دراسات نقدية- مقالات صحفية- قصص قصيرة- مسرحيات

الصحافة السينمائية تؤرخ مرحلة جورج دبليو. بوش لأوليفر ستون..


من غير المتوقع ألا يصنع المخرج أوليفر ستون فيلماً يخص الرئيس الثالث والأربعين للولايات المتحدة جورج دبليو. بوش، وهو الذي أخرج أفلاماً عدة عن رؤساء مثل كينيدي ونيكسون وفيدل كاسترو وياسر عرفات.. علماً أنه لا يتوانى عن تحويل القضايا الساخنة إلى أفلام، من أحداث فيتنام إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فكيف الأمر مع دبليو. بوش الذي كان صاحب القرار في الحرب الأفغانية وفي احتلال العراق..؟

ومن غير المتوقع أيضاً أن يتجاهل أوليفر ستون معارضته لغزو العراق منذ البداية، وميوله اليسارية وانتماءه إلى الحزب الديمقراطي الأمريكي في مناقشة موضوع الرئيس دبليو. بوش الجمهوري، اليميني، ليثبت أنه على خطأ في كل ما قام به أثناء فترته الرئاسية التي امتدت من 2001 حتى مطلع 2009، فهل كانت معالجته السينمائية محقونة بالغضب والاستياء، أم كانت عبارة عن رؤية موضوعية وتحليلية لشخصية استلمت رئاسة أقوى دولة في العالم لثماني سنوات..؟

لو شارك في حرب فيتنام، لما خاض حرباً على العراق!

جدير بالذكر، لا التأكيد أن نقاطاً هامشية ربما لعبت دوراً في فيلم أوليفر ستون (w.) منها أنهما، أي أوليفر ودبليو. بوش قد ولدا في نفس العام، أي 1946، وأنه درس معه في جامعة ليل قبل أن ينتقل دبليو. بوش إلى هارفرد لدراسة إدارة الأعمال، والنقطة الأخيرة هي أن ستون قد شارك بعد تخرجه في الحرب الفيتنامية كمراسل صحفي، في الوقت الذي تنصل فيه دبليو. بوش من المشاركة في الحرب، مفضلاً الانضمام إلى الحرس الوطني الغير مقاتل في أمريكا..!

تاريخ لا يبشر باستلام منصب رئيس؟

تنقل دبليو. بوش أثناء شبابه من العمل في الزراعة والتجارة والنفط، وكان له اهتمامات رياضية وخاصة في مجال البيسبول، وأنه انتقل إلى عالم السياسة فتولى منصب حاكم ولاية تكساس، ثم صار رئيساً للولايات المتحدة بعد أن تغلب على آل غور وجون كيري بأكبر حملة انتخابية في تاريخ أمريكا معتمداً على عدة شركات كبيرة وعدة رجال أعمال. ولا يغيب عن الذهن أنه ابن الرئيس جورج بوش الذي خاض حرب الخليج، وأخوه حاكم ولاية فلوريدا (جيب. بوش)، وهو حفيد عضو مجلس الشيوخ (برسكت. بوش).

واعتمد المخرج أوليفر ستون وكاتب السيناريو ستانلي وايسر، حسب تصريحاتهما، على عشرين كتاب صدر في أمريكا يتناول حياة دبليو. بوش وفترته الرئاسية، وأكد ستون حرصه الشديد على الإجابة على السؤال التالي: كيف استطاع جورج دبليو. بوش إن ينتقل من حياة مدمن الكحول والنساء إلى رئيس أقوى دولة في العالم؟

واقع بحت.. والأرضية مجازية

يبدأ الفيلم بمشهد افتتاحي يظهر فيه وجه دبليو. بوش الذي يلعب دوره الممثل جوش برولين، ثم تبتعد الكاميرا لتكشف عن ملعب بيسبول فارغ لا جمهور فيه، لكننا نسمع في الوقت نفسه أصواتاً حماسية تشجع دبليو. بوش الذي يقف في وسط الملعب وحده.

هذا الافتتاح يختصر الفيلم بكامله، وبشكل مجازي، حيث دبليو. بوش هو اللاعب الوحيد في لعبة الولايات المتحدة المحببة إلى قلبه مثل لعبة البيسبول، وكأن الملعب هو أمريكا، والجمهور الغائب هو الشعب الأمريكي الرافض لوجوده على أرض هذا الملعب، ودبليو. بوش يتوهم وجود جمهور ويتوهم أيضاً سماع الأصوات الحماسية التي تشجعه لمتابعة اللعبة. هذا المجاز يتموضع على أرضية الواقع السياسي والاجتماعي الذي عاشه دبليو. بوش في البيت الأبيض.

رئيس جديد.. وأسلوب مكرر

ينتقل ستون بعد هذا المشهد إلى طرح الأزمة أو فرضية الفيلم، وهي النقاش حول مفهوم دول الشيطان، هذا المفهوم الذي ظهر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية، ثم تبدأ عملية الاسترجاع الدرامية لشباب دبليو. بوش، مستعرضاً خطوات انتقاله من مرحلة إلى أخرى، وفي الوقت نفسه يجري تقطيع متناوب ليكمل تداعيات الفرضية ونتائجها، من تخطيط للحرب على أفغانستان والعراق. وهذه الطريقة المونتاجية هي نفسها التي استخدمها في فيلم نيكسون، مع توضيح الفرق بين الرئيسين، لكن نيكسون كان شخصاً معقداً وعميقاً، على خلاف دبليو. بوش الأخرق والأرعن والبسيط.

بورتريه كاريكاتوري..

ركز ستون على تصوير الرئيس دبليو. بوش بصورة فيها سخرية واستخفاف لتعطي للفيلم مسحة كوميدية سياسية، فبدأ بتصويره على أنه شخص فاقد للكاريزما يدير الاجتماعات بخفة يعيد فيها ما يردده وزراؤه ومستشاريه، مع توضيح دور كارل روف، ذلك الشخص الخفي الذي كان يتحكم بكل جملة يقولها دبليو. بوش. ويصوره ستون على أنه يتخذ أكثر الآراء تطرفاً وعنفاً. ويظهر كشخص نهم لا يتوقف عن الأكل والشرب وبطريقة غير لائقة، ويظل عاقداً للمقارنات بينه وبين الرؤساء الذين قبله..

ويؤكد ستون نقطة في غاية الأهمية، هي أن دبليو. بوش عندما خسر أبوه في الانتخابات أمام كلينتون اتهمه بأنه لو أطاح بصدام حسين في حرب الخليج لفاز في الانتخابات، ثم يضيف ضمن أحداث الفيلم بأن الحرب على العراق كانت لأسباب شخصية تتعلق بالثأر، فدبليو. بوش يعتبر أن صدام حسين حاول اغتيال أبيه أثناء زيارته للكويت 1993، هذا بالإضافة إلى الطمع بمصادر الطاقة.

شباب أرعن، وسلوك مهزوز

أما مرحلة الشباب فكانت مليئة بالنساء والخمر، كان فيها دبليو. بوش سريع الإيقاع بشكل كوميدي، وصاحب نظرة بلهاء، رجل سكير وزير نساء، لم يستطع أن يتابع اهتماماته الرياضية، وفشل في العمل في مجال النفط ولم تناسبه التجارة ولا الزراعة، ولم يقدر على الاستمرار في الحرس الوطني، مثير للمشاكل ولا يفي بوعوده، ويعاني من عقدة نقص بسبب والده الذي يفضل أخاه (جيب. بوش) عليه، ويتهمه بأنه أخرق ومبتدىء.

وحالما يبلغ دبليو. بوش الأربعين حتى يقرر الإقلاع عن الكحول، ويتحول إلى التدين، ويقرر في جلسة قمار أن يدخل عالم السياسة، ويترشح لمقعد تكساس في الكونغرس، ثم يصير حاكم ولاية تكساس – تحدياً لقرار أبيه – وأخيراً يقرر الترشح لرئاسة أمريكا لأنه تلقى رسالة من الرب يطالبه فيها بترشيح نفسه، وفعلاً يصير رئيساً للولايات المتحدة.

بوش الأب.. بوش الابن!

يركز ستون على العلاقة بين دبليو. بوش وأبيه جورج بوش، حيث يتعارك الابن مع أبيه أكثر من مرة، رغم أن الابن ظل تواقاً لإرضاء أبيه، وكرر الابن أكثر من مرة أنه محبط من عدم التخلص من ظل أبيه. إنه يمتلك كفاءة ومواهب محدودة لا تؤهله لقيادة دولة عظمى، حتى أن شبابه ونشوءه لا يدلان على أنه رجل مهيأ للرئاسة! ورغم أنه لا توجد دلائل تؤكد هذا الخلاف الواضح بين الأب والابن، وليس هناك ما يؤكد أن الحرب على العراق كانت لإرضاء الأب، إلا أن أحداث الفيلم كانت مترابطة بشكل محكم ومقنع لدرجة التصديق لكل تفصيل.

نهاية ملؤها الندم والحسرة..

ينتهي الفيلم بتصريح دبليو. بوش عن ندمه الشديد على الإخفاق الذي منيت به إدارته في قضية أسلحة الدمار الشامل، وإعلان جدول للانسحاب من العراق، وبذلك يختم ستون مرحلة رئاسية فاشلة مروراً بالتكوين النفسي المرتبك وللقدرات العقلية المتواضعة وللسلوك المضطرب لشخصية دبليو. بوش.

خيبة أمل من مخرج مجتهد..!

لقد أخرج ستون أفلاماً كثيرة أثارت الجدل والانتقاد وكان لها أثراً في توثيق مراحل مهمة من تاريخ أمريكا وبعض دول العالم ذات الوضع السياسي المتأزم، وكثيراً ما اتجه إلى التجريب والتغيير، لكن هذا الفيلم لم يترك هذا الأثر رغم تزامن فترة عرضه مع انتهاء ولاية بوش وقبل بداية الانتخابات الرئاسية الجديدة بثلاثة أسابيع، ورغم ثورة العنف والرفض العالمية والأمريكية لسياسة دبليو. بوش وما تركته من أثار سلبية لن تختفي آثارها بانتهاء ولايته. ويبدو أن ستون لم يكترث لتداعيات هذا الفيلم، وتابع عمله في التحضير لفيلم عن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، وفيلم آخر عن الرئيس الفينزويللي هوجو تشافيز، والأمل أكبر في تقديم سوية فنية وفكرية تعيده إلى ألقه السابق وهو الذي حصد خمس جوائز أوسكار بكل جدارة.

Advertisements

كتابة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: