دراسات نقدية- مقالات صحفية- قصص قصيرة- مسرحيات

3abbb9a8-dd50-4182-9e02-bd741fc8318b

بلال شحادات

نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-09-12 على الصفحة رقم 12 – صوت وصورة

تنوي خدمة «أمازون برايم» الدخول بقوّة إلى الموسم التلفزيوني المقبل. فبعد إعلانها إنتاج برنامج محرّكات جديد لفريق «توب غير»، وبعد تعاقدها مع وودي آلن لإنتاج أوّل مسلسل له، برمجت الخدمة عدّة مسلسلات مهمّة منها «بوش»، و «المتستّر بيت». ولم تتوانَ عن تخصيص ميزانية كبيرة لمسلسل «كازانوفا»، كما يتضح أثناء متابعة الحلقة الأولى، خصوصاً أنه ينتمي إلى الدراما التاريخية الوثائقية. اعتمد صنّاع العمل على مذكرات جياكومو كازانوفا (1725 ـ 1798) التي كتبها في آخر سبع سنوات من حياته، واستعرض فيها روح العصر في القرن الثامن عشر، بالتوازي مع مغامراته النسائية العديدة.
يحمل هذا المسلسل توقيع المخرج الفرنسي جان بيار جونيه صاحب فيلم «أميلي» (2001) الشهير، والكاتب ستيوارت زيكرمان، وبطولة الممثل المكسيكي دييغو لونا بدور شخصية كازانوفا، والممثلة الصربية بويانا نوفاكوفيتش بدور مدام دو بومبادور، عشيقة الملك لويس الخامس عشر.
في مذكرات كازانوفا التي حملت عنوان «قصة حياتي»، توثيق شامل لكل تناقضات القرن الثامن عشر. فقد تزامن التطور الفكري والثقافي مع موجة تفلّت من القيود الاجتماعيّة والدينيّة، وتزامن أفول ثقافة عصر الباروك مع انتشار ثقافة عصر الروكوكو، إضافةً إلى الفوضى التي خلقتها الحرب بين فرنسا وبريطانيا آنذاك. لقد كان قرناً حافلاً بالأحداث والمتغيرات، يعطيه كازانوفا معظم صفحات مذكراته.
درس كازانوفا علوماً عدّة، أتقن الكثير من المهن، وأجاد أربع لغات أجنبية. كان جندياً وكاتباً ومقامراً وساحراً وجاسوساً ومغامراً ومفكراً. حصل على الدكتوراه في القانون وعيَّن سكرتيراً للكاردينال أكافيفا، وتنقل بين مراكز ومناصب عدة، وجاب دولاً كثيرة. جالَسَ أكابر القرن الثامن عشر وفقراءه. لكنه ظل مدمناً على أمر واحد لم يستطع الشفاء منه، وهو الغواية. كانت غاية الحياة بالنسبة لديه هي الحياة ذاتها، بكل ما فيها من لذة ومتعة. وهذا ما جعل منه عرّاب الحب الشهواني، وحوّله إلى أسطورة في التاريخ والأدب والفن.
هذه الشخصية بتنوعها وغناها وتقلباتها تستحق أن تكون مادة دسمة لحكاية درامية جيدة، تبدأ من لحظة هروبه من السجن في البندقية العام 1757، حيث أمضى ثلاث سنوات بتهمة «الهرطقة وممارسة السحر وإقامة علاقات غير شرعية».
يهرب كازانوفا إلى باريس وفي نيّته أن يكون شخصاً جديداً، ويقرِّر أن يبتعد عن النساء نهائياً؛ لكن العادات القديمة لا تموت بسهولة، وبقي الإغواء وسيلته الأولى. هكذا، يتراجع عند أول اختبار، ويوافق على تنفيذ طلبات صديقه وزير الخارجية في بلاط لويس الخامس عشر حينها الكاردينال فرانسوا جواكيم دو بيرني، والتي تتلخص في إغواء عشيقة الملك لويس مدام دو بومبادور، مقابل حصوله على امتيازات تساعده على البدء من جديد. يطلب منه أن يعمل جاسوساً لحسابه كي يستطيع السيطرة على الملك من دون منافسين. فكيف لكازانوفا أن يرفض، ما دام في الأمر امرأة جميلة، وما دامت الخطّة ستساعده على امتلاك المال والسلطة والاحترام؟ إنها صفقة رابحة.
أما مركيزة بومبادور، فكانت راعية الارستقراطية في عهد الرفاهية والتأنق، وفتحت صالوناتها الثقافية لاحتضان فناني عصرها ومفكريه، تبنّت مدرسة الروكوكو وروجت لأفكارها. إنها امرأة تستحق أن تعيد كازانوفا إلى عاداته القديمة. وهذا ما حصل بالفعل.
يبدأ كازانوفا غزوته لاصطياد بومبادور وإغوائها، لكنها تصدّه بحزم، فيزداد تصميماً على الإيقاع بها. وتنتهي الحلقة التجريبية مع بداية هذه المواجهة والمباراة بين الرجل والمرأة، فمن سيفوز؟ ومن سيعلن هزيمته؟ هذه الأسئلة ستبقى معلّقة في انتظار الحلقات القادمة.
من الواضح أن افتتاحية المسلسل (فيلم تلفزيوني بحسب تصنيف «أمازون»)، تضع الحجر الأساس لاستعراض مجمل محطات حياة كازانوفا التي تزخر بكل أنواع الدراما من الكوميديا إلى الرومانسية إلى الأكشن، إلى جانب جماليات القرن الثامن عشر كافة من عمارة وفنون وآداب وأزياء، بالإضافة إلى الحضور الصارخ للمرأة بأنوثتها وجرأتها وذكائها. مسلسل شامل، يستحق المتابعة.

Advertisements

كتابة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: