دراسات نقدية- مقالات صحفية- قصص قصيرة- مسرحيات

5da62d2e-2d60-4c3b-8721-7b96b301bebe

بلال شحادات

نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-11-26 على الصفحة رقم 5 – صوت وصورة

قرنان من الزمن ورواية فرانكشتاين لم تطو صفحاتها بعد، وشركات الإنتاج لم تتوقّف عن استثمار حكايتها في أكثر من خمسين عمل فني. وهي حاضرة لهذا العام في اثنين، الأول سينمائي أميركي بعنوان «فيكتور فرانكشتاين» من إخراج بول غويغان، والثاني تلفزيوني بريطاني بعنوان «يوميات أو سجلات فرانكشتاين» الذي أنتجته شركة «رينمارك فيلمز» في ست حلقات فقط بدأ عرضها على قناة itv encore .
المسلسل من ابتكار وإخراج بنيامين روس، وبطولة الممثل شون بين بدور المحقق جون مارلوت، إلى جانب الممثلة آنا ماكسويل مارتين بدور الكاتبة ماري شيلي، والممثل توم وارد الذي يلعب دور وزير الداخلية روبرت بيل في ذلك الوقت.
تجري أحداث المسلسل العام 1827 مع المحقق جون الذي يكلَّف بشكل سري من قبل الوزير بالتحقيق في سلسلة جرائم بشعة ترتكب بحق أطفال الأحياء الفقيرة في مدينة لندن، إذ يختفون ثم تظهر جثثهم بعد فترة وقد تعرضت أعضاؤها للفك ومن ثم إعادة التركيب بطريقة وحشية، وكأنّهم مجرد ألعاب خشبية رخيصة.
يتفرغ المحقق جون كلياً لحل لغز الجرائم، منطلقاً من دوافع مهنية وإنسانية تحثّه على اكتشاف الفاعل بأسرع وقت، بغية إنقاذ الأطفال الذين يموتون واحداً تلو الآخر من دون رحمة، إلى جانب دوافع شخصية قاسية مرتبطة بوفاة زوجته وابنته الرضيعة، ولا ينفك يرى طيفهما في خياله. يتسع بحثه وهو تائه وسط مجموعة من الأحداث الغامضة، وعليه أن يحلّها كي يستطيع الاستمرار. ومن بين هذه الألغاز تظهر رواية فرانكشتاين وتقع صاحبتها ضمن دائرة الاتهام.
اللافت للنظر والجديد في هذا المسلسل هو أن الحكاية ومعظم الشخصيات من وحي الخيال، ما عدا شخصية الروائية البريطانية ماري شيلي (1797 ـــ 1851) التي تظهر في عمر الثلاثين تقريباً، أي بعد ما يقارب التسع سنوات على كتابة روايتها الأولى «فرانكشتاين أو بروميثيوس الحديث» العام 1818. يروي العمل قصة الطبيب فرانكشتاين الذي يسعى إلى إعادة إحياء رجل بعد جمعه من أشلاء متفرّقة مستخدماً آخر ما توصل له العلم آنذاك، وبالأخص النبضات الكهربائية. وتكون النتيجة رجلاً حيّاً في منتهى القبح والبشاعة لكنه يتمتع بكامل الصفات الإنسانية. وحين يكتشف ما فعل به الطبيب يقرر الانتقام منه. ويدور بين الاثنين صراع مرير ومأساوي ينتهي بموتهما معلناً فشل العملية برُمّتها. إنها معالجة جريئة لموضوع شائك وحساس في العقيدة الإيمانية، ألا وهو لغز الحياة والموت، مشبعة بالدلالات والرموز لبحثها في أصل الخير والشر، والإرادة الحرّة، وخروج المخلوق على طاعة الخالق (الصانع).
يقرأ المحقق جون رواية ماري شيلي عن طريق الصدفة ويلاحظ التشابه بين أحداثها وبين ما يجري على أرض الواقع، مما يجبره على اتهامها والتشكيك بمصداقيتها، من دون أن يثبت تورطها بشكل قاطع. وبذلك تنضمّ ماري إلى بقية الأشخاص المشكوك بأمرهم والذين يزدادون كلما أكمل المحقِّق طريقه باتجاه كشف اللغز.
اعتمد المسلسل في صلب حكايته على جملة من الشائعات والأحداث التي جرت في تلك الحقبة. ففي أوائل القرن التاسع عشر كانت الكهرباء عبارة عن اكتشاف جديد، بدأت معها الأقاويل بقدرتها على بعث الحياة إذا ما لامست الجسد الميت. كما تزامن في تلك الفترة وجود عالم يدعى يوهان كونراد ديبيل درس اللاهوت والفلسفة والكيمياء، واعتكف في قلعته لسنوات عدة متفرغاً للبحث العلمي. كان يطلق على نفسه اسم فرانكشتاين، وكان شبه مجنون لا يختلط بأحد، وكثرت حوله الشائعات عن محاولته إعادة إحياء الجثث. وبعد فترة من الزمن اتهم بالهرطقة وأعدم على إثر ذلك.
«يوميات فرانكشتاين» توثيق جديد لحقبة تاريخيّة عاشتها مدينة لندن بكلّ ما فيها من أوهام وحقائق داخل حكاية مليئة بالأحداث الملغّزة والمحبوكة، من استحضار فانتازيا فرانكشتاين بكل أجوائها الغرائبية، والمخلوق القبيح (الوحش) الذي يثير الرعب في نفوس المواطنين، بالتوازي مع الاكتشافات العلمية في أول ظهورها، والصراعات التي كانت تدور في البرلمان بين الحزبين دفاعاً عن حقوق الفقراء الذين تسرق جثث موتاهم وتباع بلا رادع أخلاقي… وغير ذلك من الأضداد تعكس تلك الفترة من الزمن ضمن قالب درامي تم تحضيره بعناية واتقان.

Advertisements

كتابة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: