرر ومقصود بها الى أن تجعلنا نبدأ من جديد ونبدأ بدأً سليماً واذن فلينكر فاوست كل تلك المعرفة التحصيلية ولينخرط في تجربته الذاتية ليعرف الحقيقة من خلالها ولينكر مع تلك المعرفة كل فكرة خارجية وكل نظام متعال وكل نظرية اسمية ” (72 )

    هنا تبدأ مع فاوست مرحلة التجربة , تجربة كل شيء التي تبدأ في الحانة حيث ” يسعى جاهداً من أجل تحقيق نوع من الاتصال مع العالم الذي سيكون أكثر امتلاءً بالحياة مع العالم الذي سيكون أكثر اباحية وأكثف نشاطاً في الوقت نفسه ” (73 )

    وهذا بالطبع بتأثير مفستوفيليس كي تنتهي مأساته السابقة ” بتكريس يأسه وذلك بارجاعه هو وعدم رضاه الى مستوى أدى الى مستوى غريزة الحياة والتمتع ” ( 74 )

     

    مطبخ الساحرات

     

    ان فاوست الآن في حوالي الخمسين من عمره . أدرك مفستوفيليس ضرورة تغيير المزاج البدني لفاوست حتى يستطيع أن يفرح باللذات العنيفة فكان لابد له من اعادة الشباب الى جسم فاوست الهرم وهنا نجد عند الساحرة الشراب الكفيل برجوع الشيخ الى صباه والمشهد غريب الملامح يثير الاشمئزاز . منظر مطبخ الساحرة يثير في نفس فاوست الغثيان وبعد حين يرى في المرآة عند الساحرة امرأة رائعة الجمال فيتشوق اليها ويبادره مفستوفيلس بأن في وسعه أن يدبر له فتاة رائعة الجمال .

    وبعدها تبدأ الساحرة بعملها الى أن يتحول فاوست الى شاب وسيم .

    ان فاوست وسيلته وغايته تكمن في المغامرة وهو يؤمن بأن “تجربتنا هي سبيلنا الوحيد الى الحقيقة ” ( 75 ) أما السحر فقد استخدمه مفيستو ” ليعيد الشباب الى فاوست واتخدمه في الذهاب بفاوست الى ليلة والبورغ ( ليلة فالبورج ) حيث احتفال السحرة والشياطين السنوي لينسيه ما ارتكب من جرائم في حق مارجريت وأمها وأخيها ثم استخدم مفيستو السحر أيضاً في استحضار روح باريس وهيلانة أمام الامبراطور في الجزء الثاني من المأساة … وهكذا .

    غير أن هذا لايلهينا عن طبيعة استخدام جوته لهذه العناصر فجوته لم يورط مفيستو في استخدام قدرته السحرية في تغيير طبيعة فاوست أو حتى في تغيير طبيعة الوقف الذي يعيشه . ان فاوست يتصرف بمحض ارادته ويقوم بالفعل الذي يختاره في كل موقف حتى ليمكن القول أن العناصر السحرية في ” فاوست ” لم تقم الا بدور ثانوي تماماً بل يمكن النظر اليها على أنها عناصر رمزية خالصة ان جوته استبقى هذه العناصر الخرافية في العمل – كما يقول كارليل – بوعي من جانبه ومن جانبنا , أنه وهم ” ( 76 )

    اسطورة فاوست تصور الشيطان على أنه ملجأ الانسان حزبته أمور السحر والشعوذة والملاذ الحسية الدنيئة وأنه يتقاضى ثمنه من الصحية هرطقة وتجديفاً في حق الله وينتهي بروحه الى الجحيم وهذا بالضبط ما حدث لفاوست ] … [ فقد لجأ الى المعرفة الشيطانية بعد أن رفض الحدود القائمة التي تحد المعرفة البشرية , وتجعلها قاصرة عن الوفاء

    بحاجة العقول المتطلعة دوماً الى المعرفة الشاملة , ذكر في مجلة الفصول أن "من الطبيعي أن يسقط فاوست- نتيجة هذا التطلع غير المشروع – سقوطاً مدوياً , يصبح عبرة لكل من تسول له نفسه مجاوزة الحدود التي رسمها الرب للمعرفة البشرية ومن ثم للأخلاق والسلوك " (77)

    وهذا الكلام غير صحيح نهائياً لأن الرب في المسرحية ينقذ فاوست حين يرسل الملائكة لأخذه . ان غوته يؤكد الفكرة التي ينكرها كاتب هذه المقالة

    وزيادة في دحض هذا القول نؤكد أن فاوست خلال عمله مع الشيطان يتطور و" يحس فاوست بادئ ذي بدء بقواه الجديدة بوصفها طاقات جنسية فالحياة الجنسية هي الدائرة التي يتعلم فيها فاوست للمرة الأولى كيف يعيش ويتصرف وبعد فترة قصيرة من مرافقته لمفيستو يصبح فاوست مشعاً ومثيراً . بعض التغييرات تتحقق من خلال عوامل مساعدة اصطناعية مثل الملابس الأنيقة الزاهية ]بدل الكتب والمعدات[ “(78) ويذكر د. نبيل حفارفي دراسته أن مفيستو يقوم بوظيفة العنصر المحرك

    ” الذي ينوي الشر لكنه يدفع بالخير العام نحو الأمام , وهو يرى أن مبدأي الخير والشر متواجدان بالذات الانسانية وفي حالة تناقض دائم والانسان هو من يحسم القرار الى جانب أحد المبدأين ” (79 )

    -“هكذا حرر فاوست نفسه من كل الأفكار والنظريات التقليدية ونفى من عقله كل معرفة لم يحصلها من خلال التجربة ثم تجدرد لمنهجه الانساني الجديد لمنهجه التجريبي في الحياة ” ( 80 ) وهكذا نجد في مطبخ الساحرات وحانة آورباخ أن مفستوفيليس هو الدليل في حين أن فاوست مراقب مستمتع أحياناً وضجر أحياناً أخرى .

     

     

     

     

     

     

    مأســـــاة غريتشن ( مارجريت )

     

    أ – الغرام

    ( في الشارع – المساء – نزهة – بيت الجارة – شارع – حديقة – كوخ في حديقة )

     

     

    ها هو ذا فاوست قد استعاد شبابه وصار مثل فتى في سن العشرين .

    وأي تجربة حية في سن العشرين أجمل وأعمق من الحب ! لهذا كرس جيته للحب المشلهد الباقية من ” فاوست ” الأول- باستثناء مشهد مقحم هو “ليلة فالبورج ” .

    أما المحبوبة فهي جرتشن Gretchen , وهي فتاة ساذجة من الطبقة الوسطى الدنيا , تعيش مع أمها , ولها أخ جندي .

    وأزل مشاهد هذه المأساة كان في الشارع , حين أبصر فاوست جرتشن وهي خارجة لتوها من الكاتدرائية حيث كانت تحضر قداساً . وما يراها فاوست حتى يفتن بها , ويعدو ورائها في وضح النهار ويصفها ب”الأنسة الجميلة ” ويعرض عليها أن يمسك ذراعها ويصحبها الى بيتها

    فترد عليه بأنها ليست “آنسة ” ,وليست “جميلة”و وتريد أن تعود وحدها الى بيتها, وتتخلص منه وتمضي لشأنها. فيزداد فاوست تعلقاً بها, ويندفع في وصف حار لمفاتنها : الشفاه الحمر, والخدود النضرة , والعيون التي أغضت حياء وعفة , وسرعة بديهتها في الجواب !

    ويدخل مفستوفيلس فيأمره فاوست بتمكينه من هذه الفتاة التي مرت منذ قليل . فيحاول مفستوفيلس كبح جماحه واقناعه بأن هذا النوع من الفتيات يحتاج الى وقت طويل للظفر به . فيقنع فاوست بأن يزوده مفستوفيلس بأي شيء من أشيائها : المنديل الذي يغطي صدرها , أو رابطة الساق .

    فيعده مفستوفيلس باقتياده الى مخدعها , في الوقت الذي تكون هي فيه عند جارتها, وفي غرفتها يستطيع أن يستنشق الجو الذي تستروحه .

    لكننا نشاهد أولاً جرتشن وحدها في غرفتها وهي تضفر غدائرها , وتذكر

    ذلك السيد ذا الطلعة الجميلة الذي غازلها . ثم تخرج , ويدخل الغرفة مفستوفيلس وفاوست بهدوء . وبعد لحظة يتركه مفستوفيلس وحده في الغرفة , وينشئ في مناجاة جميلة وثناء عاطر على الغرفة وصاحبتها . ثم يعود مفستوفيلس حاملاً معه صندوقاً فيه حلي نفيسة , هدية لجرتشن .

    ثم يخرجان وتدخل جرتشن (مرجريت) وفي بدنها تسري قشعريرة وتشرع في خلع ملابسها وهي تغني وتفتح الصوان لتضع فيه ملابسها , واذا بها تشاهد الصندوق فيأخذها العجب من وجوده هنا . وتفتحه فتجد فيه نفائس الحلي التي لم تشاهد مثلها من قبل : سلسلة, وأقراط , وخواتم … الخ.

    فتلبسها وتتطلع الى المرآة فتتيه عجباً بما تضفيه عليها هذه الحلي من فتنة وجمال .

    لكن هذه الحلي الثمينة يبتلعها القسيس. لكن الأم , أمجرتشن, بتقواها الساذجة قد أخبرت القسيس بأنها وجدت صندوقاً من الحلي في صوانها , ولاتدري من أين جاء ومن جاء به وتخشى أن تكون /والاً حراماً تترتب عنها خطيئة . فيهتبل القسيس هذه الفرصة ,

    فيطلب فاوست من مفستوفيلس أن يعوض الفتاة عما التهمه القسيس ويأتيها بحلي أخرى . ويسخر مفستوفيلس من هذا العاشق الولهان الذي يريد الحصول على الشمس والقمر والنجوم لتتلهى بها حبيبته .

    يدخل مفستوفيلس ليتخذ من مارتا وسيلة للوصول الى جارتها جرتشن

    ويبدو أن هذه قد أخبرتها بخبر صندوق الحلي الأول , وها هي ذي قد جاءت لتخبرها بنبأ عثورها في صوان ملابسها على صندوق آخر بعد ذلك الذي ابتلعه القسيس والكنيسة . فتنصحها مارتا بعدم اخبار أمها بهذا الخبر , وبأن تودع عندها هي هذا الصندوق الجديد وتأتي بين الحين والحين لكي تستمتع بلبس الحلي ,

    يدخل مفستوفيلس ليخبرها بخبر وفاة زوجها مثقلاً بالديون, مخطئاً في حق زوجته وقائلاً أنها كانت أكثر منه أخطاء فتغضب مارتا . لكن مفستوفيلس يستمر في روايته الشائقة فيزعم أن زوجها جمع مالاً, لكنه أضاعه في حب فتاة من نابلي .

    فوقع في الفقر والشقاء. فتثور مارتا على زوجها مرة أخرى. وينصحها مفستوفيلس بأن تلبس الحداد على زوجها الميت لمدة عام, بعده تحاول الحصول على صديق . لكن مارتا تريد وثيقة رسمية بوفاة زوجها. فيتخلص مفستوفيلس من هذه المشكلة بأن يقول أن شاهدين اثنين يكفيان, وسآتي برفيق ممتاز وأمثل معه أمام القاضي للادلاء بالشهادة على وفاة الزوج. ويلتمس من جرتشن أن تكون حاضرة في الموعد والمكان المحددين للقاء, أعني في حديقة مارتا الواقعة خلف منزلها .

    وفي الشارع ينبئ مفستوفيلس فاوست بما دبر للقاء بين فاوست ومرجريت (جرتشن ) في حديقة مارتاجهة نظره المتحررة – فاوست بذراعه مرجريت,

    ومارتا مع مفستوفيلس يتريضون طولاً وعرضاً في الحديقة الواقعة خلف بيت مارتا.

    يثني فاوست على تواضعها وبساطتها وبراءتها العالية, فتزداد هي خجلاً,

    وتتحدث عن بيتها البسيط وأعمالها المنزلية المستمرة ويتواصل الغزل بين الاشقين الجديدين مرة أخرى في كوخ حديقة مارتا تتوثق معه العلاقة الجديدة بحيث لم يعد بعد هناك حاجة الى وساطة مارتا وتشعر مرجريت بضآلة نفسها أمام هذا الرجل الذي يحفل رأسه بهذا القدر من العلم.

    ( بدأنا مع فاوست وهو مبتعد فكرياً عن العالم التقليدي الذي نشأ فيه, ولكنه أسير لهذا العالم على الصعيد المادي. وبعد ذلك, عبر وساطة مفيستو وأمواله صار قادراً على أن يصبح, من الناحيتين المادية والروحية, حراً. انه الأن يتحرر تحرراً واضحاً من ” العالم الصغير” ؛

    يستطيع أن يود اليه كزائر غريب, يستطيع أن يستعرضه ككل من وجهة نظره المتحررة –فيقع- وياللمفارقة ! في حبه. تصعقه جرتشن- تلك الفتاة الصغيرة التي تصبح صاحبة فاوست الأولى أولاً, عشيقته الأولى بعد ذلك, وضحيته الأولى آخر الأمر- بوصفها رمزاً لكل ما هو جميل ورائع في العالم الذي هجره ففقده قبل كل شيء. يغدو فاوست أسيراً لسحر براءتها الطفولية, لبساطتها النابعة من انتمائها الى بلدة صغيرة,

    لتواضعها المسيحي . غير أن أنشودة فاوست الافضحة الاباحية القائمة على اشباع الغريزة الجنسية عن طريق النظر الى عملية ممارسة الجنس أو تخيلها هي أنشودة غير مريحة بل ولا تطاق بالنسبة لنا لأننا نعلم- وان كان هو نفسه لا يستطيع أن يعرف من الآن- أن ولعه بغرفتها بالذات هو جزء من مؤامرة ضد تلك الغرفة, هو الخطوة الأولى من سيرورة محكومة بأن تدميرها؛ لايكون التدمير بسبب أي سوء نية لدى فاوست : كل ما في الأمر هو أن فاوست لن يتمكن من كسب حبها أو من التعبير عن حبه هو الا عبر سحق مملكتها الآمنة الهادئة والمسالمة. ومن جهة أخرى, ما كان فاوست ليستطيع أن يقلب عالمها رأساً على عقب لو كانت هي مستقرة حيث هي باطمئنان كما يظن. سوف نرى أن غريشن هنا قلقة مثلها مثل فاوست في مكتبه, وان كانت تفتقر الى المفردات اللازمة للتعبير عن سخطها واستيائها الى أن يأتي هو ليلتقي بها. لو كان هذا القلق الداخلي غائباً لاستعصت غريشن على فاوست؛ لما استطاع الأخير أن يقدم لها شيئاً. ما كانت قصة حبهما المأساوية لتتطور لو لم يكونا روحين قريبتين احداهما من الأخرى منذ البداية. ) (81)

    ان فاوست بعد حياة قامت على الانطواء الذاتي متزايد الضيق يجد نفسه فجأة وقد أصبح مهتماً بالناس الآخرين حساساً ازاء ما يشعرون به و ما يحتاجون إليه مستعداً ليس فقط للجنس بل و للحب أيضاً . يقول كيركجارد : (( تكتسب العاطفة أهمية بالنسبة إليه بعد أن يترك حياته السابقة لكن إدراكه لهذه الخسارة لايزول بل يستمر في الوجود و لهذا السبب لا يبحث في العاطفة عن السعادة بل عن السلوان و لأن روحه تظل في اضطراب دائم يلوذ بالحب ليس إيماناً به بل لأنه فيه عنصراً واقعياً للزمن يمكنه من اقتناص لحظة هدوء وراحة تبثه النشاط فيتحول انتباهه عن حقارة الشك ))\ 82 \ .

    فاوست يفتقد كغاو للنساء الى العاطفة الملتهبة لدونجوان. ينتصر فاوست بالكلام, أو, بالكذب((يفتقر فاوست إلى الإغواء… انه يأسر قلب مارغريتا بتفوقه وهي بالمقابل لا تعرف ما الذي وجده فاوست فيها لتستحق حبه ويؤكد كيركجورد أن فاوست لن يحب غير هذه الفتاة وليس تلك المرأة التي تقترب من مستواه الثقافي فهو بحاجة الى البراءة والهدوء وهو يعشق مارغريتا جسدياً لا روحياً )) /83/

    وهذا يتناقض مع ما جاء في كتاب أسطورة فاوست حيث (( أن فاوست سرعان ما ينشد فيه ما هو أكثر من ” متعة ” Genuss انه يبحث فيه عن مطلق الشعور بل عن الشعور بما هو سماوي : ” الشعور هو كل شيء” بينما كان في أول الأمر ننساقاً بشهوة الجنس تظهر بوضوح أكثر عند فاوست وذلك في مناسبتين حاسمتين :

    1. عندما كان في غرفة هذه الفتاة خالجه شعور داخلي بأنها تختلف تماماً عن شيء يشتهيه
    2. ان مفيستو تمكن من اقناعه بسهولة بوجوب الاستسلام الى شهوة الجنس بالرغم من ادراكه بأنه يدفع هكذا مرغريت الى الشقاء))

    /84/ ثم ان ((حب فاوست لغريتشن ليس منذ البداية تلك العلاقة السامية والحاسمة التي يتحول اليها في مجرى الحركة بل ان فاوست يقطع كافة المراحل الأساسية للحب الفري من اللذة الحسية الاعتيادية بما يرافقها من ظواهر كلبية ولا انسانية الى حب عنيف صادق ومأساوي روحي وجسدي )) /85/

    ان براءة غريتشن وطهرها الكامل ينتميان الى عالم العصور الوسطى فهي تعكس روح الفترة التي يعيش فيها فاوست عالم طفولته .

    ان غريتشن (( لاتتأثر بحلوليته بل الصورة الجميلة والثياب الرائعة التي خلعها سحر مفيستوفوليس على سبابه المجدد ))/86/

    ان فاوست (( سيهتدي الى طريقة مناسبة لمواجهة هذا العالم بأسلوب فعال للتفاعل معه وفي الوقت نفسه سيقوم بايقاظ غريتشن وتنبهها الى أساليب في العمل والتفاعل تخصها هي وحدها بصورة مميزة ستقوم قصة حبهما باسباغ الصفة الدرامية على التلأثير المأساوي … لجملة الرغبات والحساسيات الحديثة على العالم التقليدي )) /87/

    أما مفستوفيلس فهو (( يشجع فاوست على ” الثقة بالنفس ” وما ان يتعلم فاوست كيف يثق بنفسه حتى يغمره طوفان من السحر والاعتداد يكفي جنباً الى جنب مع تألقه وطاقته المتأصلتين لجعل أقدام النساء تزل بسهولة )) /88/

    ( ان مفيستو لايملك أي سلطان على غريتشن وهو يقول : ” لاسلطان لي عليها ! ” وهو لايستطيع أن يجد طريقه اليها الا باعطائها الهدايا باثارة فضولها وغرورها وتحريك كافة الغرائز الشريرة الكامنة فيها ان قوته تتمثل في معونته الجاهزة لتحويل كافة الامكانيات الشريرة كافة الميول الكامنة نحو الشر الى واقع فعلي وان سحره يتمثل في سيطرته اللامحدودة على كافة الوسائل الخارجية المفيدة لتلك الغاية والتي بواسطتها يتغلب بمنتهى السهولة على كافة المقاومات النفسية غيرالعميقة الجزور )/89/

     

     

     

    بــ – فاوســــــــــــت و الطبيعـــــــــــــة

    ( غابة وكهف, ايمان فاوست )

     

    بعد أن يساعده مفستوفيلس على التعرف بمرغريت عن طريق جارتها ثم يهجر فاوست الجميع ويعود الى طبيعته الروحية الأصلية , طبيعة العالم المتألم الطامح الى اكتشاف أسرار الكون , يعود الى الخلوة في حضن الطبيعة الكلية يناجي الروح السامية التي وهبته كل ما تمناه, حتى أنها أعطته هذا الرفيق البارد الوقح” مفستوفيلس ” الذي يقطع عليه تأملاته فيوبخه فاوست فيذكر مفستوفيلس بأن حبيبته تنتظره في بيتها كئيبة وحزينة, ويطلب منه أن يذهب لمواساتها بدلاً من التفكير في الفناء.

    في هذا المشهد نرى اوست في خشية من أن يتحول حبه لمرجريت الى شهوة جسدية محضة لهذا ابتعد وخلا بنفسه هنا في الطبيعة ليرد الى وجدانه سموه وروحانيته . انه يناجي روح الأرض التي ظهرت له في المشهد الأول , هي التي أودعت في صدره حب الطبيعة الكلية . لقد أصبح يعرف أخوته من البشر ويفهم ما في الهواء والماء ويدرك تألق البرق وصخب الرعد . وفي المقابل يعكر عليه صفوة هذه اللحظات مفستوفيلس الذي يريد جره الى الدرك الأفل من الشهوات.

    وفي مقابل مناجاة فاوست لنفسه وهو في الغابة والكهف , نجد مناجاة جرتشن ( مرجريت ) لنفسها وهي أمام عجلة الغزل . تشتاق فيها الى حبيبها الذي هجرها.

    طارت من قلبها الطمأنينة وسرى فيه الحزن والضيق , لان صدرها يدفعها اليه , وبودها أن تمسك به , وأن تشبعه لثماً وعناقاً !

    ويعود المحبان الى اللقاء من جديد في حديقة مارتا . ويدور الحوار بين كليهما حول الدين والايمان ووجود الله . ذلك أن مرجريت بسيطة الايمان وقد لاحظت أن فاوست لايبدي أي اكتراث للدين فلا تحتمل ذلك لأنها تريد لحبيبها النجاة . والايمان عندها طقوس وشعائر يجب أن يؤديها المؤمن .

     

     

    فها هي ذي تسأله :

  • هل تؤمن بالله
  • في وسعك أن تسألي القسيس أو الحكماء وسيبدو لك جوابهم مجرد استهزاء بالسائل
  • اذن أنت لا تؤمن
  • لا تسيئي فهم كلامي أيها الوجه اللطيف فمن ذا الذي يحق له أن يسميه أو أن يقرّ قائلاً : أنا أؤمن به ؟ ومن عنده شعور ثم يتجاسر أن يقول : أنا لا أؤمن به .

ثم يربط فاوست كل أعضاء العالم حتى أصغر الكائنات بعضها ببعض في وحدة كلية . ويطلب منها أن تملأ قلبها بهذا الشعور بوحدة الكل ولها بعد ذلك أن قسميها : السعادة, القلب, الحب, الله. كلها أسماء مترافدة . ولهذا يصرح فاوست بأنه لايسميه باسم لأن الشعور هو كل شيء .

تسمع مارجريت هذه العبارات لكنها تشك في ايمان حبيبها بالمسيحية لأنها ترى فاوست بصحبة هذا الشخص الغريب مفستوفيلس.

وتريد أن ترحل فيتمنى عليها فاوست أن تدعه يستريح ساعة على صدرها فتقول : ياليتها كانت تنام وحدها، لكانت تركت الباب غير مغلق بالمزلاج. لكن أمها خفيفة النوم, هنا يحتال فاوست عليها ويقدم لها زجاجة فيها شراب منوم يخدر حواس أمها. وتخشى مرجريت أن يضر الشراب بأمها, فيطمئنها فاوست. فتقول : (( لقد فعلت الكثير من أجلك ,

حتى لايكاد يوجد شيء لم أفعله بعد )) .

وتخرج, ويدخل مفستوفيلس وراح يسخر منها ومن فاوست, لكنه مسرور بسقوط كليهما في الخطيئة.

في مشهد غابة وكهف يقول عبد الرحمن بدوي : أن لاصلة له بما قبله أي (( أنه لاصلة بينه وبين مأساة مرجريت )) /90/

ولكن رداً على هذا القول نشير الى أن هذا المشهد هو تمهيد لمشهد ايمان فاوست حيث يوضح فاوست لمرجريت رأيه في الله /الكون/ , ثم ان هذا المشهد يوضح علاقته مع روح الأرض التي رفضته في المشهد الذي استحضرها فيه . ويفسر لنا كيف تعامل مع مجتمع مسيحي مؤمن بالله مقابل ما يؤمن هو به حيث المقابلة التي تستدعي محاربة جانب للآخر.

ثم ان غوته هنا يصور لنا صعوبة التدمير المباشر والسريع لأنه من الصعب أن يتم التدمير من دون حالات تردد ومناجاة وخوف من نتائج التدمير… هكذا كان فاوست حين لجأ الى الكهف ليناجي روح الطبيعة. ثم أنه يعتبر احماءً لمشهد ايمان فاوست حيث نجد الهاوية بين ايمانه وايمان مرجريت

(( ان شدة الصراع بين فاوست ومفيستو تزداد طبقاً لاشتداد علاقة الحب وتطورها الأعلى ولهذا السبب وصفنا هذا المشهد ” الغابة والكهف ” بنقطة التحول في حب فاوست لغريتشن

ان فاوست يهرب من هذا الحب الى الوحدة ان الحماس الى الحب وتأمل الطبيعة يعطيانه ذلك الحافز الروحي والعاطفي الذي يمكنه عاطفياً من تجاوز المأساة التي حلت بـ ( روح الأرض ) وفي الوقت نفسه يلتهب حبه الطاهر والنبيل لغريتشن انه يهرب من غريتشن لكي يصونها وينقذها الا أنه في الوقت نفسه يلتهب شوقاً اليها واذا كان مفيستو يعري الآن بشكل ساخر كل الحوافز بوصفها خداعاً للذات واذا كان لايرى الا الواجهة الحسية الضارية لشوق فاوست فانه يضع يده ان لم يكن على الجوهر الأكثر عمقاً فعلى الأقل على احدى المشاكل المحورية في صراع فاوست الداخلي )) /91/

حسب اللوثرية الجنس هو ممارسة تعد حراماً وبما أن الجنس تابع للطبيعة فان الطبيعة هي شيطان ومن هنا يظهر التناقض بين فاوست وغريتشن في الايمان .

ان غوته قد جسد في فاوست , كما في غريتشن , ليس فقط عاطفة الحب نفسها, بل كذلك كافة مراحل تطورها من بداياتها العابثة ونصف الواعية, الى المأساة الأكثر عمقاً . ان كافة الاتجاهات الكبرى للتطور متركزة في شخص فاوست وعندما يقترب من غريتشن , بعد تحوله نحو الحياة, فانه ينوء بالعبء المحزن لمأساة المعرفة المباشرة التي لم يكد يتخطاها, ولميثاقه مع الشيطان .

وفي ذروة نشوته مع غريتشن, وافتتانه بسحر شخصها وقربها , يعتمل في ذاته الوحي الذي لايقهر : أن يذهب أبعد, وأعلى !

ان فاوست يعلم , حتى وان كان لم يرغب في الاقرار بذلك أمام نفسه

بأنه لايستطيع البقاء طويلاً في (( العالم الصغير )) لغريتشن.

الا أن ما يحفزه الى الخروج من هذا العالم لايجمعه جامع بالأهداف الاجتماعيةالخارجية فان المسالة بالنسبة له هي رغبة لاتهدأ في الكمال .

يقول فاوست : (( أية سرور سماوي أشعر به بين ذراعيها !

دعني أستدفئ في صدرها !

أولا أشعر دائماً بمحبتها ؟

ألست هارباً وبغير مأوى

ألست لا انسان دونما هدف

يهدر كالسيل من صخر الى صخر

مزمجراً نازعاً الى السقوط في الهاوية

بينما هي محبوسة في عالمها الصغير …

فليتهدم مصيرها على أم رأسي

وليقضى علينا ماً )) /92/

ان كون فاوست مدركاً تماماً لمصيره لايخفف شيئاً , ان ادراكه ليس الا وعياً ذاتياً للطابع غير الممكن الحل للوضع . فان نظرة فاوست العالمية عاجزة عن تقديم جواب عن سخرية مفيستوفليس

أما مرجريت فان (( كافة السقطات ونقاط الضعف الروحية والأخلاقية لفتاة من الطبقة المتوسطة السفلى قائمة لديها. الا أن مشاعرها , في الوقت نفسه , مطلقة وسليمة, واخلاصها غير مشروط , وهي تمتلك الشجاعة, والايثار, ووضوح المشاعر بالنسبة للأشخاص وحتى الأفكار. )) /93/

ننتقل الى مشهد ايمان فاوست :

انه يرى في الطبيعة أن كل شيء موجود من أجل الآخر, الواحد من أجل الكل , والكل من أجل الواحد, ولهذا كانت تصورات غوته عن الطبيعة والفن والمجتمع أنها تندمج في وحدة, وهذا الاندماج يؤدي الى تركيب كلي . يقول غوته : (( الطبيعة كلها لحن ينطوي على تناغم وانسجام فجوهر الطبيعة هو التناغم والتوافق أي شيء هو التناغم الا أن يكون القواعد وأي شيء هو اللحن الا أن يكون الممارسة )) /94/

ان فاوست يسعى ويجتهد ليعرف أسرار الطبيعة , ان الطبيعة والانسان منظمان على نحو متشابه ومتناسبان بحيث (( يعكس الروح بصفة مرآة خلاّقة صورة الكون فالكون ” واحد متناسق ” والانسان أيضاً ” واحد متناسق” ))/95/

انه يؤمن بالحلولية , ( أي أنه يرى الهاً واحداً يحلّ في كل شيء ) /96/

ان غوته يرى في الطبيعة (( قدرة على الخلق لامتنهية وقوة للتحويل والتصوير غير محدودة وهي قوة واحدة تسري في جميع الكون وشعور ممتلئ بالاعجاب بهذه القوة وتلك القدرة فهما في نظره ” الله ” )) /97/ فالطبيعة هي الثوب الذي يتجلى فيه الخلق هي الثوب الحي الذي يرضى مشاعر الرومنتيكي وحماسه فليبحث فاوست عن خلاصه هناك رأى غوته وبالتالي فاوست في الطبيعة فكراً وارادة ولكنه فكر يختلف تماماً عن فكرنا, وارادة محايدة لاتميز بين الانسان والحيوان . (( فليس للطبيعة مشاعر أخلاقية بالمعنى الذي نقصده من التزام الجزء بالتعاون مع الكل لأنها هي ” الكل ” وفي قصته ” الالهي” 1782 وصف غوته الطبيعة بأنها بغير شعور ولارحمة فهي تدمر كما تعمر باشراف (( كل مثلكم العليا لن تمنعني (جوته) من أن أكون أصيلاً صالحاً وطالحاً كالطبيعة )) /98/

في هذا المشهد أيضاً يعطي فاوست غريتشن المنوّم وبالرغم من عمق حب فاوست وشفقته فان مفستوفيلس مصيب عندما يكتفي بمجرد الاشارة الى نتائج المضاجعة واغتباطه بها انه لايستطيع الوصول الى جوهر غريتشن, كما أنه لايفهم جوهر صراعات فاوست الباطنية الا أن مسار هذه المأساة يعتمد على آرائه .

ان مأساة غريتشن تبدأ (( من هذا الطابع المستقيم والضيق لحبها والخالي من الريبة والتأمل , بنفس الضرورة التي تبدأ بها مأساة فاوست من واقع كونه ممزقاً بين رغبته في الانغمار في عمله الحياتي, والسعادة الغامرة لحبه )) /99/

 

جـ – خطايا مارجريت الثلاث

( الينبوع – مصرع فالنتين – في الكاتدرائية – ليلة فالبورج )

عند الينبوع تسمع مارجريت من صديقتها قصة فتاة حملت من عاشقها الذي هجرها فتعود الى منزلها كئيبة لأن قصتها تشابه قصة هذه الفتاة فها هي قد حملت من فاوست . نجدها تقف أمام صورة ” الأم الحزينة ” , أي السيدة مريم وتستحلفها أن تنقذها من العار والموت وأن تحنو على محنتها . انها الى الآن قد ارتكبت الخطيئة الثانية لأن الأولى هي موت أمها بتأثير المنوم, أما الخطيئة الثالثة فكانت تابعة للخطيئتين السابقتين وهي مصرع فالنتين الذي كان حين يشيد باخته بين رفاقه الجنود كانت الألسن كلها تخرس . أما الآن, وقد انتشرت فضيحة اخته حتى صارت مضغة في كل الأفواه , فانه لايشعر حين ذكر اسمها الا بالعار والفضيحة . ها هو ذا واقف أمام باب منزله واذا بفاوست ومفستوفيلس يقتربان من المنزل فاوست يأسى على أنه يذهب الى محبوبته هذه المرة وليس معه حلي, فيعزيه مفستوفيلس ساخراً قائلاً انه لاينبغي له أن يحزن لذلك لأنه سيتمتع بدون مقابل ,

وهنا يتقدم فالنتين نحوهما مزمجراً مهدداً . يرتعد فاوست لهذا الموقف, فيشجعه مفستوفيلس. ويتولى هذا ملاقاة هجمات فالنتين

وما يلبث هذا أن يشعر بتجمد يديه. ويشارك فاوست فيصرع فالنتين . فيطلب مفستوفيلس من فاوست أن يهربا بسرعة وتخرج مارجريت من منزلها لتشاهد ما جري فترى أخاها على الأرض في سكرات الموت . وها هو ذا يدعو الحاضرين لسماع كلماته الأخيرة التي يوجهها الى أخته, اذ يقول لها : أنت الآن مومس , فكوني مومساً تامة. بدأت مع واحد سراً. وعما قليل سيتوالى عليك كثيرون, حتى اذا ما بلغوا اثني عشر فستكونين حينئذ مملوكة للمدينة كلها . واني لأتخيل الوقت الذي فيه يشيح الشرفاء جانباً حين يبصرونك كما لو كنت جيفة عفنة تصيب بالطاعون. لايحق لك بعد الآن أن تلبسي سلسلة من الذهب, ولا أن تقفي الى جوار المذبح في الكنيسة , ولا أن تستمتعي بالرقص لابسة بنيقة جميلة من الدنتلة . بل عليك أن تختبئي في ركن مظلم يائس, بين المتسولين وذوي العاهات . وحتى لو غفر الله لك, فستبقين دائماً ملعونة على الأرض.

وهكذا ينتصر الشيطان مرتين : مرة على فالنتين , ومرة على فاوست لأن هذا الأخير قد صار بفعله هذا مهدر الدم , لانجاة له الا بالهروب من البلاد.

وعلى هذا النحو قطعت العلاقة بين فاوست وجريشن الى الأبد ,

ها هي الآن في الكاتدرائية تحضر صلاة جنازة على روح ميت .

أي ميت؟ يفترض البعض أنه أمها .

يهمس في قلبها الروح الشريرة قائلاً أن الخطيئة والعار لايمكن أن يخفيا. فويل لها! . وأن البربرة قد أشاحوا بوجوههم عنها.

يغمى على مارجريت فتسقط على الأرض . الروح الخبيثة هي ضمير مارجريت وهو يؤنبها بشدة ما أبشع خطاياها! لقد تسببت في موت أمها وقتل أخيها دفاعاً عن شرف الأسرة فضلاً عما في أحشائها من جنين هو مولود الخطيئة .

يطير فاوست ليلاً الى جبال هارتز بصحبة مفيستو للمشاركة في احتفالات عيد فالبورج الذي هو عيد ساحرات يتسم بطقوس العربدة. وهناك يستمتع فاوست بنساء أكثر خبرة وأقل حياء, وبأحاديث غريبة ومثيرة تشكل أسفاراً ورحلات بحد ذاتها.

ان هذا

( نسمع أخاها فالنتاين ذلك الجندي العابث الدنيء وهو يتحدث عن أنه في ما مضى كان يقدسها, ويفاخر بفضائلها في الحانات والبارات , غير أن أي وغد بات الآن قادراً على أن يسخر به وبالتالي فانه صار يكرهها من أعماق قلبه. انها لم تكن, على الدوام, الا اضافة ملحقة بمكانته وغروره, لم تكن قط شخصية مستقلة لها حقوق كاملة- تلك هي الروابط العائلية في (( العالم الصغير )) ( ان مفيستو هو الطرف المذنب هنا ولكن غريشن والذين يحاكمونها لايعرفون الحقيقة ) . ثم تنجب غريشن طفلا

ً- انه ابن فاوست – فتتعالى الصيحات المطالبة بالانتقام والثأر.

ان أبناء البلدة الفرحين لعثورهم على كبش فداء يحملونه مسؤولية نذالاتهم وسفالاتهم هم, يتلهفون بشبق لموتها. في عالم مازال اقطاعياً حيث تكون لا المكانة الاجتماعية فقط بل وحتى النجاة والاستمرار في الحياة أمراً متوقفاً على حماية آخرين أقوى من الضحية, من الفرد كائناً من يكون.

استطاع فاوست أن يأخذ ما هو بحاجة اليه من غريتشن لتطوره الخاص وأن يترك ماعدا ذلك . أما غريشن فبالغة الجدية والأمانة مما يمنعها من أن تكون انتقائية بهذه الطريقة . لا يقدم لها عالمها شيئاً سوى العذاب والرعب: فالأجراس التي سبق لها أن أنقذت حياة حبيبها تدق الآن ناقوس موتها. انها تحس بها في أعماقها,) /100/

 

د – نهاية المأساة

( يوم كئيب- ليل وحقل فسيح- السجن )

 

بعد ليلة فالبورج نرى فاوست ومفستوفيلس . وفاوست يشكو مما حدث لمرجريت. لقد ألقي بها في قعر السجن فيغضب فاوست على مفستوفيلس بسبب ما سببه من آلام لمرجريت فيقول له مفستوفيلس : أنها ليست الأولى , فينهره فاوست ومن ثم يطلب منه انقاذها فيقدم مفستوفيلس اقتراحاً لانقاذ مرجريت وهي أن يتولى تخدير حارس السجن وبعدها يدخل فاوست لانقاذها. وبالفعل ينفّذ مفستوفيلس وفاوست خطتهما. وها هما الآن في ريف فسيح قادمين على فرسين أسودين مسحورين. ثم يأتي مشهد السجن حيث نجد فاوست أمام باب السجن ومعه حزمة من المفاتيح ومصباح وهو يشعر بالقشعريرة لأن المسؤلية الهائلة التي يتحملها عما أصابها من مآسي تهز كيانه فصار يخشى أن يراها من جديد. لكنه يتشجع ويفتح الباب ويدخل فاوست عليها. فتختبئ في فراشها, لأنها تصورت أن السجان قد جاء يأخذها لتنفيذ حكم الاعدام, فيقول لها فاوست انه جاء ليخلصها من السجن . لكنها لاتعي من قوله شيئاً وتتصور أنه السجان, وترثي حال شبابها الذي يجب أن يقضى عليه. لقد كانت جميلة , وهذا سبب هلاكها.

ثم ينتابها الهذيان فتضرع الى هذا القادم أن يدعها حتى ترضع طفلها أولاً, طفلها الذي احتضنته بقلبها طوال تلك الليلة. لقد أخذوه منها, وهم يقولون الآن أنها قتلته, ويرتمي فاوست عند ركبتيها , ويقول أنه جاء ليفك قيودها. فتلقى مرجريت بنفسها بالقرب منه, ويحثها فاوست على الاسراع للنجاة, لكنها في حالة من النشوة الجنونية التي لا تبصر فيها ما ينبغي أن تفعل. وتستحلفه أن يقبلها ويعانقها , لكنه حريص على تنفيذ خطة النجاة, لايريد أن يضيع الفرصة في هذه الغراميات. فتدهش هي من سلوكه هذا وتذكره بالجرائم الثلاث التي تمت فيناشدها فاوست أن تنسى الماضي . ويطلب منها الذهاب معه فترفض وتقول له :

(( ما فائدة الهرب فأنا مطاردة في كل مكان )) وتطلب منه الإسراع لإنقاذ ابنها الذي أغرقته في بركة في الغابة . ويظهر بعد ذلك مفستوفيلس لينبههم بأن الصبح قد بدأ بالبزوغ وما تكاد مارجريت أن تراه حتى يزداد فزعها. وتتضرع مرجريت الى الله : أنا ملك يديك يا أبانا! أنقذني أغيثوني, أيها الملائكة !

ويصيح مفستوفيلس : لقد أدينت .

فيتردد صوت من أعلى : إنها نجيت .

ويدعو مفستوفيلس فاوست إلى القدوم إليه, ويختفيان كلاهما ,

ونسمع صوت مرجريت, التي لا يزال قلبها عامراً بحب فاوست .

وعلى هذا النداء ينتهي (( فاوست )) الأول .

إن مفستوفيلس قد أرى فاوست((العالم الصغير)) في (( فاوست ))

الأول , وها هو ذا الآن يريه (( العالم الكبير )) في(( فاوست )) الثاني .

وان مرجريت( غريتشن ) تدرك عمق خطيئتها , وتريد أن تكفّر عنها , وتسلم نفسها لعدالة الله . إنها تعي تماماً أنها تستحق الموت, لهذا صممت على ألا تفلت من تنفيذ حكم الإعدام .

لكنها وهي المؤمنة المستقيمة الإيمان تطمع في رحمة الله ,

فتتضرع إليه أن ينجيها, وتتشفع إلى ملائكة عند الله كي تنجو .

لأنه لا أمل لها في النجاة من الموت .

 


 

About these ads

2 Responses to “مسرحية فاوست لـ: غوته”


  1. 1 مراد
    2013/04/22 الساعة 10:33 م

    بصراحة موضوع رائع اشبع تفصيلا .اتمنى ان يظاف موضوع عن الدراسات النقدية لفاوست غوته.


كتابة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d مدونون معجبون بهذه: