دراسات نقدية- مقالات صحفية- قصص قصيرة- مسرحيات

المسرح و المجتمع

 

 

 
 

  • 1 –

 

قال آرثرميلر : (( أنا انظر إلى الجمهور كجماعة كل عضو فيها يحمل في نفسه ما يظن أنه قلقه و أمله , أو همه الشخصي , الذي يعزله عن سائرالناس . إن وظيفة المسرحية هي أن تكشف له عن نفسه حتى يستطيع الاتصال بدوره بالناس الآخرين , و يبين له أنهم متآزرون )) . من هذه المصالحة , و من هذا التبادل المستمر يولد المسرح …

يحتم تطور المسرح وتكامله فكرياً وجمالياً، فرض مقدمات جوهرية تؤثر في المدينة كمجتمع , والإنسان كفرد برغم تعقيدات التطور الاجتماعي . وأهم هذه المقدمات هي ديمقراطية الممارسة الاجتماعية، وحرية الذات ككائن بشري , هذا بالإضافة إلى ذاتٍ مبدعة , و فاعلة .


فالمدينة المتحضرة التي تهييء مقدمات التكامل الاجتماعي ويكون التطور العلمي والفكري والثقافي أساس وجودها اليومي، بالتأكيد ستكون مدينة مستقبلية ، ومدينة الحلم ، والفردوس . إنها المدينة والمدنية التي تؤثر على المتعايشين في فضائها الديناميكي. ولكن عندما تخون المدن حريتها وديمقراطيتها، ستخون بالضرورة تاريخها الاجتماعي والثقافي والفني.

وبما أن المسرح قضية حضارية أساساً , فإنه ينشأ ويتطور في المدينة الحضارية , و تحتمه تكاملية المجتمع المديني، ولهذا فان أي تفكير بجوهر وماهية المسرح هو بحث قوامه وطبيعته اجتماعية وفلسفية وجمالية وفينومينولوجية أيضاً . وبالرغم من ارتباط المسرح بالمثيولوجيا والطقوس الدينية لمختلف المجتمعات القديمة، إلا انه كان ـ وما زال ـ يعبر بشكل بصري و سمعي عن التصورات والأسس الفكرية والفلسفية والمشكلات الاجتماعية للإنسان.

شكلت الأسطورة بعد تفسيرها الشامل للكون، الأسس الفلسفية للحضارات القديمة , وامتزجت بالحياة الاجتماعية آنذاك , التي لها امتداداتها وانعكاساتها في حياتنا المعاصرة . مما يؤكد القدرة الديناميكية لإنسان الحضارات القديمة , الذي اعتمد السؤال كمنهج لتفسير الظواهر ؛ مما أدى إلى تراكمات معرفية وحضارية .

إن السبب الحاسم الذي أدى إلى تطور المسرح هو الذي حدث في الحياة الاجتماعية الإغريقية , حيث خلقت الممارسة الديمقراطية في المجتمع القديم تطورا داخلياً هائلاً . و أصبحت العروض المسرحية ، التي كانت تقام في الاحتفالات القومية للإغريق ، أحد التعابير المتميزة للديمقراطية . ويؤكد هذا قدرة المسرح على التأثير في المدينة وبالعكس، مما دفع فردريك شيللر إلى الجزم بأن (المأساة الاغريقية ربت الشعب). ولهذا يمكن القول : إن المأساة آنذاك أنشأت الإنسان الإغريقي , ومنحته وعياً يجد في الفن إنجازاً مهماً يجب أن يتطور باستمرار. \ راجع سوسيولوجيا المسرح – ج 1 – \

ساعد انتصار الديمقراطية على أن تصبح مصدر إلهام للمؤلف الإغريقي ، فتميز اسخيلوس بالانسجام التام بين فكره المسرحي وممارساته الاجتماعية، وكانت أفكاره ومعالجاته الاجتماعية تتسم بتجاوزها لعصرها في إقامة دولة المدينة الديمقراطية .

وقد ساهمت بتطور المجتمع , و انتقاله إلى مجتمع مديني متحضر. وارتبط نشوء الظاهرة المسرحية بتكامل المدينة وفضائها الاجتماعي المديني , الذي تتطور فيه ذات الإنسان الواعية . إن ارتباط ديمقراطية المدينة بحرية الفكر وتجريبية الإبداع في شتى المجالات يشكل الشروط الأساسية لتكامل المدينة والمسرح في ذات الوقت كما أسلفنا سابقا.

فالانسجام الحقيقي في المسرح , باعتباره فعالية جماهيرية , هو الذي سيخلق نوعاً من وحدة الهدف لتحقيق مجتمع المدينة الحضاري والمسرح المستقبلي أيضاً، فتتكامل العلاقة التبادلية بين تأثير مجتمع المدينة في تكوين فكر الفنان , وبالتالي القدرة التأثيرية للمسرح في المدينة.

بما أن الفن عموماً هو أحد أشكال الوعي الاجتماعي , وهو أيضاً حاجة جمالية، فقد عالج أهم الظواهر تعقيداً، منذ عهد الإغريق والأساطير والطقوس الدينية، عندما بحث في علاقة الإنسان بالآلهة وجعل من القدرة قوة جبرية حاسمة في تقرير مصير الإنسان .

غير إن الإنسان وبالتالي البطل المسرحي , قد تمسك بحريته في جميع الأزمنة، وزاد عناده في تطوير معارفه من خلال التزامه السؤال والبحث، وبهذا فإنه اختار ذاته وحريته الفردية، وشخص مأساته بل حتفه في كثير من الأحيان، والقلق الوجودي خلق بذرة الشك في داخله، مما دفعه إلى الاحتجاج على حتمية القدر , وأدى هذا إلى تمجيد الإنسان كصاحب وعي وعقل شكاك ، أصبحت له أساطيره , حكاياته , وطقوسه الخاصة التي تعكس ازدواجية الخير و الشر في نفسه , وعلاقتهما بالمجتمع.

امتزجت أسطورة الإنسان وأحلامه بالحياة الاجتماعية للمدينة , من خلال التعبير عن جوهر المشكلات التي كانت تقلقه في مختلف العصور , وبشتى أشكالها المعقدة , هذا ما شكل الفضاء الطقسي , الاسطوري , الملحمي , والواقعي للمسرح.

لم تكن تعني المدينة منذ نشوئها وحتى اليوم، غير الإنسان في كينونة الوجود الاجتماعي , الذي لم يتشكل من المفاهيم الماورائية , بل من الصراع , الذي تحول من الصراع مع الآلهة، إلى الصراع مع المدينة والمجتمع محكوماً بالوعي , الذي يقود البطل ومدينته إلى الخراب الحقيقي أحياناً، كما هو الحال بالنسبة إلى البطلة الاغريقية انتجون , هاملت لشكسبير , نورا لابسن، غاليليه لبريشت , وغيرهم.

إن هؤلاء الأبطال يجدون ذواتهم الحقيقية، لأنهم قرابين لمدينة أو مجتمع جديدين. إنهم قرابين لتحقيق التطهير الأرسطوي , بمعناه الأوسع .

عندما يتم التأكيد في المسرح الإغريقي القديم على أن البشر هم عبيد لقانون غير معقول . أو التأكيد على الإحساس بلا معقولية الوجود , كما في مسرحيات يوربيدس بالذات، فمن السهولة أن نجد مرادفات للكثير من المفاهيم والافكار التي تمس حياتنا المعاصرة , فشعور الإنسان المعاصر بخضوعه لقانون فوقي لامبرر له , و حتمي في آن معاً , كما هي قوانين الآلهة , يشكل البذرة للتمرد , أو الصمت , أو الانتظار .

كشف المؤلف المسرحي الإغريقي عن مدينة يمكن أن تتغير وعالج مشاكل الإنسان الذي يستطيع أن يتدخل في مصيرها أو بالعكس فإن المدينة تقرر مصيره . ولم تكن معالجة المسرح الإغريقي لهذا التعقيد في الحياة عن طريق الأسطورة , كما في البدايات الأولى , بل عن طريق التصادم مع قانونية ومتطلبات الحياة الاجتماعية للمدينة. \ راجع دورية المعرفة السورية – العدد 200- \ .

ضمن ديناميكية الجدل بين المدينة والمسرح , و مع مسرحيات شكسبير بدأ النقد الاجتماعي للحياة , وتأثير معادلة الخير والشر والصراع بينهما , وازدواجية هذه العلاقة في ذات بشرية واحدة. فالبطل الشكسبيري لا يكون أحادي الجانب وإنما خاضع للديناميكية، لا يشكل نموذجاً لمجتمعه أو عصره فحسب , وإنما يمتلك القدرة على عبور الزمن وصولاً إلى مشاكلنا الحالية. من هنا ظل شكسبير يقلقنا إلى الآن. \ راجع فصل الملك لير في كتاب شكسبير معاصرنا ليان كوت \ .

تميز المسرح في أزمنة لاحقة بمعالجة المشكلات الاجتماعية بسخرية مرّة، وأدهشتنا المجالات التي خاض فيها مسرح القرن السابع والثامن عشر. وأكدت الكثير من الأعمال المسرحية على رفض المظالم الاجتماعية، وتطور هذا إلى التأكيد على النهوض الثوري الذي بدأ مع بداية القرن الماضي كما هو الحال في أعمال الكثير من المؤلفين العالميين.

لكن التطورات العظيمة في القرن العشرين الذي مر عاصفاً ومضطرباً في ذات الوقت , ومازال تأثير حروبه المعلنة والمخفية كبيراً على وجود الإنسان، أعطت إمكانيات جديدة للمسرح , فزاد الوعي الثوري والفلسفي في معالجته لشتى المشكلات الاجتماعية والفردية ضمن الواقع المضطرب, وطبيعة هذه المشكلات وحجمها خلق الوعي النقدي للفنان المسرحي , وساعد هذا على إمكانية المسرح وقدرته في التأكيد على جوهر المشكلات الأساسية التي تميزه .

أكد مسرح ما بعد الحرب العالمية الثانية حالة من الفوضى المنظمة , أي الفوضى البنائية من اجل خلق اللاتوازن في النظام الطبقي وكذلك في الوعي الاجتماعي للمدينة وإعادة خلق ديناميكية الوعي الفردي للإنسان الجديد بعد الحرب. فارتبط المسرح بالفلسفات العبثية التي نشأت بتأثير الحروب وخاصة الوجودية ، وتوزع الفكر المسرحي بتأثير جانبين: الأول , هو فضح النظام الرأسمالي ـ الاستغلالي وكشف الأسباب الحقيقية , والعدوانية للحروب والعمل على بناء وعي جديد وإغناء روح الإنسان من خلال التأكيد على الفكر الماركسي كأيديولوجيا يمكن أن تبني عالماً فوق الطبقات. وكان للعقل البريشتي الدور الكبير في تأكيد الايدولوجيا في المسرح , والمطالبة اللحوحة بالتغيير الاجتماعي .

أما الجانب الثاني , فهو إبراز الخواء الروحي للإنسان الخارج للتو من تحت أنقاض الحرب , مع الإشارة إلى استلاب هذا الكائن في عالم غير حر أساساً، وفي الآن ذاته تضخيم الذات الفردية وسط تناقضات حياتية عصبية نتيجة لخواء الحياة. وقد أكد هذا الاتجاه أيضاً على التناقض في الوجود والحياة والتأكيد على عزلة الإنسان، وقصور لغة التفاهم بين الإنسان والعالم المحيط. \ راجع كتاب فوضى العالم في المسرح الغربي المعاصر \

فإذا كانت المسئولية الاجتماعية وكذلك مسئولية المبدع , هي التي تتحكم في مستقبل المسرح فمن الضروري أن يصل إلى الجمهور ذلك الوعي وتلك القيمة الضرورية لكينونة الإنسان , لذلك يشكل اكتشاف لغة ووسائل المسرح المؤثرة التي تخلق الوعي الفكري والجماليات الفنية أهمية قصوى لخلق الوعي الاجتماعي وحوار الذات مع الآخر، ولا يمكن للمسرح أن يقوم بهذه المهمة مالم يعد صياغة فضائه سميولوجيا، من اجل أن يخلق الحساسية الديناميكية في وعي المتفرج أولا ومن ثم إعادة بنائه من جديد ثانيا، والمساهمة في الوعي الاجتماعي للمدينة ثالثا. ويتطلب هذا تغيرا في المفاهيم الأساسية للغة العرض المسرحي .

يصبح الجمهور متفاعلاً في الطقس المسرحي من خلال تمثله للسؤال المصيري الذي طرحه الفنان في العمل الفني ومن خلال تأثير الدلالات الصوَرية ، وهدف اللقاء بين الفنان والمتفرج في الطقس المسرحي هو الكشف عن التناقض الجوهري للواقع والحياة ، فيتضح حجم المأساة الحياتية الواقعة.

– 2 –

  يتجاوز المسرح كونه مسرحاً، لأنه أكثر الفنون ارتباطاً بالتجربة الجمعية الحية، وتعبيرا عن الإحساس بتمزق الحياة الاجتماعية، وبتجربة الحرية عندما تواجه الضغوط والعقبات التي لا يمكن تخطيها، وتنفجر أحيانا في صورة انتفاضات غير متوقعة.

ولا تنحصر الممارسة المسرحية الاجتماعية في النصوص والأعمال الدرامية فحسب، بل تشمل كل أشكال هذه الممارسة المتعددة في ارتباطها بالحياة الاجتماعية. وفي هذا المستوى يظهر مفهوم “التمسرح” أكثر عمقا وشمولاً من الشكل الدرامي المتمثل في المسرح . إن أنواع الرقص والتعبير الجسدي التي يمارسها أغلب الجماعات التقليدية، هي أساساً أفعال تمسرح .

من هذه العروض يستمد الإنسان القناعة المتكررة بوجوده وتأكيد حياته الجمعية. بل إن بعض المجتمعات لا تستمد وجودها نفسه إلا بواسطة هذه العروض الأسطورية. وخلال عملية الخلق الدرامي العفوية هذه، تظهر صورة تتراءى وكأنها تركز كل ما ينتظره الإنسان من نفسه ومن الآخرين، صورة تحدد تصور الشخصية الإنسانية كما تعرفها حضارة أو مجتمع من المجتمعات.

كل طقس ديني أو احتفال جمعي يحاول أن يمثل درامياً الأسطورة المرتبطة بالمقدس، ويجعل الوعي به في السلوك والحياة الاجتماعيين بواسطة مسرحته. وبإحياء الطقس واستعادة عروضه الإيمائية التقليدية، يتحول إلى نوع من الاحتفال، والاحتفال إلى نمط من الفرجة. وهذا ما تجسده كثير من الطقوس والشعائر الدينية العتيقة، والأشكال الاحتفالية والفرجوية التقليدية التي عرفتها كل المجتمعات الإنسانية.

تتلازم الدراما والدين تلازماً قوياً خلال تاريخهما، ويعودان معاً إلى جذر مشترك في الطقوس الدينية، فكلاهما تجربة جمعية , من الممثل إلى النظارة ومن النظارة إلى النظارة. والإنسان ، لا يقدر على العيش في عزلة، وهو مضطر لأن يكون جزءاً من قبيلة , من عشيرة , من أمة.

إن الطقس هو إحدى الوسائل التي تمارس بها القبيلة البدائية والمجتمع المتطور على السواء هويتهما. وكل طقس هو في الأساس درامي لأنه ببساطة يجمع بين المشهد كشيء يُرى أو يُسمع، وبين الجمهور الحي . يمكن إذن النظر إلى الطقس كحدث درامي – مسرحي، ويمكن النظر إلى الدراما كطقس.

يتبدى الجانب الدرامي من الطقس في أن كل الطقوس تتسم بشيء من المحاكاة. فهي تحتوي حركة ذات طبيعة رمزية ومجازية بدرجة عالية، سواء كان ذلك رقصة تمثل بها القبيلة حركات حيوانها الطوطمي , أو كان تكسير الخبز وشرب الخمر في القربان المقدس المسيحي، أو حلول الآلهة في الكاهن، كما في سحر الهنود الغربين ، فيأخذ بالتصرف والكلام مثلها.

في الطقس، كما في الدراما، يكون الهدف هو تحقيق مستوى متقدم من الوعي، وود، وتجديد للقوى الكامنة في الفرد لمواجهة العالم.

لربما كان ينطبق على الطقوس والاحتفالات المرتبطة بتجربة المقدس الشعبية تعريف فرويد للاحتفال، إذ يعتبره “إفراطا مباحا، بل ومنظما، وانتهاكاً بهيجاً للمحظور”؛ فالاحتفال تمثل ينتمي إلى النظام الرمزي، ولا ينبغي النظر إليه في حد ذاته بل باعتباره تجلياً لما يحدث في عالم الخيال الجمعي.

إن الانتهاك هو جوهر الاحتفال الذي يقوم على تمفصل ضروري بين الرغبة والمحظور عند الفرد: الرغبة في انتهاك المحظور دينياً ودنيوياً. ومن بين كل النشاطات الجمعية يربط الاحتفال بين هذين العنصرين ربطاً قوياً؛ فالاحتفال آلية هدم وانقلاب يحملها المجتمع في أحشائه، وغايتها القصوى هي التدمير، أي الموت: موت الرمزي. وهو فعل مستقل وعفوي ينفلت من كل توجيه سياسي أو اقتصادي أو ثقافي. وإن ما يفجره الاحتفال هو ذلك التطلع القوي إلى الهدم الذي تجهد الحكمة المحافظة نفسها لتتحكم في صيرورته وتحد من دفقه. ولا يكون الاحتفال مباحاً، بل وممكناً، إلا بقدر ما يحفظ الشروط الضرورية للوجود والحياة الاعتياديين. ولذلك كان الاحتفال دائما مصالحة مشحونة بالقلق وبالضرورات المتعارضة.

 

يتعارض الاحتفال مع الحياة الرتيبة لأنه مناسبة للالتحام بالمقدس، ولاستعادة الأزمنة العتيقة. وهو أيضا إلغاء، وإن كان محدودا في الزمن، للنظام الاجتماعي القائم ولمقتضياته وقواعده من أجل تجدده وانبعاثه. ولذلك اعتبرت إحدى وظائف الاحتفال استرجاع الأزمنة البدئية، أزمنة الخلق والانبعاث الكونية الأولى.

يمنح الاحتفال الجماعات الإنسانية القدرة على التحرر من ذواتها الفردية لتواجه اختلافا جذريا يجسده هذا الكون الذي لا شكل ولا قاعدة له، وإنما هو الطبيعة في بساطتها البريئة.

إن إحدى وظائف الاحتفال تتمثل في زوال السلطة والتراتب الاجتماعي ولو مؤقتاً، وعودة التساكن الاجتماعي , هذا ما تدل عليه الأعياد والاحتفالات القديمة منذ أعياد الفراعنة والإغريق والرومان واحتفالات العصور الوسطى الأوروبية، وهو ما يزال قائما إلى اليوم في الطقوس الدينية وفي الأعياد والاحتفالات الجمعية في المجتمعات التقليدية. ففي الاحتفال يصبح السيد عبداً والعبد سيداً، وتجلس العامة على موائد الملوك والسادة، ويصبح المهرج والبهلوان فيلسوفاً حكيماً. وهذا ما تقدمه لنا المقامات وخيال الظل والأراجوز والحلقة وفن الحكواتي وغيرها من أشكال الفرجة التقليدية.

ويمكن أن نصنف الأشكال التقليدية للفرجة –بحسب عناصرها الدرامية ووظائفها النفسية والاجتماعية – إلى صنفين رئيسين على الأقل:

· أشكال طقوسية ، ومنها الزار وطقوس الجذبة (الدراويش في الشرق العربي، مختلف أشكال الجذبة الطرقية في المغرب العربي)…، إلخ.

· أشكال فرجوية، تتمثل في المقامات وخيال الظل وفن الراوي…، إلخ. وهذه الأشكال كلها تشترك في طابعها التمسرحي وسماتها الدرامية.

نسعى من وراء هذا التصنيف إلى تحقيق غرضين أساسيين , فمن جهة لابد من التمييز بين أشكال الفرجة التي يطغى فيها الطابع الفرجوي اللعبي ، وبين الطقوس الدينية والاحتفالية التي تتميز بحضور قوي للمقدس وتكتسي طابعاً تمسرحياً في الآن نفسه. ومن جهة أخرى، ينبغي تحديد هذه الأشكال وإعادة تعريفها من منظور أنتربولوجي نقدي جديد، وعدم اعتبارها ” أشكالا ما قبل مسرحية” أو “ظواهر درامية” جنينية غير مكتملة أو غير ناجزة، أو ” ما قبل مسرح”… ففضلا عما في هذه التسميات والتصنيفات من غموض وإلتباس فإنها تعكس نظرة تطورية ونزعة مركزية أوروبية ضمنية، تجاوزتها الأنتربولوجيا الثقافية منذ زمن بعيد.

تعتبر التعازي الشيعية أو احتفالات” عاشوراء” التي يقيمها الشيعة خلال الأيام العشر الأولى من شهر محرم لتخليد ذكرى آلام الحسين واستشهاده في كربلاء وفاجعة أهله، أبرز تعبير تراجيدي وأعمق تجربة مأساوية عرفها المسلمون. وتنقسم التعازي الشيعية إلى ثلاث حلقات:

· المشاهد التي تسبق معركة كربلاء: زواج (علي) و(فاطمة)، طفولة (الحسين)، موت الرسول (ص)، موت (فاطمة)، خروج (الحسين) إلى كربلاء.

· مأساة كربلاء وآلام (الحسين) ومصرعه على يد (شمر) بعد تآمر عمال (يزيد بن معاوية) عليه.

· ما بعد المعركة حين يحمل الجيش الأموي رأس (الحسين) ومن نجا من النساء والأطفال أسرى إلى دمشق، وعودة من نجا من مذبحة كربلاء من أهل (الحسين) ومن تحرر منهم من الأسر إلى المدينة المنورة.

يختلف تأثير التعازي الجماهيري وأسلوب أدائها وعروضها من بلد إسلامي لآخر، ويتم التصرف في النص المذكور بحسب هذا الاختلاف، وتبدأ احتفالات عاشوراء في اليوم الأول من محرم، من كل عام، وهو تاريخ وصول قافلة (الحسين) الصغيرة إلى كربلاء، حيث تقيم خيامها المحرومة من المياه، عشرة أيام من الصيام والعويل والبكاء، وتتلو قصة الفاجعة المؤلمة على جماهير النائحين في كل يوم، وفي كل بلدة وقرية ومضرب من مضارب القبائل، ويظل الرجال يطوفون في الشوارع في كل ليلة من هذه الليالي العشر، وقد نزعوا ملابسهم حتى الخصر يضربون أنفسهم بالسياط والأغلال، ويبكون (الحسين). ويعاد تمثيل المعركة في كل عام في العاشر من محرم، خارج كل مدينة وقرية، وتمثل جماعة من الرجال في مخيم صغير صورة جماعة (الحسين) بينما يمثل فريق كبير جيش الأمويين، ويؤدي أحد الرجال الدور المخزي الذي لعبه (شمر). وبعد انتهاء التمثيل يسير الموكب إلى البلدة وقد حمل رأس (الحسين)، كما صار فيه موكب من الأطفال الصغار، وقد ألقوا بثيابهم على رؤوسهم ليخفوها، يمثلون دور الجثث، وتصور الرؤوس المقطوعة في شكل رؤوس من الخشب وقد طليت باللون الأصفر الشاحب، لتبرز صورة الموت. وتكتظ ساحة البلدة وأسطحتها بالنساء والأطفال وقد ارتفع البكاء والنحيب من كل مكان، بينما تسير القافلة في طريقها عبر البلدة. ولا ريب في أن هذا المنظر العاطفي يثير الشجن والألم، ولا يستطيع المرء أن يراه دون أن تسيل من عينيه العبرات .

تختزن التعازي واحتفالات عاشوراء عناصر درامية تتجلى في رسم الشخصيات التي ترمز إلى شخصيات تاريخية، وفي الملابس والأدوات والمواكب ووسائل الإيهام. كما أن النص يعيد عبر السرد، الأحداث التاريخية التي وقعت في العام الواحد والستين للهجرة في كربلاء. وبذلك تتوفر كثير من مقومات المسرح، وإن كان هذا المسرح يتخذ شكلاً جماهيرياً حياً، أي ما يمكن تسميته بالمسرح المعاش، حيث الناس أنفسهم ممثلون ومتفرجون يعيدون إحياء حدث تاريخي مؤثر، ويحيون تفاصيل شجونه، ويتطهرون في بحر فاجعته.

يرجع اكتشاف الشيعة للتعازي كشكل مسرحي تقليدي إلى سببين حاسمين متكاملين: الأول: سبب ديني، إذ يعود اكتشاف الشيعة للمسرح لكونها مرت بتجربة الانفصال عن الدين. فقد نسبت إليها جريمة مقتل (عثمان)، وكانت تعاني من الندم العميق لأنها مسؤولة بشكل ما على مصرع (علي) ثم (الحسين). لذلك اكتشفت الشيعة الشعور بالذنب ووخزات ضمير شقي. ثم إن وضعها خارج المدينة السنية، جعلها تكتشف قوانين اللاانتماء القاسية في نفس الوقت الذي أحست فيه بالقوة المحررة في الخروج عن القواعد، كما فقد التاريخ لديها براءته الأصلية وتلوث الميثاق الذي يربط الله بعباده بدم علي والحسين، وأصبح عليها أن تنظف التاريخ من نتائج هذا الخطأ، حتى يبعث الإمام المختفي من جديد وينقذ العالم. أما السبب الثاني فهو سياسي. فقد نشأت التعازي الشيعية في فارس حيث لم ير الفرس في حياة وموت الحسين قدراً مأساوياً فحسب، بل ضمنوا سيرة حياته الأليمة مطامعهم السياسية والقومية المكتومة .

وقد سنت السلطات الإيرانية في فترة ما بين الحربين، قانوناً صريحاً بمنع التعازي الشيعية، غير أن احتفالات عاشوراء ما زالت حتى اليوم في العراق في مدينة كربلاء بشكل لا يختلف كثيراً عن الشكل المذكور، وكذلك في لبنان وفي المغرب العربي.

تكتسي احتفالات “عاشوراء” طابعاً احتفالياً جياشاً في مجتمعات المغرب العربي فيختلط فيها الإيماء بالتنكر وألعاب الأقنعة والرقص وألعاب النار والكرنفال… ونجد في (ورغلة) و (بسكرا) في الجزائر وفي (مراكش) و(الصويرة) بالمغرب على سبيل المثال، نفس الاحتفال بعاشوراء بكل عناصره ومواصفاته المذكورة. أما مكان الاحتفال فهو الساحات العامة التي اشتهرت بما تشهده من أشكال الفرجة. فهي تمثل بالنسبة للمجتمعات التقليدية ” فضاءها المسرحي” الخاص والأصيل.

لكن احتفالات عاشوراء هنا أيضا لم تكن غير بذور وإرهاصات لم تتطور لإنتاج تعبير درامي. ويرجع ذلك لسببين: أولهما , يعود لفقر الميثولوجيا الإسلامية مقارنة بالميثولوجيا الإغريقية، والثاني محاربة المتطرفون الإسلاميون للعروض المسرحية حتى الدينية منها، وجهل الإسلام بفكرة الفداء المسيحية.

ليست عاشوراء مسرحاً، إنها احتفال، بذكرى مقتل (الحسين) واستعادة له. وليس الحسين أول من قتل في تاريخنا بهذا الشكل التراجيدي، لكن خصوصية قتله تكمن في تحوله إلى احتفال، إلى محاكاة تمثيلية بالألفاظ والحركات لحدث المقتل الفاجع. ولقد أعطى الاحتفال لهذا الحدث قشرة تراجيدية، صقلتها الممارسة المستمرة. وتقوم استعادة الحدث على ثلاثة عناصر: التوكيد على الصلة الدينية بالمقتول والتوكيد على الصلة السياسية الفكرية به، والتوكيد على محاربة الطغيان. هذه الممارسة مناسبة تعيد وضع الإنسان في مواجهة ظلم بلا مسوغ، وتعيد وضع الفكر في مواجهة عبودية بلا مسوغ. وهي من هنا تربط الظلم الأصلي والعبودية الأصلية، بظلم وعبودية مستمرين، بالحرية المسحوقة وبالعنف الشرير المنتصر. لذلك نراها ترتبط بمستويات نفسية قريبة إلى نوع من اللاشعور الجمعي. فليس الفرد هو – وحده – الذي يقيم في المأساوي ويمارسه، وإنما تقيم فيه وتمارسه جماعة بكاملها. وتردنا عاشوراء، كحدث تمثيلي يستعيد الحدث الأصلي إلى نوع من التناقض يفلت من التحليل العقلي. ويتمثل هذا التناقض في أن أشخاصا لم يخذلوا الحسين ومع ذلك يمارسون مسؤولية خذلانه، ويثورون ضد طغيان لم يواجهوه. إنهم أشقياء باسم غيرهم. إنهم الأبرياء المجرمون. هكذا يصير خطأ الماضي خطأ الحاضر والمستقبل، يصير عاماً وشاملاً. ولا تعود الفاجعة قادرة كحادثة بحد ذاتها على احتواء الفاجع كدلالة، فالجريمة، انتهت، لكن الشعور بالإثم لا يزال قائماً. غير أن هذا الحضور المستمر لعاشوراء يصبح غياباً حين يتحول إلى مجرد تكرار طقسي، ففي كل طقس تنعدم الفعالية، لأن لحظة التوتر تتراخى في التطهير، وهكذا يألف الإنسان ما نذر حياته لكي ينفيه.

إن المقاربة الأنثروبولوجية للأشكال الفرجوية، تكتسب مشروعيتها النظرية وأهميتها المنهجية من طبيعة العلاقة نفسها التي تجمع بين المسرح والأنثروبولوجيا: الأول باعتباره نتاج تجربة جمعية , يعكس رؤية للعالم، والثانية بما هي مقاربة ” شمولية للظاهرة الاجتماعية الكلية. وتقودنا هذه المقاربة إلى الاستنتاجات التالية:

1- ما من شك في أن أغلب أشكال الفرجة التقليدية يختزن عناصر درامية غنية تشبه عناصر الإيهام المسرحي، من شخصيات وملابس وحوار وتعبير جسدي ووسائل تنكر وألعاب أقنعة، مما يغري بمقارنتها بالفن الدرامي، واعتبارها أصولا ومنابع له، وإرهاصات بدائية بظهوره. غير أنه بين ما يعتبره عادة “أصولا” أو “منابع” للمسرح، وبين الأعمال المسرحية العظيمة خلال تاريخ المسرح، توجد اختلافات وفروق فكرية وموضوعاتية وجمالية وفنية جوهرية.

2- يقوم اعتبار تلك الأشكال “أشكال ما قبل مسرحية” أو “ما قبل مسرح” على حكم معياري يصنف هذه الأشكال في ضوء ” ما بعدها”، أي المسرح، ويستند إلى المسلمة القائلة بأن الخلق الدرامي ظاهرة كونية وتعبير نموذجي بالنسبة لكل الثقافات والمجتمعات. ويرتبط هذا الحكم بتمثلات القرن الثامن عشر وفلسفة الأنوار والنزعة الرومانسية القائلة بمفهوم الكونية الإنسانية. وتعتبر هذه المسلمة أن كل المجتمعات ينبغي أن تجد صورة وجودها وقدرها في نماذج المسرح الكلاسيكي. وقد نتج عن هذا النوع من الأحكام أن وجَّه النظرية والممارسة الدراميتين في الغرب في طريق مسدود، وجعل الثقافات الأخرى – في ظروف الشرطية الاستعمارية – تنحرف عن إمكانياتها الفرجوية الأصيلة، وتعبر بواسطة الفضاء المسرحي الغربي (الإيطالي) عن تجارب وشروط وأوضاع مغايرة.

3- إن اعتبار تلك الأشكال نواة أو إرهاصات لظهور الفن الدرامي لا يدرك جدلية الاتصال والانفصال التاريخية بينهما. فإذا كان لا يمكن، فعلا، نفي الأصل الطقسي الشعيري للمسرح، فإنه ينبغي أيضا التشديد على أنه لم يستطيع أن يصبح مسرحا إلا بانفصاله واستقلاله عن ذلك الأصل. هذا ما يدفعنا إلى التأكيد على مسألة أساسية بخصوص انبثاق الجنس الدرامي، ألا وهي مسألة القطيعة الدرامية التي هي التعبير الأسمى عن القطيعة التاريخية دينيا ومدنيا وأنطولوجيا. ونجد أمثلة لتلك القطيعة في المسرح الإغريقي القديم ومسرح شكسبير وراسين وسرفانتيس… إن تفسير الخلق الدرامي بالأصول والمنابع في إطار “تاريخ المسرح”، يواجه عقبات عديدة تتمثل أساسا في صعوبة التدليل على الاستمرارية والتسلسل من الطقوس الدينية العتيقة والأشكال الفرجوية التقليدية إلى انبثاق الفن الدرامي الناجز.

4- غالبا ما تتخذ أشكال الفرجة التقليدية صورة رهان للحضور، في ظل قاعدة غياب المسرح من تقاليدنا الأدبية والفنية في الماضي. في حين أنه يمكن النظر إليها كبديل للمسرح، كآليات دفاعية ثقافية على مستوى اللاوعي الثقافي الجمعي، في وجه الدرامية والتعبير الدرامي. إن هذا النوع من “المسرح المعيش” لا يفصح أبدا عن طبيعته وإنما يكتفي بكونه مسرحا يعيشه المتفرج، لأن الفاعلية الواقعية للاحتفال تتعارض مع الفاعلية الرمزية للمسرح؛ والتعارض بينهما لا ينحصر فقط في أكثر منهما، وإنما يشمل طبيعتهما نفسها.

5- شكل الاحتفال التقليدي والأشكال الطقوسية العتيقة وأنماط الفرجة المرتبطة بها، نوعا من المقاومة على مستوى اللاوعي الجمعي في وجه التعبير المسرحي والعرض الدرامي , وبقدر ما ستنتشر أشكال الفرجة السمعية البصرية الحديثة، بقدر ما ستتراجع أشكال الفرجة التقليدية، وتتحول إلى ما يمكن تسميته باللغة المفقودة.

6- إن أشكال التمسرح لا تتطور بالضرورة في كل المجتمعات، وبالتساوي، إلى فن درامي حقيقي. وإذا كانت أشكال الفرجة التقليدية دليلا على توافر إرهاصات ” تعبير مسرحي” خاص، فإنه تحديدا ذلك “المسرح المعيش”، المسرح العفوي الذي لا يفصح عن طبيعته كمسرح، وإنما كمسرح يعيشه المتفرج ويشترك فيه.

7- إن تلك الأشكال، بالرغم من انتشارها وتجذرها في الوجدان الشعبي، لم تستطع أن تكون منابع لمسرح عربي أصيل. ثم إنها حالت دون انبثاق الشكل الدرامي وظهوره عندنا، وشكلت بديلا قائما وراسخا يغني عنه. وعندما نشأ المسرح العربي في عصر النهضة، كان تقليدا أوروبيا خالصا، وكان جيل المسرحيين الرواد، في منتصف القرن التاسع عشر، يقيم أسس المسرح المكتشف، كما لو كان يبدأ من درجة الصفر، بلا ماض مسرحي وبلا جذور مسرحية/…


 

Advertisements

كتابة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: