دراسات نقدية- مقالات صحفية- قصص قصيرة- مسرحيات

في كتابها الجديد ( نسيان. كُمْ ) تعالج النساء بالضحك عليهن

أحلام مستغانمي.. تسأل: أين ذهب الرجال؟

 

    لا يكفي الكاتبة والروائية الجزائرية أحلام مستغانمي أن يكون عنوان كتابها الجديد كعناوين المواقع الالكترونية، والاستفادة من حرف الميم للدلالة على تحديد جنس من يجب نسيانهم – وتقصد الذكور–، ولا يكفيها أن تُرفق الكتاب بسيدي يحتوي على أغان تدعو للنسيان بصوت المغنية جاهدة وهبة، بل تزيد على كل هذه التفاصيل بملاحظة مكتوبة بالخط الأحمر على غلاف الكتاب تحظر فيه بيع الكتاب للرجال، وكأنها تثير فضول الجنسين لشرائه مهما كان الثمن.

أحبيه كما لم تحب امرأة.. وانسيه كما ينسى الرجال

    بعد هذه الجملة الطنانة التي بمثابة الفاتحة، تهدي مستغانمي كتابها إلى قراصنة الكتب المنسوخة أولاً لأنهم السبب في انتشارها، وكأنها تدعوهم إلى قرصنة هذا الكتاب من جديد، بدلاً من أن تردعهم. وتضيف بتعميم المجد للصوص، فهذا الزمن هو زمن الأيدي التي تنهب، ثم تنتقل ضمن الإهداء نفسه إلى إهداء الرجال، لا الذكور، الذين بمجيئهم تتغير الأقدار، والذين سيتسللون لقراءة هذا الكتاب. وفي تمييزها بين الذكور والرجال تضع نفسها في تناقض، لأنها تقول: ليخبر قارئ هذا الكتاب من لم يقرأه منكم.. فكيف تخصص هذا الكتاب للنساء وتتحدث بصيغة المذكر؟ أليست هذه فاتحة سلسلة من تناقضات ستملأ صفحات كتابها الجديد؟

    وتطلب الكاتبة من قرائها الاشتراك بالموقع الالكتروني لتضم أكبر عدد من المؤيدين، وتدعو فيه إلى شريحة نسائية جديدة، تُبنى مبادئها الأساسية على النسيان، بلا تاريخ ولا شعارات ولا خطط. وهذا عكس محتويات الكتاب، لأنه مملوء بالشعارات والأقوال المأثورة، والمشكلة أن معظم أصحابها رجال، وقلما يمر قول أو حكمة لامرأة. هذا غير الخطط الكثيرة التي تضع فيها مراحل نسيان الرجال بكل دقة، وكأنها تشن حرباً ضروساً تدرك خطورتها على أبناء جنسها.

بنات شهرزاد يقررن نسيان شهريار

    تكيل مستغانمي اتهاماتها على الرجال الذين لم يكترثوا لتحذيراتها بعدم قراءة الكتاب، وكأنها بذلك تجذبهم إلى القراءة بإثارة فضولهم لمعرفة محتوياته، وتبدأ نعت الرجال بكلمة (فصيلتكم) وكأنها تدلل على أنهم أقرب للحيوانات، لا للبشر.. وتريد محاربة الذكورة دفاعاً عن الرجولة، وتُدرج تعريفاً تعجيزياً للرجولة التي تريدها، وفي الوقت نفسه لم تذكر ضمن اتهاماتها في الكتاب كلمة (ذكور)، بل كل الاتهامات منسوبة لكلمة (رجال)، فكيف تحارب الذكورة وتدافع عن الرجولة، ثم تهاجم كلمة الرجولة نفسها؟

    تتكلم الكاتبة على لسان كل النساء العربيات بأنها ضد الفحولة، وتطالب الرجل بالتحلي بأخلاقيات جديدة حتى يكون جديراً بالنساء، لأن اختفاءها شكّل خللاً في المجتمع.. وتُلصق كل المشاكل الكونية بغياب الرجولة، وكأنها تريد أن تقول إن الأرض تشتكي من هذا الغياب، وصارت تطالب بمن يغار على أنوثتها. وتأتي الكاتبة نفسها بمغالطة واضحة حيث تطلب من كل النساء أن يتشبهن بأمهن الأرض، لأنها لم يستطع أحد إسكاتها.. إذاً لماذا لم تستطع الأرض معالجة الاحتباس الحراري وثقب الأوزون بنفسها، ما دامت لا تسكت على ضيم؟

ألف وصية.. ووصية

    تشتمل الوصايا على جملة من النصائح تبدأ بطلب مستميت من الكاتبة لقراءة هذا الكتاب، وتمهد للنساء أن على النسيان يمكن تأسيس ذاكرة جديدة، ومن دونها لا يمكن لحب جديد أن يولد، وتدلل على أن الأدب هو المرشد العاطفي للنساء، وتتهم الإنسان العربي بأنه قدري وعاطفي، وتقارنه بالإنسان الياباني العقلاني. وعلى أساس هذه المقارنة تقرر وجوب الدخول في الحب بشيء من العقل.

    النساء هن الضحيات.. هذا التعميم – القاتل- الذي يخلع عن كل وصاياها صفة الموضوعية.. ولا تكتفي بذلك، فتسهب في شرح قصص المعذبات جراء غياب الحبيب المفاجئ، وتعرض صوراً لعذابهن، وتضيف أن على المرأة ألا تطلب اللجوء العاطفي إلى السرير، لأنه سيسلمها لعدوها، فالسرير ليس مكاناً آمناً لامرأة تنشد النسيان، فالنوم سيحمي ذاكرتها، لأن المخ يخزن كل ما يعتقد المرء أنه نسيه خلال النهار.

    ألم النسيان ليس قدراً، بل اختيار.. وهو بحاجة إلى إرادة قوية وصدق بالغ، وتشكك مستغانمي بالرجال لأنهم أكثر خيانة وسادية، وتدعو المرأة إلى التطرف في الحب دون سابق إنذار، وفقدان العقل دون رادع، لتقول لها: أحبيه كما لم تحب امرأة.. فكيف تنصح هذه النصيحة وتطلب منها في الوقت نفسه أن تنساه كما ينسى الرجال؟

    يجب على المرأة أيضاً أن تتحلى بالصمود والصمت، وألا تستسلم لشهوة الانتقام بعد الانفصال، بل يجب عليها أن تتفوق على الرجل حباً.. وإن ظلت مصرة على الانتقام، فلتنتقم بمزيد من الحب.

    وتتهم الكاتبة الرجال بأنهم أصحاب عادات، وكأن النساء لا عادات لهن.. وتقترح عليهن أثناء عملية النسيان ضرورة الابتعاد عن الأغاني العاطفية، وبما أن أغلب الأغاني العربية عاطفية المعاني، لذا لم يكن لديها إلا أن تطلب منهن الاستماع إلى شوبان وشتراوس وغيرهم من الموسيقيين الكلاسيكيين الغربيين.. فتخيلوا النساء العربيات يستمعن إلى الموسيقى الكلاسيكية كي ينتصرن على غياب الرجال! وتنهي مستغانمي وصيتها بجملة: (احزني بحضارة.. يا متخلفة.)

    تقول لها في وصية أخرى ألا تصدق الأساطير لأن مؤلفيها رجال. وتنبهها إلى أن العمر أقصر من أن تمضيه المرأة في انتظار رجل. وتنصحها بتناول الشوكولا اعتماداً على استطلاع تم في كندا أكد أن أكثرية النساء يفضلن تناول الشوكولا على ممارسة الجنس!

    وتنصح المرأة بالصلاة والتسلح بالإيمان وتستحثها على الدعاء بعد صلاة الفجر والبكاء بحرقة وتلاوة بعض الأدعية مثل دعاء المؤمنة والمخدوعة والمظلومة… وغيرها من التسميات التي تصنفها هي بنفسها وتسميها وتؤلفها وتنتقيها.. لتجد المرأة الخلاص من غبنها وإحباطها بعد هجران الحبيب.   

الوفاء مرض عضال يصيب الكلاب.. والنساء الغبيات

    تتهم الكاتبة – بمحض القصدية – النساء العربيات بالغباء والحماقة لأنهن يتمسكن بالوفاء للرجل، وتسبهن وتلعنهن مستخدمة ألفاظاً مثل: كفى يا حمقاء.. نساء غبيات.. إلخ. هل وصلت إلى هذا الحد من التقليل من شأن النساء، وهي  التي تخص لهن هذا الكتاب بالذات، وكأنهن قطيع من البقر في مزرعتها الأدبية؟ أم هي تستغل قوة تأثيرها على النساء العربيات، فتساهم بشكل متستر في استمرار جهلهن، كي لا تفقد سيطرتها عليهن؟

صدقة جارية..!

    تمنّ الكاتبة على قرائها معتبرة كتابها هذا بمثابة صدقة جارية، وسعره يصل إلى ما يقرب من العشرين دولار..! ثم تستشهد بكتّاب وقصص من كافة الجنسيات العربية..! أهذا نوع من الشمولية في معالجة الموضوع، أم نوع من أساليب تحقيق أوسع انتشار للكتاب على اعتباره سلعة تجارية لا أكثر؟ ولماذا كررت ومحصّت وأسهبت وأعادت نفس الأفكار بقوالب وزركشات مختلفة حتى تملأ هذا الحجم الكبير من الصفحات؟ وكأنها تريد أن تقول للنساء: التكرار يعلّم.. الشطار!

ميثاق الشرف الأنثوي

    تخطئ الكاتبة حين تقول في إحدى وصاياها إن المرأة التي تقرر النسيان هي (أخت الرجال..) فهي بهذه الجملة تنسف كل ما قالته في كتابها، ويصير الكتاب وكأنه نوع الغنج النسائي الذي يتخذ أسلوب التمنع والنفور بغية تحقيق أعلى نسبة من الجذب والحبور.

    ويأتي ختام الكتاب بميثاق الشرف الأنثوي الذي تتعهد فيه المرأة بأنها لن تدخل في حب جديد، إلا وفي رأسها ثقة كاملة بعدم وجود حب أبدي، وأنها لن تبكي على رجل فلا يوجد من يستحق دموعها، وسوف تكون جاهزة للنسيان..

    والذي يثير الجدل والسخرية هو ملاحظة مكتوبة في أسفل الصفحة تطلب فيها الكاتبة من كل امرأة تقرأ الكتاب أن توقّع على هذا الميثاق. ولا تكتفي بذلك وحسب، بل تهدد النساء بأنهن إن لم يقتنعن بكتابها ويوقعن على الميثاق، فسوف تكتب كتاباً خاصاً بالرجال، وسوف تحظر بيعه للنساء.. إذاً المسألة ليست تبني لقضية المرأة، بقدر ما هي أمر بالانصياع، وليس من المستغرب أن يُنشر كتاب جديد بعنوان: (نسيان. كن)!.. أليس تحويل الصراع على المرأة إلى صراع على الرجل هو وقوع في نفس الحفرة؟  

Advertisements

كتابة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: