دراسات نقدية- مقالات صحفية- قصص قصيرة- مسرحيات



الحركة الرمزية

موريس ميترلنك … مسرحية العميان


إن الرمز قديم قدم اللغة ذاتها , فهو الوسيلة لحفظ التجارب الحسية البسيطة حيث تكتسب صفة الدوام التي لا يمكن للخبرة الإنسانية أن تنمو دونها . ترتبط الرموز بشحنات شعورية تكون أحياناً جماعية متوارثة , و أحياناً أخرى فردية مستقلة . كان الرمز حاضراً في الفن منذ القدم , حيث تنوعت استخداماته و تعددت دلالاته . إلى أن أتت الحركة الرمزية فوظفت الرمز توظيفاً فنياً فعالاً , و أعطته أبعاداً فكرية يسمو بها عن المتعارف عليه إبان أواخر القرن التاسع عشر. بدأت الحركة الرمزية بالشعر , و من ثم امتدت إلى القصة و الرواية و المسرح . و كان من روادها على صعيد المسرح الكاتب البلجيكي موريس ميترلنك الذي نظّر للمسرح الرمزي نصاً و عرضاً , و كتب عدة مسرحيات منها مسرحية العميان التي جسد فيها الرمز كوسيلة لطرح فلسفته .

ظهرت نظرية الفن للفن متأثرة بنظرية إيمانويل كانط المسماة بالمثالية الذاتية التي تقول بان الحقيقة هي نتاج النفس البشرية , و أن الشيء ما هو إلا فكرتنا عنه أ و الاسم الذي نعطيه له . و بالتالي لم يعد الشعر محاكاة للطبيعة , إنما محاكاة لعملية الخلق نفسها , فصارت القصيدة عالماً متكاملاً لا يحاكي شيئاً خارجه .

نشأت المدرسة البارناسية على إثر ذلك في فرنسا , فمجّدت الفن للفن بعد أن طفرت فيه الذاتية الرومانسية . اعتبرت هذه المدرسة أن الفن هو صنو العلم , و طالبت بالامتناع عن التأثر بالانفعالات , و أكدت على أن الفن هو جمال الصنعة , ليس إصلاحيا و لا يهدف إلى منفعة . إنه ترف فكري سبيله المتعة الكامنة في جمال الشكل الفني .

ظل أصحاب هذه المدرسة يثيرون الجدل في أفكارهم و أساليب عملهم الفني إلى أن ظهرت تسمية الرمزية بشكل رسمي في عام 1886 حين نشروا بياناً يثبتون فيه اختيارهم تسمية أنفسهم بالرمزيين .

قامت الحركة الرمزية بعد ذلك على مجموعة من المبادىء المشتركة بين روادها ؛ على الرغم من التباين في التعامل مع هذه المبادىء من قبل الرواد أنفسهم . فأول هذه المبادىء هو رفض محاكاة الطبيعة و الاعتقاد بأن جمال العالم المحسوس هو انعكاس للجمال العلوي النوراني ؛ فالعالم المحسوس هو غابة من الرموز , كل شيء فيه له معنى رمزي يربطه بعالم الروح . و ثاني هذه المبادىء هو رفض العقل و الإيمان بأن ملكة الخيال هي الملكة الوحيدة التي تمكّن الإنسان من إدراك الحقيقة في استنباط المعاني الرمزية الكامنة في الظواهر الحسية . و ثالثها هو التأكيد على أهمية وحدة العمل الفني و استقلاله . و رابعها هو المحاولة المستمرة لاستكشاف مشاعر و حالات نفسية جديدة كمادة للشعر عن طريق التصوف و التعمق في العلوم الروحانية و العلوم الغيبية . و خامسها هو الإيمان بضرورة الاعتماد على الإيحاء بدلاً من الإشارة المباشرة . وسادسها هو استغلال الموسيقى الكامنة في الكلمات و محاولة تقريب الشعر من الموسيقى . و سابعها هو استخدام لغة تعتمد على المفارقة و التقابل و التضاد و الصور و الاستعارات الغريبة و تداعي الأصوات و المعاني (1 ).

تمتاز الرمزية بمعادلتها بين الشعر و الموسيقى , لأن الموسيقى تمتلك الخاصية الإيحائية التي يتطلع إليها الرمزيون و لا ترتبط بتحديد المعنى الذي تستطيعه الكلمة, و الذي ينبغي على الرمزيين التخلص منه . سعى الرمزيون إلى رفض الالتزام بالتقاليد الجامدة فيما يتصل بنظم الشعر بغية تأمين المرونة الكافية ؛فمنهم من ظل مترددا, و منهم من تمرد على التقاليد بحذر, و منهم من ثار على كل ما يتصل بنظم الشعر , و كتب نثرا .

تفرعت الكتابات الشعرية الرمزية إلى كتابات تصور عالماً يضم المشاعر و الحالات التي يعايشها الشاعر. و إلى كتابات تصور عالماً مثالياً بالمعنى الأفلاطوني يتوق إليه الإنسان. (2 )

إن الشاعر الرمزي مزوّد بقوى تجعله يرى ما وراء الأشياء في عالم الواقع حيث يلج إلى الجوهر المختبئ في العالم المثالي. و يضع أمام قارئه سلسلة من الرموز غير المشروحة التي تكوّن عناصر العالم المنشود الذي يعتقد الشاعر بوجوده فيما وراء الواقع . إنه ضد إعطاء المعلومات و الخطابية والعاطفية الزائفة و الوصف الموضوعي. يجعل من الشعر وسيلة الوصول إلى العالم المثالي , و من هنا تغدو القصيدة حافزا للقارئ الراغب في الانطلاق إلى الفردوس الموعود .(3)

 

بود لــــــــــــــــــــــــــــير

 

سبق بودلير الحركة الرمزية بعدة سنوات , وكان مبشراً بها حيث قدّم تصورات عن الشعر الرمزي في قصائده و دراسته النقدية . تأثر بودلير بأدجار آلان بو الذي أكد على ذاتية الفن و على كراهية النزعة التعليمية و عدم الثقة بالإلهام و عبادة الجمال الغريب و الحزين.

استخدم بودلير المقارنات بين الفنون ؛ لكن دون خلطها بل بإعارة كل منها للآخر . نجد ذلك في تشخيص الصور بالمصطلحات الموسيقية . يوحّد بودلير بين الذات و الموضوع , و ينتقل في قصائده بشكل سريع من التفاؤل إلى التشاؤم و بالعكس , ويستخدم في أكثر الأحيان رمزاً خارجياً يتجاوب مع مشاعره الداخلية التي يرغب في التعبير عنها.

لا يهدف بودلير في شعره إلى سرد قصة أو شرح فكرة , بل إلى خلق عاطفة أو إثارة انطباع معين عند القارئ , فهو يجمع تراكمات من الرموز الخارجية التي تكرر التيمة الداخلية للقصيدة بصفة مستمرة . و يصّر على تكرار بعض المقاطع للتأكيد على دلالاتها , و يخلق صوراً تتصل بالحواس المختلفة ؛ مما يعكس حالات انفعالية متنوعة . أما على الصعيد الفني , فلم يكن بودلير مجدداً كغيره من الرمزيين. أكّد بودلير في ديوانه أزهار الشر على الطبيعة الملائكية و الرسالة المقدسة للفن و للفنان , يقول في قصيدة انسجام المساء:

جرس الكنيسة يدق و لوح خشبي مدخن

يفح مع صوت أنين الساعة , يتردد

بينما في مجموعة من أوراق اللعب البالية

نبوءة كئيبة لعرافة شوهاء

الولد حارس القلب الجميل و فتاة البستوني

يتحدثان في برود عن حبهما الذي مات منذ زمن بعيد.

نجد في السطر الأخير الغرض من كل هذه الصور بأساليبها المختلفة , هو أن تجعل القارئ يشعر بيد الموت الباردة التي هوت على الحب بين الولد و البنت في أوراق اللعب؛هو ما قد يمثّل العلاقة بين بودلير و سيدته المحبوبة (جين دوفال) . (4)

 

ملارمــــــــــــــــــــــــيه

 

تأثر ملارميه بفلسفة شوبنهور و شلنج و هيغل و أفلاطون . رفض الواقع القائم , و رأى أن سر الكون خاو ؛ فلا يستطيع الشاعر سوى الحديث عن هذا العدم, و أعتقد أن مهمة الشاعر تنحصرفي عزل نفسه عن العالم المحيط , حيث تتدفق صور العالم اللانهائي ( المثالي ) الذي يبحث الشاعر عنه في هذا الفراغ المفترض ( العدم ) .

إن شعر ملارميه هو ذلك الشعر الصافي و الغامض , إنه ليس شخصياً و لا غنائيا و يجب أن يختفي الشاعر كمتحدث في قصائده . إن الهدف الأساسي للشعر هو أن يخلق الجوهر الخالص الذي لا تشوبه شائبة من أصداء الحقيقة المحددة الملموسة التي تحيط بنا .

يهدف ملارميه في شعره إلى الإيحاء و ليس الوصف , لأن المتعة التي تحدثها القصيدة تكمن في الكشف التدريجي عن الشيء المقصود. تعكس الكلمات بعضها بعضا ضمن المعنى العام للقصيدة و هكذا يغيب عن الكلمة معناها الثابت-المستقل بذاته_ و التقليدي و يرتبط بما قبلها من كلمات و بما بعدها. و يتغير معنى الكلمات من خلال استخدامها في معناها الاشتقاقي مع دلالات غير عادية في الحديث العادي . كان ملارميه متأثرا بالتراكيب اللغوية الإنكليزية و اعتمد التأثير السكوني للصورة الشعرية في القصيدة.

رغب ملارميه بالتجريب الشعري و استاء من اللغة العادية للتواصل فبحث عن كلمات كالأشياء , و حلم بلغة شعرية جديدة . كل هذا دفعه إلى القيام ببعض التعديلات الطفيفة على الشكل الفني للقصيدة , حيث و ضع علامات ترقيم لم يكن متعارف عليها لدى النقاد , و ترك مساحات بيضاء تتخلل الأبيات و أضاف لحظات صمت , و كتب بعض الكلمات بأحرف كبيرة و ترك بعضها متناثرة دون تنسيق .

قال ملارميه في قصيدة بعنوان ( سوناتا رمزية عن نفسه) يعتبر فيها الحجرة الفارغة صورة رمزية لعقل الشاعر نفسه و هي طريقة لخلق الفراغ داخل نفسه: ليس هناك من شيء في جنبات الحجرة الخالية

لجمع رماد هذه الأحلام

ليس هناك حتى من قوقعة بحرية

رمز انبثاق شيء من لا شيء

هذا الشيء الفارغ التافه الذي يسمع فيه صوت البحر

قد أزاله صاحب الحجرة الذي قرر آسفا أن ينهي حياته كشاعر ( 5)

 

رامبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــو

 

يطالب رامبو الشاعر بأن يكون عرّافاً مناطاً به دفع الإنسانية في مسيرتها نحو التقدم . اعتاد على الهلوسات الصرفة , و بحث عن هذيان منهجي . راعى التدفق العنيف للمد الذهني الذي هو مزيج من الانطباعات و الأحاسيس و الأفكار . كان من أصحاب نظرية الحس المتزامن التي تقول بأنه بعد تعميق الأدراك الحسي و معايشة أية حالة مزاجية بأوسع أشكالها يصبح من الممكن تمثيل حس معين من حس آخر عن طريق التداعي .

اكتسب رامبو حساسية مفرطة جعلته يرى الأشياء الخفية , فهو الذي قال :” في فجر مسلح بالصبر المتحرق سوف ندخل المدن البهية” , لقد تعامل مع الحقيقة على اعتبارها المادة الخام التي يخلق منها عالما جديدا فهو الذي قال” سأكون أنا هو الشخص الذي سيخلق الله نفسه” . قام رامبو في شعره بتفتيت الواقع ثم إعادة بلورته من جديد , لاغياً الزمان و المكان, جامعاً أكثر العناصر تباعدا و أكثرها تناقضا ؛ وأن كان ذلك لا يمثل وحدة في الشكل, فإنه يمثل وحدة في الرؤية .

سمح رامبو للشعر أن يتدفق من ذاته دون الاهتمام بالوزن و القافية و بالتالي لا توجد حالات شعرية مستقرة و ثابتة على صعيد الشكل الفني . اخترع رامبو لغة شعرية فيه المحسوس و المجرد مظهران لحقيقة واحدة. لقد ثار على التقاليد الثابتة للشعر و كتب قصائده نثرا ففي ديوان أشراقات نجد قصائد نثرية فيها صور غير متوقعة تتراكم واحدة فوق الأخرى و تتقلب القصائد من قصائد ذات طابع تفاؤلي إلى قصائد ذات طابع تشاؤمي (6)

يقول في قصيدة لوحة بحرية:

عربات الفضة و النحاس\ سفائن الفولاذ و الفضة\ تضرب الزبد \تقتلع جذور العليق تيارات الأرض البور \ الآخاديد الهائلة التي يخلفها انحسار البحر \ تدور و تجري نحو الشرق\ نحو أعمدة الغابة \ نحو دعائم مكسر الميناء \حيث يصدم نتوءها زوابع من نور (الإشراقات- ص 84-85).

يعلن رامبو في عام 1875 خيبة البحث الشعري بالصمت , وهو أعنف تمرد مارسه رامبو . لأنه أوكل إلى الشعر مهمة تفوق طاقته.

امتدت الرمزية من بودلير و ملارميه و رامبو الى كلودل و فاليري في فرنسا و ستيفان جورج و ريلكه في ألمانيا و بلوخ وافانوف في روسيا و ييتس و اليوت في انجلترا (7)

وكان أول ظهور للرواية الرمزية هو مع روائيين مثل هرمان هسه و آرنست جونجر الذين يروون قصصا حقيقية ذات معنى رمزي تصور المدى القائم بين الحقيقة العامة و الحقيقة الجوهرية بين الوجود و الماهية بين العالم المعاش و عالم الفكر المثالي (8) .

امتدت الرمزية إلى فن المسرح , و كان ملارميه من أهم دعاة المسرح الرمزي نفسه الذي وضع نصوصا تنظيرية للمسرح الرمزي . فقد تصور لغة جديدة تتحرر من قواعد تركيب الجمل المعروفة , و تمتزج فيها الصورة بالحركة امتزاجاً يعبر تعبيراً رمزياً عن الحياة الداخلية في إطار مسرح شعري . إن هذه اللغة ستخاطب الخيال و ستكون مهمتها تجسيد الأحلام و الخيالات , بل و الصمت أيضا تجسيداً شعورياً , و ستتمكن من خلق جو الغموض . هاجم ملارميه الحركة على خشبة المسرح , و أصر على أن تتم في حدود الضرورة القصوى فعندما تمتزج هذه الحركة مع اللغة الشعرية , نكون قد حققنا ما يمكن أن نسميه بمسرح الشعر الصامت (9 ).

تأثر ملارميه بنظرية فاجنر المسماة الدراما الموسيقية وهي تنظير لفن تستطيع فيه الكلمة أن تزيد من قدرتها عن طريق الصوت لتخلق بياناً عاطفياً أكمل حيث تنقسم النغمة إلى نصفين ؛ نصف تمثله الكلمة و آخر تمثله الأغنية . تقوم هذه الدراما على الأسطورة و الحلم و الصوفية ( 10) .

يقودنا تنظير ملارميه إلى التمييز بين تيارين مسرحيين تأثرا بالحركة الرمزية , الأول يستخدم الرمز , حيث يحافظ على المستوى الواقعي مع إعطائه بعداً رمزياً يشكل معنى أعمق و أكثر دواماً للحدث الخارجي ( كما فعل أبسن في مزاوجته بين الواقعية و الرمزية , وتعامل مع المظهر الواقعي ذي الإيحاء الرمزي في مسرحياته ” البطة البرية” و ” عندما نبعث نحن الموتى” . و أيضاً كما فعل ستدنبرغ في مسرحياته الأخيرة ” الحلم” و ” سوناتا الشبح”.(11 )

 

أما الثاني , فهو تيار مسرحي رمزي خالص , يعكس الاعتقاد بأن العالم المحسوس ما هو إلا ستار يحجب الغيب و يجب اختراقه, و يقترب العمل الدرامي فيه من القصيدة الشعرية . يجسد هذا التيار بحث الحركة الرمزية لكن على صعيد المسرح , فأهمية الرمزية تكمن في كونها حركة تجريبية بحتة و ضعت عند ظهورها لبنة تحولات جذرية في الفن المسرحي على صعيد الكتابة , و من ثم على صعيد العرض المسرحي . فنصوص المسرح الرمزي لا تحتوي على حبكة بالمعنى التقليدي للكلمة , و أنما تقوم على عرض مشاعر و أحاسيس تجسد معان صوفية . تعطي بذلك الأولوية للكلمة التي تشغل أيضا الحيز الأساسي في العرض المسرحي , مما يلغي دور الخشبة كمكان للفعل ليجعل منها فضاء للشعر(12 ).

مثالنا عن هذا التيار هو الكاتب البلجيكي موريس ميترلنك الذي ولد في مدينة جينت عام 1862, درس القانون , انتقل إلى باريس , أطلع على الشعر الفرنسي و تأثر بمبادئ الحركة الرمزية . كتب مسرحيات رمزية من فصل واحد مثل ” الدخيلة” “العميان” 1890و ” الأميرات السبع”1891و” خلف جدران البيت”1894. ثم كتب مسرحيات تحوي أكثر من فصل مثل” مونافا”1902 و”العصفور الأزرق” 1908و كتب بعد الحرب العالمية الأولى مسرحية “السر العظيم”1921و “”تمر المصيبة”1925.

نال متيرلنك جائزة نوبل في الأدب عام 1911. ضعفت قواه الإبداعية بعد عام 1920 فيما أشار بعض النقاد إلى أنه شاعر ممل و فيلسوف مضجر يكرر نفس الأفكار حول الحياة و الموت.

مالَ ميترلنك إلى التصوف , و كثيراً ما ارتاد في شبابه حلقات التنويم المغناطيسي و تحضير الأرواح , و آمن بالفلسفة القدرية. تطلع إلى مسرح ينفذ خلال العالم المادي ليصور أسرار الروح , و نبذ المكونات المادية للحياة في الدراما , و آمن إيماناً مطلقاً بتلازم الحياة و الموت . فبعد أن استوحى التصور الفاغنري عن الأوبرا , و استعان بأعمال اسخيلوس كنماذج درامية ساكنة لا تتضمن حدثاً بل حالة نفسية , و استمد الكثير من مسرح الدمى و من ديكور مسرح العصور الوسطى ؛ ألّف مسرحياته على شكل توزيع موسيقي مبني على صور ثابتة تتعاقب مع فترات صمت فيها أداء إيمائي , ووسّع الدراما الرمزية لتلتقي مع كل التجليات المسرحية للحلم و الخيال.

نادى ميترلنك بعد ذلك في مقالة بعنوان ” تراجيديا كل يوم ” من كتاب ” كنز البسطاء ” 1896 بضرورة إيجاد نوع جديد من الدراما تعتمد على تصوير المشاعر و الرؤى الداخلية التي لا تتبلور إلا في لحظات الصمت , و انعدام الحركة الخارجية ؛ فلدى الإنسان مجالات أكثر خصوبة و عمقاً من مجال العقل أو الوعي . و أعلن عن مهمة الشاعر في كشف الخصائص الخفية و اللامرئية في الحياة أي عظمتها و بؤسها اللذين لا علاقة لهما بالواقعية . فإذا ما بقينا عند المستوى الواقعي سنظل جاهلين لهذا العالم الأبدي , و بالتالي المعنى الحقيقي الموجود في القدر. (13)

تُسمى دراما موريس ميترلنك بالدراما السكونية أو دراما الجمود , و يُسمى مسرحه بالمسرح السكوني أ و مسرح الصمت , الذي يتلخص في إفساح المجال مسرحياً لما لا يمكن التعبير عنه بالكلام من خلال استخدام الصمت استخداما دلالياً ؛ بحيث لا يكون المعنى في الحوار الظاهري و إنما في باطن النص . إن التراجيدي عنده هو غياب السعادة فهي كالمرض ؛ و يكمن زوال التراجيدي في التغلب على هذا المرض .

لا تتضمن المكونات الدرامية لمسرح الصمت مكاناً وزمناً وحكاية بالمعنى التقليدي . لكنها تتضمن صراعاً ليس مع القدر ( الموت ) بل مع طبع الإنسان و روحه ,و بالتالي يسيطر الحدث الداخلي و يغيب الحدث الخارجي , فتصبح الشخصيات غير فاعلة بل منفعلة , يغيب التواصل فيما بينها , و يبدو عليها الملل و عدم القدرة على التعبير ؛ فتلجأ للصمت كفعلٍ درامي . ( 14 )

دعا موريس ميترلنك على الابتعاد عن كل ما يحدد الفضاء المسرحي كمكان جغرافي و تاريخي ؛ لذلك غالباً ما تكون المنصة فارغة , حيث تلعب الإضاءة دوراً هاماً في العرض . و رفضَ كل ما يشوش عملية التواصل الشعري التي تتم عبر الكلام . و دعا إلى استبدال الممثل بكائن آلي تبدو عليه مظاهر الحياة دون أن يكون حياً . و فرض على الممثل قيوداً تحدد أداءه . و أصرّ على أن يكون صوت الممثلين أقرب إلى الإلقاء الترتيلي .

 

 

مسرحية العميان:

أول ما يواجهنا في المسرحية هو المكان الذي سيتم عليه تصوير حالة العميان . هوعبارة عن غابة قديمة ذات مظهر دهري , وفي هذه الغابة بعض أشجار الصفصاف الحزين و أشجار جنائزية وزنيبقات طويلة هزيلة . هذا المكان هو مكان الحدث وله ما يقارب الثلاث دلالات , الأولى هي التعامل مع المتلقي كأعمى , فالكاتب يتعامل معه كأعمى , فيصف له المكان مع ربطه بشيء شعوري حيث يضيف حالات نفسية للجماد كما يتعامل العميان مع محيطهم حين يجمعون الإدراكات و الأحاسيس جمعاً يعوض عن الرؤية . مما يجعل المتلقي يشعر بالمكان دون الداعي لرؤيته . هذا بالإضافة إلى إعطاء المكان إيحاء بالموت من خلال إعطاء هذه الحالات النفسية الكئيبة للأشجار و الزنيبقات , وإضافة التأثير الزماني على المكان مما يوحي بتاريخ مديد ليس له بداية ولا نهاية لهذه القطعة من الأرض . أما الدلالة الثانية فهي عدم إعطاء هذا المكان أي معالم جغرافية أو تاريخية محددة بحيث يكتسب شمولية تتسع لأي مكان على سطح هذه الأرض . والدلالة الثالثة , والأهم هي إعطاء هذا المكان بعداً واقعياً حيث تصبح هذه الغابة بغموضها وظلامها وكآبتها شبيهة بهذا الواقع الذي نعايشه.

نقرأ بعد ذلك صفات الكاهن الميت بين العميان الإثني عشر , ما يعطينا إشارة إلى السيد المسيح مصلوباً وحوله حوارييه الإثني عشر . لكن الإيحاء هنا يتسع حتى يشمل الدين في علاقته مع الإنسانية المتمثلة بالرجال والنساء.إن الكاهن رمز للدين , لكنه ميت . النساء والرجال كلهم عميان يجلسون بجانبه في صمت.

يبدأ العميان الكلام بعد لحظات من الصمت , ويظهرون في كلامهم ما يشعرون به من تململ وضجر من طول انتظار الكاهن الذي تركهم لغرض ما ولم يعد حتى الآن . و يبدأ الحديث عن الكاهن من قبل العميان: إن الكاهن قد أتعبه السير الطويل , وقد فقد قدرته على العيش . يبدو حزيناً واهن القوى وحيداً قلقاً , حتى أن بصره صار شحيحاً. و ما هذه الصفات إلا صفات شخص أتعبه الواقع .

يشير العميان إلى أنه لم يعد يصغي إليهم , و أن عددهم صار كبيراً, فقد كان بوسعه إن يبقيهم في الملجأ لكنه أغراهم بأنه سيأخذهم كي يروا ويعرفوا الحياة فحط بهم هنا في الغابة الموحشة . ويذكر العميان أن الكاهن قد رأى الشمس (الحقيقة ) , لكنه لم يستطع أن يرهم إياها , و لم يكن قادراً على مساعدتهم لتحمل هذا الواقع كي يبصروا الحياة الأخرى , ويعرفوا الحقيقة . قال بأنه ذاهب لجلب الماء والخبز , وهذه إشارة إلى المسيح الذي حول الماء نبيذاً وكان رمزاً للدم والجسد . كان يخاف أن يأتي واحداً بدلاً عنه , وما هذا الخوف إلا بغية الاستمرار في نهج الدين كي لا تغوي البشر ملذات الحياة الفانية .

كان يعِد العمياء الشابة بأنها ستبصر ذات يوم لكنها إلى الآن لم تبصر . شعر بدنو اجله , و كان راغباً في الرؤية لكنه لم يقل ماذا رأى ,لكننا ندرك أن الكاهن قد رأى الموت و لم يستطع أن يشرح لهم هذه الرؤية .

لم يكن العميان راغبين بالحضور إلى هنا , لأن الملجأ – وهو رمز للكنيسة – كان يحميهم من هذه الغابة – وهي رمز للواقع – , لقد ذكر الأكمة الأول والثاني والثالث ذلك أكثر من مرة :

أكمه2 :نحن على كل حال لا نرغب في مغادر الملجأ .

أكمه3 : لا جدوى من اقتيادنا إلى مثل هذا المكان البعيد ( ص22 )

اكمه1: ليس من شيء جدير بالمشاهده خارج الملجأ ( ص23 )

أكمه1: أفضل عدم الخروج .

أكمه2 : لم نكن راغبين في الخروج ( ص26 )

لابد أن ينتظروا في صمت لكنهم ليسوا في الكنيسة .إنهم خرجوا من الأمن إلى اللا أمن , وهم الآن ينتظرون من يعيدهم إلى الملجأ . يعانون من جهلهم للغابة ومعظم أماكنها . إنهم وجدوا هنا بمحض الصدفة. إن الملجأ برغم جهلهم له كمرئي لكنهم يعرفونه حق المعرفة من الداخل , إنه ملاذهم من هذه الغابة.

يشعرون أن شيئاً ما سيحدث لهم في هذا المكان لكنهم لا يبصرونه . ورغبتهم في العودة إلى الملجأ تزداد مع مرور الوقت. هم بعيدون عن الدار الآخرة وفي ظنهم أن العودة إلى الملجأ ستخفف عنهم . يتعثرون حين يتحركون ويطرحون أسئلة تنم عن خوفهم من مصيرهم , فمثلاً يقول أحدهم أن الجميع وصل إلى هنا عميان , حيث لا فرق هنا بين أعمى وأكمه. إنهم يحلمون بالدار الآخرة ويربطون البصر بالحلم.

العمياء الأكبر: أحلم أحياناً أني أبصر .

الأعمى الأكبر : أنا لا أبصر إلا حين أحلم .

إن كل هذه الشخصيات حالها واحد, يستشعرون قدوم مصير لا يدركون كنهه لكنه أقرب إلى الموت . إن الشابة تضع زهرة الموت وهي تعرف ما تعنيه هذه الزهرة , لكنها تضعها في شعرها إشارة إلى انتظارها له في صمت , لكن قلقاً ما يطوف في الأرجاء يعلن عن مجيئه . إنهم يتبادلون الحديث حول الذاكرة والإدراك مما يصور لنا حالتهم بشكل أعمق .

الأعمى الأكبر سناً: أنا رأيت الشمس حين كنت صغيراً .

العمياء الأكبر سناً: وأنا أيضاً . ( ص27)

هذا بالإضافة إلى العمياء الشابة , التي تمتلك ذكريات أكثر من البقية , إنها رأت الجبال و الشمس و عائلتها عندما كانت صغيرة , وما هذه الذكريات إلا ماضٍ جميل تتغنى به العمياء الشابة في هذه الوحدة القاتلة .إن الماضي الجميل يرتبط بسني الطفولة حيث يغيب الوعي الكامل لهذا الواقع المر . يقابلها من جهة أخرى الأكمه الأول الذي لم يعد يشعر أن لديه ذكريات , إنه وعى الواقع دون أن يراه , فأصبح أقل نضجاً مقارنة مع من رأى هذا الواقع . و لهذا تغيب عنه الذكريات .

يقول الأعمى الأكبر سناً: ما تراه العين لا تستطيعه الأيدي( ص34) .

يأتي الكلب, و هو دلالة من العصور الوسطى , يدلهم إلى مكان الكاهن الميت فيفجعون , وينتابهم الفزع والخوف من المصير الذي سيحل بهم . و يبدأ بعضهم باقتراح حلول , لكن البعض الآخر ينقضها حتى ينتهي بهم الحال إلى اليأس من أي مساعدة تعيدهم إلى الملجأ .

الأكمه الأول : أظن أن الراهبات سيخرجن من الملجأ .

العمياء الأكبر: إنهن لا يخرجن ليلاً .

العمياء الشابة : إنهن لا يخرجن أبدا .

الأكمه الثاني : أظن أن حراس المنارة الكبرى سيلمحوننا .

الأعمى الأكبر سناً: إنهم لا ينزلون من برجهم . ( ص50 )

يشعرون أنهم عراة لوحدهم في هذا العالم فيلجئون إلى الصمت في انتظار مخلص يريحهم من هذا المصير المؤلم . إنهم يعرفون أن الموت هو مرحلة للوصول إلى العالم الآخر , لكنه مخيف وغامض لذلك فهم بحاجة إلى مخلص جديد غير الدين يرى بدلاً عنهم. يمهد الأعمى الأكبر لقدوم الطفل الذي صحا من نومه . و تنتبه العمياء الأكبر سناً .

العمياء الأكبر سناً: الطفل يبكي

العمياء الشابة: إنه يرى إنه يرى . لاريب في أنه قد أبصر شيئاً غريباً. (ص53 )

العمياء الشابة: من أنت

العمياء الأكبر سناً: ارأف بحالنا .

(يبكي الطفل بتفجع كبير ) ( ص55 ) .

يعرف الطفل بقدوم الموت , و يشير إليه في بكائه و صراخه ببراءة و عفوية و شفافية . إنه رمز للشاعر الذي يرى الحقيقة قبل الجميع و ينبه إلى قدومها بعيني طفل لم تشوهما الحياة الدنيا . إن الشاعر المرّمز بالطفل سيقودنا إلى العالم الآخر عبر الموت .

 

يتضح لنا مما سبق أن هذه الشخصيات هي شخصيات مبهمة , هشة , فاقدة للحيوية , صامتة أبداً لولا العمى الذي يدفعها للكلام . أنها تعيش حالة عجز وجودي , و لا تصارع القدر بل تصمت أمامه بثبات . و لا يؤخذ من يتكلم بعين الاعتبار , فليس لهم أية معالم محددة .

نستنتج بعد جمع رموز و إشارات هذه المسرحية أن الحقيقة هي ضوء الشمس الباهر , و أن العمى هو الجهل و عدم القدرة على معرفة هذا العالم الذي هم فيه . إن الحقيقة موجودة في العالم الآخر , أما هذا العالم فهو عالم الجهل . إن البصر هو رؤية الحقيقة , و الانتظار بجانب الميت هو انتظار للموت . إن الجبال و الثلوج و الفيضان هم إشارة إلى تهديد الطبيعة بالخطر المستمر الذي يضاف إلى خطر الموت . إن الحلم هو السبيل إلى الحقيقة , و ما العميان إلا رمزاً للإنسانية التي تتخبط في الظلام بعد أن خبت شعلة الدين , فيعيش الإنسان في النهاية تحت رحمة مصير الموت ( القدر) .

يتضح لنا أن الحدث الخارجي يغيب في المسرحية , إذا استثنينا خروج العميان من الملجأ , و صراخ الطفل . إن الأهم هنا هو تصوير حالة معينة من خلال تكرار الحدث الداخلي . أما الحوار فليس دلالياً و لا إبلاغي , إنه أقرب ما يكون إلى الشكل الكورسي , حيث يزول ارتباطه درامياً بالعميان . نلاحظ حواراً نثرياً مفككاً , ووقفات طويلة , و جملاً تقترب من الغنائية في تردد و تكرار .

 

هوامش البحث

  1. البرناسية – من ص 9 إلى ص 25

    التيارات المسرحية المعاصرة – من ص 13 إلى ص 23

2- الرمزية – من ص 39 إلى ص 49

3- الرمزية – من ص 12 إلى ص 21

4- تاريخ النقد الأدبي – من ص 389 إلى ص 414

الرمزية – من ص 51 إلى ص 63

5- تاريخ النقد الأدبي – من ص 419 إلى ص 431

الرمزية – من ص 94 إلى ص 109

  1. تاريخ النقد الأدبي – ص 405

الرمزية – من ص 78 إلى ص 92

الإشراقات – من ص 3 إلى ص 11

الدراما الحديثة بين النظرية و التطبيق – ص 209

  1. تاريخ النقد الأدبي – ص 385
  2. تاريخ الرواية الحديثة – ص 408
  3. التيارات المسرحية المعاصرة – ص 23-24
  4. الدراما الحديثة بين النظرية و التطبيق – من ص 214 إلى ص 216
  5. الدراما الحديثة بين النظرية و التطبيق – ص 236
  6. المعجم المسرحي ص 229

www.bartleby.com

 

الدراما الحديثة بين النظرية و التطبيق – من ص 244 إلى ص 238

التيارات المسرحية المعاصرة – ص

المعجم المسرحي – ص 230

  1. الحياة المسرحية – عدد 44 – من ص 98 إلى ص 107
  2. المعجم المسرحي – ص 229-230

الدراما الحديثة بين النظرية و التطبيق – ص 237

  1. نظرية الدراما الحديثة ص 63-64-65

الدراما الحديثة بين النظرية و التطبيق – من ص 238 إلى ص 241

المعجم المسرحي – ص 440-441

التيارات المسرحية المعاصرة – من ص 24 إلى ص 27

 

 

 

 

 

 

بيبلوغرافيا البحث

المصادر :

  • سلسلة المسرح العالمي – العميان – تأليف :موريس ميترلنك –

المراجع :

  • إلياس , ماري \ قصاب حسن , حنان – المعجم المسرحي –– الطبعة الأولى – مكيبة لبنان ناشرون – بيروت– 1997.
  • ألبيرس . ر . م – تاريخ الرواية الحديثة – تر : جورج سالم – الطبعة الثانية – منشورات عويدات – بيروت – 1982 .
  • تشادويك , تشارلز – الرمزية – تر: نسيم ابراهيم يوسف – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة – 1992 .
  • حاوي , إيليا – البرناسية ( أو مذهب الفن للفن في الشعر الغربي و العربي ) – الطبعة الثانية – دار الثقافة – بيروت – 1983 .
  • رامبو – الإشراقات – تقديم و شرح : سوزان برنار – تر: قيس خضور – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 2002 .
  • زوندي , بيتر – نظرية الدراما الحديثة – تر: د. أحمد حيدر – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 1977 .
  • ستيان . ج . ل – الدراما الحديثة بين النظرية و التطبيق – تر: محمد جمول – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 1995 .
  • صليحة , نهاد – التيارات المسرحية المعاصرة – مركز الشارقة للإبداع الفكري – الشارقة – د. ت .
  • ويليك , رينيه – تاريخ النقد الأدبي الحديث – الجزء الرابع , القسم الثاني – تر : مجاهد عبد المنعم مجاهد – المجلس الأعلى للثقافة – مصر – 2001 .

الدوريات :

  • الحياة المسرحية – العدد 44 – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 1997 – مقالة : ميترلنك مسرحه و إبداعه – تأليف : أ . أنيكست – تر: هاشم حمادي .

 


Advertisements

كتابة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: