دراسات نقدية- مقالات صحفية- قصص قصيرة- مسرحيات

d34ed410-0a82-4b2e-b1d3-7a56783b06ab

بلال شحادات

نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-11-02 على الصفحة رقم 13 – صوت وصورة

تبنّت شبكة «إيه بي سي» الأميركيّة عرض المسلسل الجديد «الكذبة الجميلة» بحلقاته الست (إنتاج هيئة الإذاعة الاسترالية)، وهو عبارة عن قراءة معاصرة لرواية «آنا كارنينا» آخر أعمال الكاتب الروسي ليو تولستوي (1828 ــ 1910).

تؤدّي الممثلة سارة سنوك دور البطلة آنا آيفن، إلى جانب الممثل رودجر كورسر بدور زوجها كساندر، أما دور العشيق سكيت فيؤدّيه الممثل بينديكت صامويل.
يبدو جلياً التشابه بين الرواية والمسلسل في الموضوع والأحداث والشخصيّات، مع تغييرات ضروريّة تخصّ الزمان والمكان. أما الهدف العام فهو تأكيد أن شخصية آنا كارنينا لم تمت بعد، والأحداث نفسها تتكرَّر إلى الآن، ولن تتوقف طالما الإنسان يعيش صراعاً ما بين القلب والعقل، أو ما بين العاطفة والواجب.
يفتتح تولستوي روايته بالعبارة التالية: «العائلات السعيدة ترتع في الجنّة، والشقيّة تتمرّغ في ألف جحيم. وأسباب السعادة تتشابه، أما أسباب الشقاء فتتفرع إلى أغصان وأفنان». تلخّص هذه الجمل حياة آنا كارنينا، تلك الزوجة الارستقراطية الشابة التي تدفعها المصادفة إلى التورط بعلاقة عاطفية تضطرها للاستسلام، ومن ثم الاعتراف العلني، ثم الانفصال عن زوجها والتخلي عن ابنها الوحيد من أجل عشيقها. وهذا ما تجنيه من ازدراء أفراد المجتمع والحكم عليها بالعيش على الهامش، فتقع أسيرة جنونها وتجد خلاصها الأخير بالانتحار تحت عجلات القطار.
أما في المسلسل فينتقل المكان من روسيا إلى ملبورن في استراليا مع عائلة أرستقراطية مكوّنة من لاعبي التنس المتقاعدين، آنا وزوجها كساندر، وابنهما الوحيد. يعيشون في حالة رخاء ورفاهية، من دون أي نوع من المنغّصات. وهنا يكمن الخلل، فاستفحال الرخاء يولد الضجر، ويحفز على انتظار أي مغامرة مهما كانت سخيفة وبلا طائل. المغامرة في مسلسل «الكذبة الجميلة» تأتي بعنوان الخيانة الزوجيّة، إذ يكفي أنّها تعتبر محرّمة، كي تكون مغرية أكثر من غيرها من المغامرات. فبعد لقاء آنا الأوّل بسكيت، ينهار كل شيء تدريجياً، وتنهار شخصيتها أيضاً. ترضخ لنداء العاطفة على حساب واجبها كزوجة وأم، ويتخلّى سكيت عن حبيبته ليلة خطوبتهما، ويتركها تبكي، وهي تجهل سبب اختفائه.
تتوالى أحداث العمل بتراتبيّة الأحداث ذاتها في الرواية، وعلى مدى الحلقات الست. يتبع سكيت رغبته من دون أدنى شعور بالذنب، ما يثير آنا ويجذبها بعد الحياة الخانقة التي أمضتها مع زوجها المنضبط والروتيني. إنها تعتبر ذلك كافياً للقيام بالمغامرة من وجهة نظرها، ومن الطبيعي أن تجرّها إلى الكذب، واختلاق الأعذار، ثم تضطر إلى الهجوم بالإعلان الصريح والمباشر الذي ينعكس عليها بالخزي والعار.
تفتتح آنا الحلقة الأولى بصوتها قائلة: «جعلني أعتقد أن باستطاعتي النجاة من كل شيء (تقصد زوجها)، لكنه كان مخطئاً. فابني سيصبح في السابعة من عمره، وأنا سأكون ميتة». إنّها تختصر الحكاية بالمجمل، لينصبّ اهتمام المتفرج على التفاصيل المعاصرة في المعالجة الدرامية. فنهاية الرواية يعرفها معظم الناس، لذا من الضروري إدراج نقاط جديدة تلعب دوراً في إيصال البطلة إلى النهاية نفسها، أو ربما غيرها في الحلقة الأخيرة.
هناك خيط رفيع يفصل بين الإخلاص والخيانة، ويخلق تراجيديا حديثة تتربّع على عرش الصراع بين قدسية الواجب ودنس العاطفة. ويأتي فعل انتحار آنا كخاتمة عادلة بناءً على رؤية تولستوي الفلسفية، والتي تقضي بأن الحكمة الإلهية تعلو على الحكمة الإنسانيّة. لكن حقيقة الأمر والمنطق يرجحان إرادة المجتمع والضمير الجمعي في اختيار هذه النهاية الدرامية، والأجدر، من وجهة نظر معاصرة، أن يُترك لآنا المجال للعدول عن فعلتها. فهي لا تستحق الإعدام بقدر ما تستحق البحث عن بداية جديدة، لا مغامرات فيها. وهذه الأحكام متروكة للحلقات المقبلة بما تخفيه من تطورات مفاجئة.
دراما «الكذبة الجميلة» محبوكة بشكل متقن، وتجتمع فيها العناصر الدرامية بشكل سلس وساحر، بإيقاع يتسارع تدريجياً ويثير الفضول، لا سيما أنها تستحضر إحدى أهم روايات العصر الكلاسيكي، وأهم ما كُتب عن سيكولوجيا المرأة وفلسفة حياتها.

Advertisements

كتابة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: