دراسات نقدية- مقالات صحفية- قصص قصيرة- مسرحيات

_26784436-8edd-11e7-b1bc-83ce932a2009

للوهلة الأولى يظن المتابع للموسم الثالث من مسلسل ناركوس أنه فقَدَ بريقه الدرامي بعد غياب بابلو اسكوبار (تمثيل واغنر مويرا)، لكن الحكاية الجديدة تثبت العكس تماماً وتقدم أحداثاً لا تقل قوة وجاذبية عمّا تم طرحه في الموسمين السابقين.

يلعب الممثل الأمريكي ذو الأصول التشيلية ( بيدرو باسكال ) دور البطولة المطلقة في هذا الموسم في دور العميل (خافيير بينيا) ويشاركه الممثل السويدي (ماتياس فاريلا) البطولة في دور المسؤول الأمني عن تنظيم كالي (خورخي سالسادو).

لم يتوقف دخول الكوكايين إلى أمريكا بعد موت بابلو اسكوبار، بل صارت تستقبل ما يقارب الثلاثين طنّاً كل شهر. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن قطع رأس الأفعى لا يعني بالضرورة القضاء عليها. فموت اسكوبار فسح المجال لغيره من العصابات كي تثبت وجودها، وكان أهمها وأخطرها تنظيم كالي (تبعاً لمدينة كالي في كولومبيا). وكأن بابلو اسكوبار لم يمت، أو وُلِدَ من جديد بأسماء أخرى.

هذا التنظيم الذي قدم معلومات قيمة في الوصول إلى اسكوبار وقتله هو نفسه الذي فرض سيطرته على سوق الكوكايين، لكنه انتهج أسلوباً مغايراً واعتمد البقاء في الخفاء والعمل تحت ستار الشركات التجارية وحقق بذلك أرباحاً هائلة. باختصار حاول تنظيم كالي الاستفادة من أخطاء اسكوبار وعدم تكرارها، فقد ابتعد نهائياً عن العنف والدم، ولم يظهر على العلن، وحاول شراء دولة كولومبيا بما فيها من شرطة ووزراء وأعضاء برلمان، حتى أنه كان وراء ترشيح الرئيس الكولومبي (أرنستو سامبير) الذي عاصر ولاية بيل كلينتون في الولايات المتحدة.

تبدأ حكاية التنظيم بإعلان الاستسلام خلال ستة أشهر وذلك بالتنسيق مع الحكومة الكولومبية ورعاية المخابرات الامريكية. ومن مبادرة السلام هذه تنشأ بذرة الحرب التي ستنهي عمل التنظيم دون أن تقضي عليه.

العميل خافيير لا يكترث لهذه المبادرة ويقرر نتيجة تسترهم واختفائهم أن يلاحق حركة أموالهم الغير شرعية كي يصل إلى مكان تمركزهم، وبالفعل يستطيع بمساعدة بعض رجال الشرطة الكولومبية الشرفاء القبض على (غيلبرتو رودريغيز) الرأس المدبر لتنظيم كالي.

دخول غيلبرتو للسجن هو الشرارة التي ولّدت كل الأحداث الدرامية اللاحقة، والتي أشعلت فتيل الفتنة بين مؤسسي التنظيم (ميغيل وباتشو وتشيبي). بدأ ميغيل (شقيق غيلبرتو) بالتصرف كما يشاء ليكون هو القائد، وبدأ زعماء الوادي الشمالي بالتحرك للقضاء على التنظيم وامتلاك سوق الكوكايين من بعده، وبدأ في الوقت نفسه تحرك خافيير للقبض على ميغيل الذي باء بالفشل مرتين ونجح في الثالثة.

بعد حبس ميغيل أعلن بقية الأعضاء الاستسلام وتم الاتفاق على بقاء أعمالهم الشرعية مستمرة شريطة دخولهم السجن لمدة ثلاث سنوات. في هذا الوقت يكتشف العميل خافيير أن الرئيس الكولومبي الحالي (عام 1995) قد وصل للحكم بتمويل التنظيم وهو من كان وراء فكرة الاستسلام كي يساعد الآباء الروحيين الأربع. وهنا تتكشف خيوط المؤامرة التي تبدأ من أصغر مهرب كوكايين وتنتهي برأس الدولة. والمثير لحيرة خافيير كان معرفة المخابرات الأمريكية لكل ما يجري في الخفاء.

على التوازي تظهر حكاية المسؤول الأمني (خورخي سالسادو) الذي صمم كل هذه الشبكة السرية التي تراقب الجميع لصالح التنظيم. تبدأ من الحلقة الأولى حيث يقرر أن يتقاعد ويتفرغ لعمل نظيف وشريف، لكن ميغيل يرفض، وخورخي يبقى في عمله بسبب خوفه. وبعد قتل شريكه يخشى على نفسه ويحاول مساعدة خافيير للقبض على ميغيل وأفراد عصابته، ويعيش هو وزوجته وابنتيه في رعب وقلق من انكشاف أمره. وهو يمثل شريحة الشرفاء المتورطين في مثل هذه الأعمال القذرة الذين لا يستطيعون الانفصال خوفاً على حياتهم وحياة ذويهم. وهذا ما يلخص خطورة التعامل مع تلك العصابات.

يعتبر هذا الموسم أقل دموية من الموسمين السابقين بحكم أن المادة الوثائقية لتنظيم كالي تفيد بأنه تجنّب أخطاء اسكوبار وتحاشى ارتكاب المجازر. هذا بالإضافة إلى خلق بعض الأحداث والشخصيات الغير حقيقية لأغراض درامية لم تحدث على أرض الواقع لكنها أغنت الحكاية وساعدت على شرح المقولة المراد إيصالها.

لكن للأسف.. كلما حققت العدالة انتصاراً على هؤلاء الأشرار تبعها يقين دامغ بأن هذا الانتصار كاذب، ومخادع. وما هو إلا مجرد صفقة جديدة. وهذا ما دفع صنّاع هذا المسلسل في الحلقة الأخيرة للتمهيد إلى موسم رابع جديد (أو تسوية جديدة) لكنها هذه المرة ستكون في المكسيك، لا في كولومبيا.

Advertisements

taboo-uk

 

لا شيء محظور في هذا المسلسل، أو محرّم. فيه صياغة أخرى للمفاهيم والمعتقدات المتعارف عليها، وفيه أيضاً معالجة عميقة لثنائية الطوطم والتابو (المقدّسات والمحرّمات). حكايته لا خطوط حمراء فيها، وبطله لا يصغي إلا لعقله الباطن. ونهايته هي بداية الدخول إلى العالم الجديد، حيث المستقبل والحرية.

تبدأ الحكاية بعودة البطل جايمس ديلايني (الممثل توم هاردي) إلى لندن عام 1814 بعد انتشار خبر موته منذ عشر سنوات مضت إثر غرق سفينة بريطانية تنقل مجموعة من العبيد. يفاجىء الجميع بعودته تلك، التي تزامنت مع موت أبيه وتسلمه ميراثاً ضخماً أهم ما فيه هو قطعة أرض تدعى نوتكا ساوند (أو فانكوفر حالياً: مدينة كندية تقع غرب ولاية كولومبيا البريطانية). ولهذه الأرض أهمية استراتيجية وسياسية تسعى إلى امتلاكها كل من المملكة البريطانية والولايات الأمريكية آنذاك، حيث تدور الحرب بينهما في السر رغم محادثات السلام في العلن. يُضاف إلى ذلك سعي شركة الهند الشرقية إلى امتلاك هذه الأرض لأهداف تجارية مربحة.

أول شيء فعله جايمس هو لقاء جثة والده وأخذ قطعتا النقد من على عينيه، ما يعني منعه من دفع أجرة نقله إلى العالم الآخر (تبعاً للمعتقد القديم). وفي فعلته تلك رد عنيف ضده رغم موته، وانتقام نكتشفه لاحقاً لأن والده كان السبب في موت والدته.

يبدأ المسلسل بكراهية الأب رغم تمسك جايمس بالميراث، وخاصة قطعة الأرض، ومواجهة ملك بريطانيا والأمير ريجنت (ولي العهد) وشركة الهند الشرقية، والتنسيق مع الأمريكيين بعدم بيعها إلا لهم. ومرد ذلك إلى الفترة التي أمضاها (بعد إنقاذه من الغرق) كعبد في أفريقيا، ثم سرقته للألماس من تاجر عبيد، والقيام بعدة أفعال مُخزية، ثم متابعته لأسباب موت والدته، التي كانت من السكان الأصليين لأمريكا. وتشبّع وجدانه ويقينه بأن والده كان السبب في موتها بعد إرسالها إلى مشفى المجانين بحجة أنها لم تستطع التعايش مع طقوس وعادات الارستقراطية البريطانية. ويضاف إلى حنقه هذا وحقده على فعلة أبيه تعلمه لطقوس (الشامانية) وأصولها، وهي ديانة بدائية تدّعي شفاء المرضى والتواصل الروحي مع الموتى والأحياء عن طريق جلسات خاصة لتحضير الأرواح.

تعلم (جايمس ديلايني) ما يريده لتحقيق غاياته الخاصة، فقد كان يتواصل مع روح والدته وروح أخته غير الشقيقة (زيلفا) التي كان على علاقة محرّمة معها في سن المراهقة. ورغم معرفته بزواجها لم يتراجع عن التواصل معها روحياً والسيطرة على تفكيرها وسلوكها الجاف مع زوجها. لقد عاش تحت وطأة عبء ثقيل سيطر على عقله وجسده، عبء فك ألغاز الماضي وتحقيق العدالة. فكانت بالنسبة له مهمة مقدسة عليه تنفيذها حتى لو اضطر إلى خرق المحظور، حتى أنه لم يرغب في تغير هدفه بعد اكتشافه أن أمه كانت تنوي قتله وهو رضيع، ما دفع والده إلى وضعها في مشفى المجانين. وأيضاً لم يرغب في التوقف عن تصنيع البارود وإرساله إلى أمريكا رغم المحظورات القانونية والشرعية. وغير ذلك من أفعال لا يُقدِمُ عليها إلا أشخاص مثله.

لا انتماء عند جايمس إلا لمعتقداته، فهو ضد كل شيء يقف أمام خطته رغم الصراع القاسي الذي يعيشه بينه وبين نفسه، ورغم الانتكاسات التي يعيشها. خاصة بعد اكتشافه عدة حقائق تدفعه إلى التراجع، لكنه لم يفعل، وبذلك يضطر إلى دفع ضريبة عناده أو خطئه التراجيدي الذي أعطى قوة للشخصية وبنيتها المعقدة داخل الأحداث وبين أطراف الصراع الحكائي. ويؤدي هذا الخطأ إلى انتصاره في نهاية الموسم رغم كل العقبات التي وقفت دون تقدمه.

تختلط وتتشابك في هذا المسلسل عدة خطوط درامية، بطريقة سلسة ومفهومة. ترتبط كلها بشكل أو بآخر مع شخصية البطل، فخط شركة الهند ومساعيها للسيطرة على أرض (نوتكا ساوند) وصراعها مع الملك ومع جايمس. وخط العلاقة المحرّمة مع أخته زيلفا. وخط انتاج البارود وشرعيته. وخط العوالم الروحية والطقوس الخاصة التي يعيشها البطل. وخط الصراع الأمريكي البريطاني الجيوسياسي. وأخيراً خط قضية العبيد وبداية التحرك من أجل تحررهم.

تعتبر هذه الدراما من الأنواع الصعبة، خاصةً في عملية الكتابة لما فيها من معايير مزدوجة ومعالجات درامية لمواضيع حساسة وشائكة. هذا بالإضافة إلى التصوير الأيقوني (إيكونوغرافي) لحقبة التاريخية عتيقة ومتخمة بالتناقضات. لكن الكاتب (ستيفن نايت) استطاع بحرفيته العالية تقديم حكاية جمعت كل هذه التفاصيل دون أن تقلل من مستوى المتعة والتشويق والإثارة.

 

 

 

 

90e434d1dbbaaa214ad8549c32b80df1

قبل أن أركن سيارتي في مكانها المعتاد لمحتُ طفلين يستندان إلى السيارة المركونة خلفي. صوتهما المرتفع أثار فضولي لمعرفة فحوى حوارهما. اقتربتُ ببطء شديد ثم أطفأت المحرك. ورحت أستمع لهما باهتمام بالغ..

الطفل الأول. ضخم البنية وذو شعر أشقر، أما الثاني فيبدو أصغر حجمًا، وذا ملامح أكثر رقة من الآخر. كلاهما يرتديان ثيابًا مدرسيةً، وحقيبة كل واحد منهما محمولة على كتفيه.

الطفل الأول كان ممتعضاً، يشجع الثاني ويحمّسه.

– ما بيصير تضلك خايف يا زلمة.. عيب عليك..!

الطفل الثاني يحاول تبرير أفعاله.

– ما بعرف.. بس وقت شوفها عم اتلبك.. ما بيطلع معي الحكي..

يعقّبُ الطفل الأشقر معنّفًا.

– لا تكون متل النسوان.. خليك زلمة.. إذا بتحبها عن جد لازم تخبرها بس تطلع من المدرسة..

الطفل الثاني يهز رأسه، ويرد بامتعاض منهيًا الحوار.

– طيب طيب.. أنا زلمة ونص.. بس وقت شوفها..!

يقاطعه الطفل الأشقر بحزم.

– خلصنا بقا رامي.. إذا إنت زلمة فرجيني هلق وقت بتمرق من جنبك شو بدك تعمل..!

رامي يأخذ نفسًا عميقًا ثم يعلّق على كلام الأشقر.

– بتعرف.. أنا الحق علي إني خبرتك.

يسود الصمت بينهما. رامي يزدرد لعابه ويستجمع قواه، أما الطفل الأشقر فقد أخرج من جيبه علكة وأعطاها لرامي.

– خود.

يرد رامي.

– ما بدي.

يسأل الأشقر.

– زعلت..؟

يرد رامي بحياد مبطّن.

– لأ..!

ينظر الأشقر إلى عيني رامي بثبات وكأنه يتفحص كذبه من صدقه، ثم يزيل غلاف النايلون عن العلكة، يضعها في فمه، ويباشر في علكها.

أنا ما زالت جالسًا خلف المقود، أراقبهما عبر مرآة السيارة. وبعد ثوان من الانتظار والصمت يصلني صوت الطفل الأشقر وهو ينظر نحو طفلة تخرج من باب المدرسة وتتجه نحوهما.

– ليكا طلعت.. أنا رح وقف على جنب واتركك لحالك.. فرجيني شو رح يطلع معك.

يرد رامي وهو يخفي ارتباكه وتردده.

– ماشي..!!

يبتعد الطفل الأشقر عدة خطوات وفمه لا يتوقف عن العَلك، بينما تقترب الطفلة من رامي فيستوقفها دون تردد، مستجمعًا كل شجاعته.

– كيفك جنى..

تقف جنى وتتحاشى النظر إليه من شدة خجلها، لكنها ترد.

– الحمدلله.. كيفك إنت..

يبتسم رامي ويرد.

– تمام..

الأشقر يراقب ويعلِكُ من مسافة ليست ببعيدة، وأنا أراقب عبر المرآة دون إثارة أيّ ضجيج.. تمر برهة من الصمت بين رامي وجنى. ثم يتشجع ويتكلم.

– جنى.. أنا كنت بدي قلك شي.. بس دايمن بقول لحالي بعدين..!

ترتبك جنى فهي لا تعرف ماذا يتوجب عليها أن تقول. تمشي خطوة ثم ترجع. ثم تعقّب.

– شو بدك تقول رامي..؟

يتحاشى النظر إليها من شدة خجله وارتباكه. وهي تفعل نفس الشيء. كلاهما يريدان أن ينتهي هذا اللقاء، وفي الوقت نفسه يريدان منه أن يستمر لساعات غير محددة. يسود صمت ثانٍ ويكسره رامي بعد قرار دفين بخوض المغامرة، ويعترف دون تمهيد..

– جنى.. أنا بحبك..!

تبتعد عنه جنى خطوة ثم ترجع. ويشعر رامي أنه ارتكب خطأ جسيمًا. جنى تعدّل الحقيبة التي على كتفيها، وتستجمع شجاعتها هي الأخرى، وتعترف..

– رامي.. أنا كمان بحبك.. بس..!

رامي يبتسم وتملأ وجدانه الغبطة، لكن الفضول يستثيره لمعرفة ما وراء كلمة: بس..! فيسأل.

– بس شو جنى..؟

الطفل الأشقر يراقب مثلي بصمت. أما جنى فتنظر إلى عيني رامي بثبات، ثم تتراجع، ثم تجيب..

– ما بعرف.. باي رامي..!

تمشي خطوتين فيسرع رامي ويمسك يدها بلطف، فتقف جنى ولا تنظر إلى وجهه. يسألها مجددًا..

– إذا ما بتعرفي.. ليش قلتي بس..؟

تستجمع شجاعتها وتجيب.

– بصراحة.. أنا ما بخبي شي عن ماما..!

– إي..

– ووقت خبرتها إني بحبك خانقتني..!

– ليش..؟

– قالتي إنو إنت من داريا.. وأنا لازم ما احكي معك ولا اقعد جنبك بالصف..!

يجمد رامي في مكانه وهو ينظر إلي وجه جنى، ولا يعرف ماذا عليه أن يقول. جنى تنظر إليه نظرة خاطفة وتسحب يدها بلطف.

– باي رامي..!

تمشي مبتعدة عنه بخطوات سريعة. وهو ينظر إليها بثبات وهي تبتعد. الطفل الأشقر ينتهز فرصة ذهابها ويسرع نحوه. يسأله بلهفة..

– شو..؟ مشي الحال..؟

يستمر رامي في جموده، ونظره لا يغيب عن جنى. يُجيب..

– ما بعرف..!

يعلّق الأشقر..

– شلون يعني..؟ قلي شو حكيتو..؟

رامي يتركه وحده ويمشي بعكس الاتجاه الذي مشت فيه جنى، فيصرخ الأشقر..

– رامي.. استنى يا زلمة..!! رامي..!

يلحق به مهرولًا، ورامي لا يكترث لندائه..!

 

أما أنا، فلم يبق غيري في الطريق، ولم أستطع الحراك من داخل السيارة. شعرت أن وزني ازداد فجأة. صرتُ ثقيلًا، وكأن الشلل أصاب أطرافي. أنظر إلى رامي والطفل الأشقر وهما يبتعدان. وأنظر إلى جنى عبر المرآة حيث تغيب عند أول المنعطف.

 

  • تشرين الثاني/نوفمبر- 2016

 

https://www.ultrasawt.com/%D8%B1%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D9%88%D8%AC%D9%86%D9%89/%D8%A8%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%B4%D8%AD%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA/%D9%86%D8%B5%D9%88%D8%B5/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9

https://www.al-itihad.com/sites/default/files/issues/793269_ithd_15-11-2017_p11.pdf

    حكاية ناقصة، لا تكتمل إلا بمعرفة تفاصيل ما جرى في الرابع من تموز. تتوقف كل التفسيرات عند ذلك التاريخ، وتتراكم أحداث المسلسل وحبكته بناءً عليه. ومنه يُخلقُ الفضول لمتابعة حلقات المسلسل الثمانية المعروضة حالياً على شبكة (نتفليكس).
هذا المسلسل من بطولة جيسيكا بيل في دور الأم (كورا تانيتي) وبيل بولمان في دور المحقق (هاري آمبروز). فكرة المسلسل مقتبسة من رواية تحمل نفس العنوان للروائية الألمانية المتخصصة بالكتابة عن الجرائم (بيترا هامسفار). طوّر القصة وأعدّها للتلفزيون الكاتب ديريك سيموندز. وهي من انتاج شبكة (USA).
ترتكب كورا جريمة قتل على الشاطئ، وعلى مرآى من الناس المتواجدة هناك، ومن بينهم ابنها ذو الأربع سنوات، وزوجها أيضاً. تطعن شاباً لا تعرفه، ومن دون سبب واضح ما يثير الاستغراب والتساؤل. ومنذ تلك اللحظة يطغى سؤال ( لماذا؟) على مجمل الأحداث. وكلما أجابت الحبكة عن سؤال ما خلقت في الوقت نفسه أسئلة أكثر إلحاحاً.
من داخل السجن تبدأ الإجابات عن أسباب ارتكاب كورا لجريمتها، فنكتشف أنها امرأة مضطربة، تعاني من عقدة الذنب الديني، إذ كانت تتلقى اللوم الدائم من أمها لأن أختها مصابة بسرطان الغدد اللمفاوية منذ ولادتها. عاشت كورا تحت رحمة عقاب الرب على ما جرى لأختها، من دون أي ذنب منها، بل فقط بسبب اعتقادات أمها وإصرارها على تحميل الذنب لابنتها البكر.
تفاقم هذا الاضطراب حتى جاء يوم الرابع من تموز عام 2012 حيث تختفي كورا لمدة طويلة، ثم تظهر من جديد، مصابة باضطراب ما بعد الصدمة، إذ تعود إليها الذكريات على شكل هلوسة.
تعتمد الحكاية بالكامل على ذاكرة البطلة المشوشة والمتقطعة، فكلما تذكرت تفصيلاً مهماً من ذلك اليوم نجد الحكاية تقدمت إلى الأمام، ثم توقفت عند عقبة أو تساؤل جديد.
بموازاة قصة كورا، تظهر قصة المحقق هاري، ذي الشخصية المازوشية، والباحث عن المتعة الجنسية من خلال العنف والألم. هذا ما يخلق صدامات مع زوجته التي لا تعلم بميوله المخفية، بينما يحاول جاهداً تثبيت علاقته معها ويسعى بكل جدية إلى إنهاء علاقته مع عشيقته، لكن دون جدوى، فكلما رآها خضع لسلطتها وتلذذ مجدداً بتعذيبها له وبنفس الوحشية والإذلال. ضياع المحقق هاري يشابه ضياع كورا وهذا ما دفعه للبحث عن خفايا ما جرى معها.
تفاصيل عدة تعطي لحبكة المسلسل نكهة خاصة وتخلق تشويقاً عالياً، فمثلاً الجريمة المدروسة بإتقان غير واعٍ، إذ تطعن كورا الشاب سبع طعنات، في أماكن محددة من جسده، تتناغم مع الموسيقى الصاخبة التي استفزتها للهجوم عليه. تتكرر الحالة نفسها على جسد المحقق حين استفزّها بتشغيل الموسيقى ذاتها، فتلقى منها سبع ضربات في نفس الأماكن التي طعنت بها ضحيتها.
في مجمل حلقات (المذنبة)، وتحديداً في الحلقة الأولى، تسود حالة من العبث العام، أقرب إلى عبث الفيلسوف والكاتب (ألبير كامو)، إذ تشبه بداية المسلسل مشهد ارتكاب الجريمة في رواية (الغريب). نفس الحرّ، نفس الشمس الساطعة، نفس الصمت المضطرب، نفس الجريمة الغير مبررة، حين يقتل البطل مارسو رجلاً عربياً من دون سبب واضح. تتوالى الأحداث من المحاكمة إلى التحقيقات، وكلها تلامس رواية كامو الشهيرة، حيث تسود فكرة العبث واللاجدوى والتمرد على السائد، وتصوير الخلل بين الواقع والمنطق، وبين تصرفات البشر وأفعالهم.

 

https://www.al-itihad.com/sites/default/files/issues/793269_ithd_15-11-2017_p11.pdf

 

مقالتي عن مسلسل عالم غربي west world في مجلة نقاد الدراما

98f1670c-0935-4181-9f7a-e344069252ed

بلال شحادات

نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-10-28 على الصفحة رقم 10 – صوت وصورة

هل تتوقع أن تتحول حياتك بكاملها إلى ملفات «ديجيتال» وتصبح قادراً على استعراض أسعد اللحظات على شاشة التلفاز؟ هل تتوقع أن تتمكن يومًا من حذف كل ما تكرهه من حياتك حذفاً نهائيا؟ أو تحفظ تاريخك بأكمله داخل «هارد ديسك»؟ هل يعتبر هذا خلاصاً لنا نحن البشر، أم مأساة جديدة تدخل حياتنا عُنوة؟ كل هذه الأسئلة تعالجها الدراما البريطانية «المرآة السوداء» (Black Mirror)، من إنتاج شبكة «نتفليكس»، بكل ما فيها من تطلعات وانتكاسات إنسانية.
القاسم المشترك بين مواسم المسلسل البريطاني الثلاثة، هو التطور التكنولوجي وتقنيات الاتصال والتوثيق الرقمي، فعلى أساسه تبنى دراما خاصة يمكننا تسميتها اصطلاحاً «الدراما الافتراضية»، لأنها تفترض واقعاً جديداً تضخ فيه حكايات تتناسب عناصرها الدرامية مع هذا الواقع. لكن هذه الدراما لا تغيب عن الإنسان وما يعيشه من صراعات، مع نفسه ومع المجتمع الذي يحيط به. يتابع الموسم الثالث لهذا العام على النهج نفسه ويتعامل مع فرضيات الموسمين السابقين وكأنها حقيقة لا غبار عليها، وسنعيشها آجلا أم عاجلاً.
تحمل كل حلقة من «المرآة السوداء» حكايتها الخاصة وأبطالها ومخرجها، ويتولى كتابتها الناقد والمذيع والصحافي الإنكليزي تشارلي بروكر. تتضمن الحلقات نقداً سياسياً ساخراً، أو عرضاً قاسياً لخيبات أمل بين زوج وزوجة، أو ورطة استحضار جسد ميت واكتشاف مأساة عدم التواصل مع كائن بلا روح، أو الصراعات النفسية لشاب يعمل مُحركاً لشخصية كرتونية تسخر من السياسيين وتنافسهم على الترشح لرئاسة الحكومة البريطانية.
لم يدخل القائمون على هذا المسلسل في تحديات وعقبات الوصول إلى فرضيات هذا الواقع الحداثي، بل تعاملوا معها وكأنها قائمة ومستمرة، كغيرها من ابتكارات كنا نعتبرها مستحيلة لكنها صارت جزءاً لا يتجزأ من واقعنا الحالي. تحولت تلك الفرضيات إلى نقاط انطلاق لمعضلات درامية كانت لبّ كل حكاية من حكاياته.
المقصود بـ «المرآة السوداء» هو شاشات الأجهزة الالكترونية، وهي مطفأة، والتي نرى من خلالها أنفسنا ونراقب انغماسنا الكلي بالتكنولوجيا. وهي أيضاً المرآة السوداء لكل الأخطاء التي نرتكبها من دون وعي بأنفسنا وبمصيرنا. ففي كل حلقة من حلقات هذا العمل إشارة أو اتهام غير مباشر أو فج لما يفعله البشر بأنفسهم.
لقد تحولت ذاكرة الانسان إلى «داتا» هي عبارة عن ملفات بالصوت والصورة يستطيع صاحبها استرجاعها وتخزينها أو حذفها. في إحدى الحلقات يكتشف زوج خيانة زوجته عن طريق «الداتا». وفي حلقة أخرى نرى أن الإنسان يستطيع حظر أي شخص من حياته بحيث يحجبه عن كل شيء، والمحظور يصبح عبارة عن صورة مشوشة بالأبيض والأسود. كما نشاهد خلال المسلسل أن التكنولوجيا يمكن أن تعيد أي شخص ميت إلى الحياة بمجرد أن يتم تحميل كل المعلومات الخاصة به في جسم الروبوت فيأخذ أدق تفاصيله الشخصية. لكن ذلك لا يخلّص الزوجة مثلاً من ألم الفقدان لزوجها الميت، لأن الروبوت مهما كان دقيقاً في التقمص فهو عاجز عن استحضار روح الزوج المتوفى.
مسلسل بمثل هذه الجرأة محفوف بالمغامرة والمجازفة، وهو عبارة عن نسيج محكم الصنع من الخيال العلمي والدرامي ذي البعد التشاؤمي أو التحذيري، خصوصًا في تعاطيه مع قصص تقليدية ومتكررة لكنها ذات أثر جارح إذا عولجت ضمن إطار الحداثة التقنية وتداعياتها. إنه يخلط بين الثورة التكنولوجية ومأساة الإنسان بطريقة احترافية تجعلها لقمة سائغة في فم الجمهور لكنها تسبّب نزيفاً في وجدانه، من الصعب أن يتوقف.

14445149_1737080543209830_2386689327110714119_o

معرض الوسوم