دراسات نقدية- مقالات صحفية- قصص قصيرة- مسرحيات

98f1670c-0935-4181-9f7a-e344069252ed

بلال شحادات

نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-10-28 على الصفحة رقم 10 – صوت وصورة

هل تتوقع أن تتحول حياتك بكاملها إلى ملفات «ديجيتال» وتصبح قادراً على استعراض أسعد اللحظات على شاشة التلفاز؟ هل تتوقع أن تتمكن يومًا من حذف كل ما تكرهه من حياتك حذفاً نهائيا؟ أو تحفظ تاريخك بأكمله داخل «هارد ديسك»؟ هل يعتبر هذا خلاصاً لنا نحن البشر، أم مأساة جديدة تدخل حياتنا عُنوة؟ كل هذه الأسئلة تعالجها الدراما البريطانية «المرآة السوداء» (Black Mirror)، من إنتاج شبكة «نتفليكس»، بكل ما فيها من تطلعات وانتكاسات إنسانية.
القاسم المشترك بين مواسم المسلسل البريطاني الثلاثة، هو التطور التكنولوجي وتقنيات الاتصال والتوثيق الرقمي، فعلى أساسه تبنى دراما خاصة يمكننا تسميتها اصطلاحاً «الدراما الافتراضية»، لأنها تفترض واقعاً جديداً تضخ فيه حكايات تتناسب عناصرها الدرامية مع هذا الواقع. لكن هذه الدراما لا تغيب عن الإنسان وما يعيشه من صراعات، مع نفسه ومع المجتمع الذي يحيط به. يتابع الموسم الثالث لهذا العام على النهج نفسه ويتعامل مع فرضيات الموسمين السابقين وكأنها حقيقة لا غبار عليها، وسنعيشها آجلا أم عاجلاً.
تحمل كل حلقة من «المرآة السوداء» حكايتها الخاصة وأبطالها ومخرجها، ويتولى كتابتها الناقد والمذيع والصحافي الإنكليزي تشارلي بروكر. تتضمن الحلقات نقداً سياسياً ساخراً، أو عرضاً قاسياً لخيبات أمل بين زوج وزوجة، أو ورطة استحضار جسد ميت واكتشاف مأساة عدم التواصل مع كائن بلا روح، أو الصراعات النفسية لشاب يعمل مُحركاً لشخصية كرتونية تسخر من السياسيين وتنافسهم على الترشح لرئاسة الحكومة البريطانية.
لم يدخل القائمون على هذا المسلسل في تحديات وعقبات الوصول إلى فرضيات هذا الواقع الحداثي، بل تعاملوا معها وكأنها قائمة ومستمرة، كغيرها من ابتكارات كنا نعتبرها مستحيلة لكنها صارت جزءاً لا يتجزأ من واقعنا الحالي. تحولت تلك الفرضيات إلى نقاط انطلاق لمعضلات درامية كانت لبّ كل حكاية من حكاياته.
المقصود بـ «المرآة السوداء» هو شاشات الأجهزة الالكترونية، وهي مطفأة، والتي نرى من خلالها أنفسنا ونراقب انغماسنا الكلي بالتكنولوجيا. وهي أيضاً المرآة السوداء لكل الأخطاء التي نرتكبها من دون وعي بأنفسنا وبمصيرنا. ففي كل حلقة من حلقات هذا العمل إشارة أو اتهام غير مباشر أو فج لما يفعله البشر بأنفسهم.
لقد تحولت ذاكرة الانسان إلى «داتا» هي عبارة عن ملفات بالصوت والصورة يستطيع صاحبها استرجاعها وتخزينها أو حذفها. في إحدى الحلقات يكتشف زوج خيانة زوجته عن طريق «الداتا». وفي حلقة أخرى نرى أن الإنسان يستطيع حظر أي شخص من حياته بحيث يحجبه عن كل شيء، والمحظور يصبح عبارة عن صورة مشوشة بالأبيض والأسود. كما نشاهد خلال المسلسل أن التكنولوجيا يمكن أن تعيد أي شخص ميت إلى الحياة بمجرد أن يتم تحميل كل المعلومات الخاصة به في جسم الروبوت فيأخذ أدق تفاصيله الشخصية. لكن ذلك لا يخلّص الزوجة مثلاً من ألم الفقدان لزوجها الميت، لأن الروبوت مهما كان دقيقاً في التقمص فهو عاجز عن استحضار روح الزوج المتوفى.
مسلسل بمثل هذه الجرأة محفوف بالمغامرة والمجازفة، وهو عبارة عن نسيج محكم الصنع من الخيال العلمي والدرامي ذي البعد التشاؤمي أو التحذيري، خصوصًا في تعاطيه مع قصص تقليدية ومتكررة لكنها ذات أثر جارح إذا عولجت ضمن إطار الحداثة التقنية وتداعياتها. إنه يخلط بين الثورة التكنولوجية ومأساة الإنسان بطريقة احترافية تجعلها لقمة سائغة في فم الجمهور لكنها تسبّب نزيفاً في وجدانه، من الصعب أن يتوقف.

Advertisements

كتابة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: