دراسات نقدية- مقالات صحفية- قصص قصيرة- مسرحيات

اعتاد محمود درويش على إتلاف مسودات قصائده بعد تبييضها، وحرص على ألاّ يتخلل قصائده ومقالاته التي يرسلها إلى النشر أي تشطيب، فحين يشطب كلمة واحدة يعيد كتابة الصفحة بأكملها. كان يقول إنه لن يترك نصوصاً غير مكتملة، وعلى الباحثين ألاّ يتعبوا أنفسهم، لأنهم لن يجدوا شيئاً، لكن حرصه هذا لم يصل إلى مبتغاه، فترك لنا بعد موته في مشفى هيوستن تكساس قصائد متفرقة وغير مكتملة، وموزعة بين بيته في رام الله بالضفة، وبيته في عبدون بالعاصمة عمّان.
ماذا فعل إلياس خوري؟
جُمعت معظم القصائد ونُشرت في الديوان الأخير (لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي)، مع ملحق بقلم الروائي اللبناني إلياس خوري -الذي تولى إعداد الديوان للنشر- يحكي فيه عن التفاصيل والأحداث التي جرت أثناء جمع القصائد وتصنيفها، وتعديل بعضها وترك بعضها الآخر قيد النشر في ديوان الشاعر الكامل، في طبعاته اللاحقة.
لغز الديوان الأخير
رأى أصدقاء الشاعر ودار النشر أن ينشر هذا الديوان مع حلول عيد ميلاده الثامن والستين كتحية له، لعلها تكون فاتحة لتحويل يوم الميلاد إلى مناسبة سنوية لإحياء ذكرى الشاعر، والاحتفاء بميراثه.
ويوضح إلياس خوري في الملحق المرفق أنه دخل منزل الشاعر مع أخيه أحمد درويش وبعض الأصدقاء بحثاً عن قصائده الأخيرة، لأن الشاعر قال لعدد من أصدقائه إنه يملك ديواناً جديداً جاهزاً، وأكد ذلك الناشر رياض الريّس.   وقد وجدوا دفتراً في داخله وضعت غالبية قصائد هذا الديوان، فصوّر إلياس خوري نسختين، الأولى ظلت معه، والثانية ظلت مع أخيه أحمد، وأعيد الدفتر الأصلي إلى حيث كان. وضمّ ستاً وعشرين قصيدة، رتبها بحيث تكون قصائد الباب الأول في الديوان هي (ههنا، الآن، وهنا والآن) التي تحكي عن الفلسطيني، عن عاطفته وإصراره على البقاء والبناء. عن التاريخ غير الأنيق، الذي لا يكترث بالأشجار والموتى. وينهي القصيدة بالإصرار على المسؤولية التي على عاتق الفلسطيني فيما يخص خلوده على أرضه.
أما قصيدة (عينان) التي تليها فهي غزلية محضة، فمن وصف التبدل في لون عيني الأنثى بين الأخضر والأزرق ينتقل إلى وصف حالتها النفسية المرافقة لكل لون، ويندمج اللون مع المشاعر والمزاج، كما يندمج الجسد مع الروح.
وتأتي الولادة الجديدة مع قصيدة (بالزنبق امتلأ الهواء) التي يحتفل الشاعر فيها بالزنبق والموسيقا، محملاً بقلب جاهز للفرح. يصادق اليومي والمتاح، جامعاً بين لحظة مجيء الوحي، وبين حالة الانتظار، في موعد عاطفي.
ويصنف إلياس خوري بعد هاتين القصيدتين الغزليتين قصيدة (على محطة قطار سقط عن الخريطة) حيث يسأل الشاعر نفسه: إلى متى سنبقى طيبين، نذبح للغريب غزالة كلما ابتسم لنا. فما جرى في فلسطين لم يكن احتراماً للحقيقة. والجرح الفلسطيني جرح أبدي، محكمته بلا قاض، لكنه مازال جرحاً حياً.
تندرج بعدها قصيدة (لاعب النرد) وفيها يقوم بما يشبه إعادة التقييم لما جرى في فلسطين، ويسرد فيها أحداثاً من حياته وحياة شعبه بما فيها من عذاب وشقاء. وكما أشار أكثر من مرة إلى حلم العودة، يستأنف من جديد مناقشة هذا السراب الذي يجعلنا أحياء حتى الآن، فالحياة هنا – في فلسطين- رغم كل شيء ممكنة.
وينتهي الباب الأول بقصيدة (سيناريو جاهز) التي يفترض فيها وقوعه هو والعدو من الطائرة في حفرة، ويطرح بعدها عدة تساؤلات.. هل النجاة ستعيدنا للحرب من جديد؟، ففي نفس الحفرة قاتل وقتيل، وعلى شاعر آخر أن يكمل السيناريو.
وجد إلياس خوري أيضاً في الدفتر نفسه القصائد الباقية التي أدرجها كلها في الباب الثالث، وكانت أغلبها تتحدث عن الحلم والموت والخوف. فيها كلام عن الحتمية والفوضى، الوجود الأسود والعدم الأبيض، عن الغامض والمجهول، وعن الإلهي والكوني. فيها الاختلاط بين الأنا والآخر، وجدل الشيء واللاشيء. ويختمها بوصيته الشعرية لمن سيأتي بعده من شعراء.
كل هذه القصائد التي وجدها إلياس خوري وأدرجها بعد أن وضع العنوانين لبعضها تفتقد إلى قصيدة (محمد) التي كتبت بعد استشهاد الطفل محمد الدرة، فهي كانت موجودة مع القصائد الباقية وكان رقمها الخامسة والعشرين. فلماذا استثناها مع أنها لم تنشر من قبل؟ وهل تبريره يعطي جواباً شافياً، حين أورد أنها لا تمت بصلة إلى مناخ بقية القصائد!.
ويشرح قصة القصيدة التي تشغل كل الباب الثاني من الديوان، والتي تحمل عنوان (لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي). فيها يمزج الشاعر السرد بالغنائية والملحمية، في خلاصة لعلاقة الشاعر بذاته وأرضه وموته. وتتجاور في القصيدة ثلاثة معانٍ كبرى: الحبّ والحياة والشعر، وتتداخل في ما بينها، كأنه يحاول أن يشتري الحياة فيها من جديد.
في بيت نزار قباني
وجدت خمس قصائد أخرى منها قصيدة (في بيت نزار قباني) فأضيفت إلى قصائد الباب الثالث، حيث يرثي درويش الراحل نزار بلغته، فيرثي الياسمين ويرثي أناقته ووحدته ليعطي للقصيدة بعضاً من أثره. يصف درويش بيت نزار من خلال لون عينيه. (بيت الدمشقي بيت من الشعر، أرض العبارة زرقاء، شفافة. ليله أزرقٌ مثل عينيه. آنية الزهر زرقاء والستائر زرقاء، سجاد غرفته أزرق، دمعه حين يبكي رحيل ابنه في الممرات أزرق، آثار زوجته في الخزانة زرقاء..)
ويجدر بالذكر أن القصيدة الأصلية تبدأ بـ (أثاثٌ من الصين أزرقُ، صالونهُ أزرقُ، والستائرُ زرقاءُ، عيناهُ، ألفاظهُ، والدفاترُ زرقاءُ) لكن إلياس خوري وجد إشارة x عند هذا المقطع فحذفه.
هل هذا الديوان درويشي الصنع؟
إن قصائد درويش الأخيرة تحمل نفس الروح، ونفس الأسلوب منذ ديوان (ورد أقل) الذي صدر عام 1986، وشكل منعطفاً حاسماً في مسيرة الشاعر مروراً بـ (لماذا تركت الحصان وحيداً) و(سرير الغريبة)… حتى (أثر الفراشة)، برغم تعرض نبرته وجملته الشعرية إلى تعديلات كثيرة. فقد سلك دروباً جعلت شعره أكثر صفاء، بعد أن خرج من صورته كرمز إلى فضاء الشعر الأوسع. وأوجد أسلوب المصالحة بين السرد النثري والإيقاع الشعري، وظل حضور الجانب السياسي كموقف والتزام متزامناً مع فلسفة الصراع مع الموت والخوف والغياب. إن هذا الديوان لا يخرج عن درويش إلا ليدل عليه.
لكن تصريح إلياس خوري بأنه عدّل وعنون وحذف وصنّف وصحّح القصائد المنسوخة ونضدها على الكمبيوتر ثم أرسلها للنشر، هل يعني أنه لم يُدخل لمساته الأخيرة على القصائد؟، وهل يجب الاحتفاظ بالنسخة الأصلية والنسخة المصورة، والاكتفاء بإرسال نسخة الكترونية لدار النشر؟.
ذكرى السنة الأولى لرحيله
محمود درويش.. ابن الثالث عشر من آذار 1941 مواليد قرية البروة، الذي أصدر أول مجموعة شعرية له وهو في السادسة عشر من عمره بعنوان (عصافير بلا أجنحة)، خضع لثلاث تجارب مع الموت، الأولى عام 1984، والثانية عام 1998 في باريس، والثالثة كانت في 2008 في أمريكا، لكنها لم تكن تجربة نوم عميق كما جرى في التجربتين السابقتين، بل كانت تجربة نوم دائم، لا صحوة بعدها، إلا لشعره ونثره.
بلال شحادات – سيريا لايف

Advertisements

كتابة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: