دراسات نقدية- مقالات صحفية- قصص قصيرة- مسرحيات

751dd51a-8025-4d6a-b8ed-8956e94bf747

بلال شحادات

نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-11-11 على الصفحة رقم 13 – صوت وصورة

يعتبر إنتاج دراما الباليه متواضعاً جداً، إذا ما قورن بباقي أنواع الدراما المعروفة في المسلسلات، ما يدلّ على خصوصيتها من الناحية الإبداعية وصعوبة تنفيذها من ناحية الأداء. تحتاج مسلسلات الباليه إلى ممثلين يحترفون الرقص، وتتطلّب حكاية تندمج بالرقص ولا تكون موازية له، كما تستدعي أسلوباً إخراجياً قادراً على إيصال التناغم بين الموسيقى والرقص والدراما في آن معاً.
من ضمن كل الأعمال التلفزيونية التي عُرضت لهذا العام لم تغامر أيّ قناة باستثناء شبكة «ستارز أورجينال» على إنتاج دراما الباليه في مسلسل بعنوان «لحم وعظم». بُثت الحلقة الأولى من العمل في 8 تشرين الثاني الحالي، في أول موسم له. المسلسل من ابتكار الكاتبة والممثلة مويرا والي بيكيت وإخراج دايفيد ميتشود، مع الاستعانة بخبرات الراقص والكوريغراف إيثان ستيفيل كمستشار ومصمّم للرقصات في حلقات المسلسل الثماني.
اختير لأدوار البطولة ممثلون يحترفون الرقص، وأولهم سارة هيل في دور الشخصيّة الرئيسيّة كلير روبنز، إلى جانب الراقصة ايرينا فوروفينكو، والراقص ساشا راديتسكي. كما يشارك الممثل بن دانيلز بدور بول مدير الفرقة المثليّ.
يتابع المسلسل هرب كلير من منزل ذويها وسفرها إلى نيويورك كي تلتحق بفرقة الباليه. تنجح في فحص القبول رغم الألم الذي كانت تعاني منه جراء كسرٍ في ظفر إبهام قدمها، وتجد سكناً مؤقتاً مع زميلتها. نستكشف معها تدريجياً عوالم مدينة نيويورك، بالتزامن مع عالمها الشخصي والعائلي الذي يعجّ بالاضطراب.
تواجه تصرفات عدة مستفزِّة من زميلاتها في الفرقة بسبب اهتمام المدير بول بها لأنها تمتلك موهبة خاصة. إعجاب بول بموهبة كلير يدفعه إلى التنسيق مع مستثمر فرنسي كي يموّل الفرقة لتقديم عرض باليه جديد، تكون كلير الراقصة الرئيسية فيه. يحاول إقناعها بأن نجاحها كراقصة باليه مرتبط برضا المستثمر عنها.. أي أنّ إثبات وجودها يحتاج إلى أكثر من موهبتها في الرقص.
في الوقت نفسه تبدو كلير في حالة تعطُّش للحب، حتّى أنها تعوّض عن ذلك بوضع عدد من كتبها ورواياتها فوق جسمها كي تشعر بوزنها وتحضنها بشوق، كبديل لغياب الحبيب… هذا غير الألم المسيطر عليها بسبب الظفر الذي اضطرت لإزالته عن إبهام قدمها. تعاني من وجع مادي ومعنوي يطحن حياتها قبل مجيئها إلى نيويورك وبعده.
تنفذ كلير طلبات مديرها بول وتغري المستثمر الفرنسي كي يوافق على تمويل العرض الجديد. لا تفكر إلا بإثبات وجودها كراقصة باليه مهما كان الثمن، ما يجعلها فتاة انتهازية في نظر زملائها، لكنها لا تكترث. أما أخوها، الجندي العائد من أفغانستان، فلا يتوقف عن الاتصال بها، فتتجاهل الردّ عليه. وفي نهاية الحلقة الأولى نكتشف أنه شاب مضطرب ومريض، كان يقيم علاقة محرّمة مع أخته، ما قد يكون السبب في هربها من منزل العائلة. وهذا يُظهر جزءاً من دوافع شخصية كلير الانفعالية.
جملة من العوالم المتباينة في شخصية البطلة وكواليس مدينة نيويورك تمتزج فيما بينها، فاختلال كلير واختلال المدينة هما شيء واحد، وعنونة اللحم والعظم هي لبّ القول الذي يسعى المسلسل إلى معالجته. فداخل هذا الجمال والرونق المحيط بعالم الباليه والموسيقى تختبئ بشاعات جمّة، فمن الابتزاز والإغواء، إلى التنافس والحقد، فالإدمان والدعارة، والاضطراب والهذيان، وغير ذلك من خفايا. تلك هي مكوّنات اللحم والعظم تحت الجلد الناعم لجسد الراقصين الموهوبين، ولا يُرى منه إلا المشاهد الخلاّبة.
ربما يكون المسلسل قد تمادى في معالجة تلك العوالم المخفية وجمعها في عمل واحد، لكنه نجح في خلق دراما راقصة تتصل عضوياً بالأداء الحركي، وتعتمد عليه كوسيلة للتعبير عن الانفعالات المختلفة ضمن الحكاية، هذا بالإضافة إلى الجهد المبذول إخراجياً في التركيز على التفاصيل لتأكيد أهميتها في البنية الدرامية الشاملة.

Advertisements

كتابة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: