دراسات نقدية- مقالات صحفية- قصص قصيرة- مسرحيات

أكثم سليمان

الموت نثراً.. في جملة اسمية

 

    لم يمنعه عمله كمراسل في قناة الجزيرة الإخبارية من التفرغ لكتابة القصة القصيرة – إن جاز لنا بتسميتها كذلك-، فأنجز باكورة أعماله في مجموعته القصصية الموت نثراً.. لكن، هل استطاع أن يخرج من عالم التحقيقات الصحفية والمتابعات الإعلامية، حتى يدخل في عالم الكتابة القصصية والأدب دون خلط في المصطلحات؟ وهل ستترك قصصه أثراً في نفوس قراء الأدب، أم في نفوس متابعي النشرات الإخبارية؟

    أكثم سليمان.. شاب سوري أنهى دراسته الثانوية في دمشق، وانتقل إلى ألمانيا لدراسة الإعلام والصحافة، ثم استقر بعد تخرجه في برلين، وعمل في عدة صحف ومجلات، إلى أن صار الآن مدير مكتب قناة الجزيرة في برلين. وليست قصصه – في معظمها – إلا محاولة لتصوير الغرب بقلم عربي، لا يرغب في توجيه الاتهام، ولا يسعى إلى التبرير.

    لقد صنّف مجموعته القصصية في جماعات، كل واحدة تحتوي على ثلاث أو أربع قصص قصيرة على الأكثر، يبدؤها بجماعة رنين الأمكنة، التي يصف فيها شيطنات الهواتف على اختلاف أنواعها، ويعطي لكل قصة عنواناً يعبر عن رمز النداء العالمي لكل دولة يحكي عنها، إما من خلال الحنين إلى الوطن والضيعة، وإما من خلال الغربة التي تخلق عدم الانسجام بين الأنا الشرقي والآخر الغربي.

    يمر بعدها على جماعة أخرى بعنوان الضمائر المستترة.. التي تصير فعلاً وفاعلاً ومفعولاً به، عبر جريان الأحداث ضمن القصص، في ثنائية الذكر والأنثى، بين الهنا وهناك. من امرأة تعيش في ظل رجل، ولا تقدر على الانفصال عنه، إلى امرأة تطرد رجلها لأنه لم يتقبل فكرة وجود وشم على صدرها.

    أما جماعة للأسماء أسماء أخرى فتحكي عن بعض عادات الغرب فيما يخص العلاقات بين المثليين، وطقوس الانفصال والتلاقي بين النساء والرجال بشكل ميكانيكي، وعن المسيح الجديد في أوروبا، ذلك الذي صار مسخاً من هول ما يرى أمامه من حضارة أفرزت شذوذاً إنسانياً أشبه بيوم القيامة.. وصار الأوروبيون لا يختلفون عن بعضهم إلا بطول الذيل لا أكثر.

    وتختلف جماعة الموت نثراً عن غيرها برجوعها إلى الذاتي، حيث يصف الكاتب موته نثراً في جملة اسمية تتوزع على قصتين، مبتدؤها الغربة والحنين والبحث عن لقمة العيش في عالم لايرحم، وخبرها صراع مستميت بين الأب والأم لا يتابعه إلا الابن المغترب، قوامه الانتظار، والموت من ثقل الواقع.

    ينتقل بعد ذلك إلى جماعة الرياضيات المعاصرة.. تلك الجماعة التي تروي قصصاً عن الجبر والقسرية بين الأقوى والأضعف، وعن المتتالية العددية في التحطيم والتكسير التي تجعلنا أشبه ما نكون بالحشرات الزاحفة، هذا غير معادلة الحب بمجهولين، حيث تعذّر اللقاء وصار مصطلحاً رياضياً بلا حل.

    تأتي بعدها جماعة الطيران بأجنحة مثقوبة.. خشية السقوط، حيث تذكر القصص الثلاثة التي فيها ثنائية الفوق والتحت، الأنثى والذكر، الرئيس والمرؤوس.. إلخ في عرض درامي لعملية استنساخ مستمرة لن تنتهي البتة.

    وتنتهي مجموعته القصصية بجماعة رباعية الأرباع الأربعة، التي تحكي عن عاداتنا وتقاليدنا المغمّسة بتراث الشرق بما فيه من تعلق دائم بالوهم والخرافة، وانجذاب طبيعي لقيمة الفرد المسيّر بدل حرية الاختيار فيما يجري معه من أحداث، وما ينعكس علينا من وحدة وانغلاق.. رباعية سيئة الطالع مهما اختلقنا من مسميات وعناوين.

    إن كانت تلك القصص تختلف في مضامينها، فهي مختلفة أيضاً في الأسلوب السردي، ويلاحظ القارىء الفرق بين أسلوب النصف الأول من القصص، وبين النصف الثاني منها، وكأنها كتبت على فترات متباعدة عكست بالتدريج نضوج تناول الشخصيات والأحداث وطريقة طرح الأفكار.

    ففي النصف الأول من القصص يتضح التكثيف والتلخيص لدرجة الغموض، ويظهر القفز الإيجابي الذي لا يخرج عن مسار الأحداث، لكنه يخلق الالتباس ويركز على هدف الوصول للخاتمة لتقديم مقولة القصة بالكامل. وتصير الخاتمة في المحصلة أهم من البداية وأهم من الشخصيات، هذا غير الاهتمام بالفعل الخارجي التوصيفي للشخصية والحدث على حساب الفعل الداخلي، الذي من المفترض أن يبرر سلوكها. هذا غير الإغراق في الترميز والتشبيه والاستعارة في مجمل القصص لدرجة توقع القارىء في حالة إبهام وحيرة تشمل تحديد الهدف والغاية.

    أما في النصف الثاني من القصص، فنجد أن الشخصيات صارت حية ومتحررة إلى حد ما من سلطة الكاتب، وصارت تصرفاتها مقنعة أكثر من شخصيات النصف الأول. أما تصاعد الأحداث فتطور بشكل ملحوظ بين القصة الأولى والقصة الأخيرة. وأصبحت الحبكات مقنعة ومنطقية، على خلاف الحبكات السابقة التي تفرض نفسها عنوة لتحقيق هدف القصة. هذا وقد اختلف الأسلوب وصار أقرب إلى الواقعية، دون استعجال للوصول إلى نهاية ومقولة كل قصة.

    لكن نصفي المجموعة لا يبتعدان عن مطب الريبورتاج، فهي أشبه ما تكون بعملية استطلاع شاملة وجدت ما هو غير مقبول فاقتربت منه وعرضته بشكل أدق، معتمدة على المرور السريع بالشخصية على حساب الهدف، وتحولت كل شخصيات القصص إلى عينات واضحة لنقطة ضعف ما تعيشها شخصية البطل، وليس لها إلا أن تنتظر تغيراً ما، سرعان ما يأتي على يد الكاتب ليعطيها الحل دون مبررات.

    إن السؤال المحير الذي يطرح نفسه بالنسبة لعمل قصصي مثل هذا، هو إما أن تكون هذه القصص لا علاقة لها بعالم الأدب، لأنها لا تعترف بما يسمى بالعناصر الدرامية بالشكل الواضح، والمفترض به أن يتضمن بناء القصة، بل تكتفي بأن تكون عبارة عن مواقف شخصية مصاغة بطريقة نثرية، وفيها بعض الجمل الشعرية المرتبة على نحو يستدعي الإبهار، وتفترض أنها تقدم مقولات وأهداف تعني كل القراء، وهذا ما يجعلها أقرب إلى الشعر، منها إلى القصة؟ وإما أن تكون هذه القصص طرحاً جديداً وطليعياً في عالم القصة القصيرة، حيث تعتمد التكثيف والمجاز والرمز والغموض بعيداً عن العناصر التقليدية المفترض تواجدها؟

    هذا السؤال يطرح سؤالاً ثانياً، يعني الكاتب أكثر مما يعني القصص، فهل يحق لأكثم سليمان، الذي لم يعش بعد معترك الكتابة الأدبية أن يكتب مثل هذه القصص أم لا يحق له إلا أن يكتب قصصاً تلتزم بكل العناصر الأكاديمية لكتابة القصة؟

    هل يستطيع المراسل أو الصحفي أن يجري تحقيقاً صحفياً دون قيود، بنفس الطريقة التي يكتب فيها قصة قصيرة؟ وإن كان الحال في الصحافة يفرض ذلك على المراسلين، فمن المسؤول عن تحديد هذه المهام في عالم القصة القصيرة، ومن يجب عليه فرض القيود على كل من يشمر عن ذراعيه حباً في كتابة القصص؟

وعلى سبيل الافتراض لا الجزم.. إن كان القراء لا يستطيعون التفريق بين القصة والقصيدة، فإنهم يفرقون بين التحقيق الصحفي التقليدي، وبين التحقيق المنفلت من القواعد. أليس قراء الأدب هم نفسهم من يتابعون نشرات الأخبار؟          

Advertisements

كتابة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: