دراسات نقدية- مقالات صحفية- قصص قصيرة- مسرحيات

58b82a3b-e689-4004-96b2-3f7920156103

بلال شحادات

نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-12-19 على الصفحة رقم 12 – صوت وصورة

نهاية الحرب لا تعني بداية جديدة، لأنها تحتاج إلى سنوات من إعادة البناء، خصوصاً إذا ما تعلّق الأمر بالمنحى الاجتماعي والنفسي لمن خاضها. ذلك ما عاشه الشعب البريطاني في فترة الخمسينيات بعد انتهاء الحرب العالميّة الثانية، حين عانى من القمع العاطفي والكبت النفسي والعنف الجسدي، وغيرها من الآفات المصاحبة لكلّ حرب.
يرجع سبب نجاح رواية «المنبوذ» (2008) للكاتبة البريطانية سادي جونز إلى عملية استرجاع ومعالجة الماضي العالق في أذهان الشعب كذكرى مريرة. وهذا ما دفع «هيئة الإذاعة البريطانيّة» إلى إعادة إحياء الرواية في مسلسل قصير على قناتها الأولى، وقامت الكاتبة نفسها بإعداد السيناريو والحوار له، وأخرجه إيان سوفتلي. وأدّى الممثل الشاب جورج ماكاي دور البطولة في شخصية لويس، إلى جانب الممثل غريغ وايس بدور والده جيلبرت.
يتزامن بلوغ لويس العاشرة من عمره مع غرق أمه في النهر أمام عينيه. يعجز عن إنقاذها ويغرق في حزن عميق، ويمرّ بظروف صعبة، فلا أحد من المحيطين به استطاع تقدير حالته، حتى والده الذي عاد من الحرب مؤخّراً لم يستطع مساعدته، مع أنّه حاول إقناعه بنسيان الحادثة، فالأمر ليس بهذه البساطة. وبعد بضعة أشهر يقرِّر الارتباط ويُدخل إلى البيت زوجة جديدة، تقف عاجزة عن إيجاد الطريقة المناسبة للتعامل مع الصبي الغريب الأطوار.
تمرّ سنوات عدّة، ويبقى طيف والدته يلاحقه ليل نهار. ويستمر في صمته لا لأنه يرغب في ذلك، بل لأنَّ أحداً لم يطلب الاستماع إليه أو يتعاطف معه. يتحول الصمت الإجباري والهذيان بطيف الأم إلى حالة من الاضطراب النفسي يختلط فيها العنف الظاهري مع التعذيب الذاتي، فيُقدم لويس على ضرب أحد الشبان، ثم يحاول إيذاء نفسه بجرح ذراعه مرات عدّة. ويدفعه الغضب إلى دخول الكنيسة وإضرام النار فيها كرد فعل جريء على القدر الذي خطف أمه وتركه وحيداً.
يدخل السجن لمدّة سنتين بعد إحراق الكنيسة، ثم يخرج منه إلى واقع أشد مرارة من السابق، فقد صار منبوذاً من الجميع في الوقت الذي كان يبحث فيه عن بداية جديدة، لكنَّ أفراد مجتمعه الصغير لا يسمحون له بذلك. وينتقل من مشكلة إلى أخرى حتى يقرِّر الهرب والبحث عن الخلاص في مكان آخر. لا أحد يرغب به. حتى والده تائه في إيجاد وسيلة لمساعدته. الجميع ينبذه، وبعضهم يتّهمه بأنه أغرق أمه عن قصد. إلا أنّ كاثرين الفتاة الوحيدة التي تتعاطف معه وتحبّه لأنّها هي الأخرى تتعرّض للعنف من قبل أبيها وتضطر لكتم غضبها، وتعيش داخلها رغبة عارمة بالتمرّد على هذا الواقع مثل لويس تماماً، لذا تأتي نهاية المسلسل بمشهد يجمعهما سويّة في محطّة القطار، وتقول له الجملة الأخيرة: لقد نجونا. عرض العمل على «بي بي سي 1» الصيف الماضي على مدى حلقتين، وبات الآن متوفّراً على أسطوانات «دي في دي».
في قراءة مجازيَّة لأحداث الحكاية يعتبر موت الأم هو موت الماضي الجميل لبريطانيا قبل الحرب، أما الحاضر (خمسينيات القرن العشرين) فهو قاس وصارم، بينما يبدو المستقبل غير واضح على الإطلاق. والشخصيات إما غارقة في حاضرها الروتيني التقليدي، أو متمردة عليه وتتلقى منه الضربات الموجعة. لويس منبوذ لأنه خاص، مصيبته أنه جاء في زمن لا يقبل بالحالات الخاصة، بل يؤمن بالتعميم والقرار الشمولي والرأي الواحد. والبداية الجديدة تحتاج إلى أشخاص مثله حتى تتمرد وتمهد الطريق لأجيال بعدها. أمّا على صعيد الصورة فيتكامل الأسلوب الإخراجي في هذا المسلسل مع تفاصيل السيناريو ويعكس قيمة كل لحظة من لحظات السكون الذي يسيطر على وجوه الشخصيات، ويخفي معاناتها. يختزل الكلام قدر الإمكان ويركز على انفعالات الجسد وتفاصيل الوجه لدرجة توحي بأن الحوار ما زال مستمراً، ما يعطي دلالة على الارتباك وعدم الثقة والشعور بالغربة بين الشخصيات، ويعطي للصمت أيضاً دور البطولة.

Advertisements

كتابة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: