دراسات نقدية- مقالات صحفية- قصص قصيرة- مسرحيات

سمر يزبك وروايتها الجديدة

رائحة القرفة.. تستحضر النشوة والذكريات.. وللنساء فقط

 

    في علاقة حب دفين، وغير عادي بين سيدة وخادمتها تدخل سمر يزبك الإعلامية والروائية السورية عالم روايتها الثالثة، بعد رواية (صلصال) و(طفلة السماء) لترفع الستار عن أسرار بعض العائلات الشامية العريقة. وتلقي الضوء على مدن الصفيح الدمشقية وما تخفيه من قصص. وعلى إثر حادثة بسيطة تفتح كل الأبواب المغلقة على أسرار الجنس بين النساء وأسرار العنف ضد الأطفال في آن معاً.

رائحة القرفة لا تشتمها إلا النساء

    لم يكن عنوان الرواية إلا تفصيلاً محورياً تعتمد عليه قصة الرواية، وهو في الوقت نفسه مدخل كل الأحداث التي جرت بين حنان السيدة الدمشقية النبيلة والمطيعة والمطالَبة بالمحافظة على تراث دمشقي امتد لمئات السنين، وبين عليا الخادمة الفقيرة والمتمردة على فقرها وذلّها والمتنكرة لأخلاقيات مدن العشوائيات التي خلّفت مزيداً من الفقر والعنف والشذوذ.

    رائحة القرفة هي الرائحة الأولى التي انبعثت لحظة اللقاء الجنسي بين عليا الخادمة وسيدتها حنان، فكان لها النصيب الأكبر في نبش ذكريات عشر سنوات، بعد أن طردت حنان خادمتها لأنها خانتها مع زوجها أنور، فهل كانت خيانتها شرعية أم أنها دخلت في المحظور؟

فوق.. تحت، والقصة باختصار

    أمضت عليا العشر سنوات الأولى من حياتها مع عائلتها المؤلفة من أبٍ شره وعاطل عن العمل، ومن أم مضطهَدة، ولا رأي لها، مع كومة من الأطفال في البيت المؤلف من غرفة واحدة. أمضت عليا كل هذه السنين وهي تتعرض لقصص جعلتها تضطر لحمل السكين على خصرها، وتستعد لضرب كل من تسول له نفسه مواجهتها من شباب الحارة التي تعيش فيها.

    فأول قصة تعرضت لها هي مشاهدة أمها كل ليلة وهي تُسحب من شعرها حتى تقضي حاجة الأب الشهواني. هذا غير قصة أختها الكبيرة التي تعرضت للضرب المبرح من أبيها فأصيبت بالشلل، وقصة عمل عليا في جمع الزجاجات من حاويات الزبالة وتعرضها للتحرش العنيف، مما دفع أباها إلى أخذها وبيعها لإحدى العائلات الغنية في حي المهاجرين. وهنا تجد نفسها في حضن حنان السحاقية..!

    حنان.. زوجة التاجر أنور، ابن عمها، العاقر، الذي قرر الطلاق من زوجته السابقة حباً في ولد يحمل اسم العائلة، فكان الخيار السليم هو حنان، التي لم تستطع أن ترفض لأنها لم تتعلم إلا الطاعة في منزل له قواعده ونظامه. ومرت الأيام ولم ينتفخ بطنها، فتبين أن أنور هو السبب، وظلت حنان تكرهه، وصارت تمضي أوقاتها في منازل السيدات الراقيات اللواتي يمضين معظم وقتهن في السهرات السرية، النسائية بامتياز. وتتعرف حنان على السيدة نازك، وتجد عندها سلوان القهر الذي ذاقته مع زوجها. وتكتشف كنوز جسدها من جديد بأيدٍ نسائية محضة، وتدمن على السيدة نازك لتهرب من وحدتها وعجز زوجها، ومن طاعتها العمياء لأوامر أهلها المحافظين على قشور الواجب والعرف.

فصل الأصابع السحرية

    تدخل عليا في حياتها وتبدأ بكشف أوراقها لتصير متنفسها اليومي، والمطيع لرغباتها. وتوافق لتكسب رضا سيدتها ولتبقى بعيدة عن منزل الفقر والبشاعة الذي عاشت فيه، ويوماً بعد يوم تبتعد حنان عن أجواء السيدة نازك وتتفرغ لحياتها الخاصة مع عليا، التي تنظف المنزل في النهار، وتلعب بأصابعها السحرية مع حنان التي تنتشي وتنام وكأنها وجدت الخلاص من كل آلامها.

    ويأتي اليوم الذي تنسى عليا نفسها فيه وتنام في حجرة حنان وعلى فراشها، ويطلع الفجر وتستيقظ عليا على صراخ حنان وإهاناتها لأنها سمحت لنفسها بأن تنام على فراش سيدتها. عندها تصل عليا إلى القرار النهائي برد فعل قاس وهو ذاك الرجل الذي لا يقوى على شيء، زوجها العاقر.

    بدأت عليا مخطط الإيقاع بسيدها ونجحت. وصارت كل ليلة تشبع رغبة الزوج والزوجة، كل على حدا، وبسرية مطلقة، حتى تصل اللعبة إلى نهايتها بغلطة صغيرة. وتكتشف حنان خيانة عليا مع زوجها وتطردها من المنزل. وتصارع حنان ذكرياتها حتى تشعر بالندم من فعلتها، وتصرّ على البحث عنها بعد خروجها من المنزل، بعد عشر سنوات من التحكم بكل تفصيل، مع أنها خادمة لا أكثر. تخرج حنان لتبحث عن عليا، وكأنها أضاعت معنى وجودها، ولابد من الإمساك به.

حوّاء.. وما أدراك ما حوّاء

    إن تركنا مناقشة التصوير الروائي لطبقتي المجتمع الشامي جانباً، وما يحتويه من ثنائيات، كانت صادقة في نقل الواقع بكل حسناته وسيئاته، وركزنا على الأطروحة التي تعالج ثنائية الذكر والأنثى فإننا نجد كل رجال الرواية، إما متوحشين أو عاجزين، ومضطهِدين للمرأة على العموم. فالرجل لا يسمح له بكشف أسرار الأنثى لأنه عاجز عن فهمها. الرجل ليس إلا طاقة جنسية مهدورة في جسد الأنثى، وإن لم تجد في المرأة ملاذاً لها تحولت إلى عنف شديد يقتل المرأة البريئة، أو تحولت هذه الطاقة إلى تمسك قوي بجملة من الأعراف والتقاليد تزداد قسوة كلما كان المجتمع أكثر انغلاقاً وتحفظاً، أو تحولت إلى انتكاسة نتيجتها العجز الكلي عن الفعل.. وكل السلوكيات التي تتبعها المرأة في هذه الرواية هي نتيجة حتمية لغياب الرجل الذي يفهمها ويعرف مكامن ضعفها وقوتها ويحترمها لأنها موجودة معه كشريك في هذه الحياة، لا كعبد يؤمر فيطيع.

    تخلو الرواية استناداً إلى هذه الفرضية من الرجال الإيجابيين، كما تخلو من النساء السلبيات. وهي في النتيجة رواية منحازة للمرأة، تبرر لها كل تصرفاتها حتى الشاذة منها دون أدنى تأنيب للضمير. ولا يوجد فيها أي رجل ذو سلوك مبرر أو منطقي أو طبيعي!

    وإن كان الأمر كذلك.. فهل هذه الرواية صادقة في نبشها عن مكامن عجز هذا المجتمع وضعفه الأخلاقي، وصادقة في سعيها لإنشاء علاقة صحية بين الرجل والمرأة؟ أم هي ردة فعل عنيفة ضد الرجل فحسب؟ هل كل الرجال في مجتمعنا كما ظهروا في الرواية؟ أم أنها رواية وضعت المجهر على مكامن الشذوذ فقط دون غيرها، بغض النظر عن واقع الحال؟

بين متاهات السرد الخارجي، ومطبّات الاسترجاع الرتيب

    تبدأ الرواية بحادثة الخيانة، ثم تحدث عملية استرجاع لذكريات السيدة والخادمة تبرر قوة القرار في النهاية، وهنا يكمن التركيز على أسباب الخيانة لا على نتائجها الآنية، لكن الاسترجاع لا يحمي القارئ من الملل والتوقع المسبق لكل فصل قبل أن يبدأ بقراءته. ثم إنّ انتهاج الكاتبة لتقنية الراوي الخارجي في السرد، والذي يعرف عن الشخصيات أكثر مما تعرف هي نفسها، ما يؤكد تبني الكاتبة لكل توصيف ولكل كلمة كتبت، فهي من تقوم بتحريك الشخصيات وكأنها دمى معلقة بحبال شفافة تفعل بها ما تشاء دون أدنى معارضة، وهذا خيار لا نقاش عليه. لكنها بهذه العملية هل تحدد جنس قرائها، رجالاً كانوا أم نساء؟ وهل تستطيع الدفاع عن نفسها بالشكل الكافي لتقنع قراءها بأن شخصياتها حية وحرة؟ وما هي ردة فعل الرجال المعتدلين الذين لا يرون في المرأة إلا نصفاً فاعلاً في الحياة.

Advertisements

كتابة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: